عن لبنان المحكوم من «الميليشيا».. والطبقة السياسية العقيمة!

17 تشرين مرفأ بيروت

ثمة ازمةٍ عميقة في الفكر السياسي اللبناني، متجذرة كمرضٍ عُضال يفتك بالجسد اللبناني، الى حد وصول الحياة السياسية، الى درجةٍ عالية من التصحر الفكري والعقم، في استيلاد طبقة سياسية جديدة يستحقها لبنان وشعبه.

الفكر والسياسة هما ذاتهما لم يتغيرا على الاطلاق ولم يُفارقا الاحزاب التي تسلمت السلطة بصيغتها الجديدة بعيداً عن تسميات ومرادفات الحرب

فمنذ ما بعد اتفاق الطائف ١٩٩٠، وتوقف المدفع وغياب لعلعة الرصاص عن خطوط التماس، وغياب الميليشيات بأدواتها وآلياتها وعناصرها عن مواقعها، في وسط بيروت والاحياء والتي كانت تُقسم العاصمة، وبقية المناطق، تم تجديد تلك الميليشيات، والتي دخلت جنة الحكم واستُبدلت البزات العسكرية والمرقطة، بأخرى من ماركات عالمية وربطات عنق وساعات واكسسوارات، لزوم الحياة الجديدة، لكن الفكر والسياسة هما ذاتهما لم يتغيرا على الاطلاق، ولم يُفارقا الاحزاب التي تسلمت السلطة بصيغتها الجديدة، بعيداً عن تسميات ومرادفات الحرب.
وعلى الرغم من دخول بعض الافرقاء على الحياة السياسية، وهم ايضاً اتباع ميليشيا، مختلفة اعمالهم بعض الشيء عن ميليشيا الحرب، حيث تشكلت ميليشيا لكل من رجال اعمال والمصارف، والنفط وكارتلات سياسية لتُمثل دولاً خارجية ومصالحها، ولكن كل ذلك يمر من خلال الديمقراطية اللبنانية الهجينة، والمسماة “الديمقراطية التوافقية”، وتم زيادة مصطلحات جديدة على الحياة السياسية اللبنانية، كمصطلح “الميثاقية”، وتعارف الجميع على مصطلح حكومات الوحدة الوطنية، والتي تجمع كل التكتلات الطوائفية المقيتة، التي يتم تعيينها تحت بند انتخابات نيابية، وفق قوانين لم يعرف التاريخ بصفحتيه المعاصر والقديم، اشكالاً موازية لقوانين الانتخابات، حتى بتنا كلبنانيين نتحسر على عهد السلطان سليم في عهد الاستقلال الاول، او على عهد المكتب الثاني “الدكتيلو”، في اواخر عهد شهاب ومن تلاه خصوصاً عهد الرئيس شارل حلو.
واليوم وبعد مضي حوالي ثلاثة وثلاثين عاماً، على إقرار الدستور الجديد المستند الى ميثاق واتفاقية الطائف، والذي لم يتسن لهذا الدستور ان يُطبق، خصوصاً لجهة وما ورد فيه من إصلاحات جيدة، لدرجة انها لو طُبقت لكان انتقل لبنان فعلاً لا قولاً فحسب، الى مصافي الدول الراقية، ولكنا تخلصنا من آفة الطائفية البغيضة، والتي ترسخت اكثر فأكثر، بدءاً من الاعوام التي تلت انتهاء الحرب، وما نتج عنها من امراضٍ مُزمنة، وعاهات تُسيطر على المجتمع اللبناني، والذي بغالبيته الصامتة يتوق للتخلص منها.

بتنا كلبنانيين نتحسر على عهد السلطان سليم في عهد الاستقلال الاول او على عهد المكتب الثاني “الدكتيلو


اليوم وفي اواسط العام ٢٠٢٤، تعود حقائق الانقسام والعقم والعجز في الطبقة السياسية، إلى فرض ذاتها على الشعب اللبناني، بواسطة ما تمتلكه من إمكانيات وجيوش الكترونية، وميليشيات مسلحة ومصادر تمويل محلية وخارجية، ولكن بثيابٍ مدنية، واعادت تقسيم المناطق الى مربعات امنية، وعلى الرغم من استفراد احد الافرقاء بسلاحٍ غير شرعي، حتى بات بإمكانه إدخال لبنان بحروبٍ عبثبة تجر الويلات من دمار وقتلٍ وتهجير، وقطع ارزاق وإتلاف كل ما يعود على المواطنين بالخير، تحت مُبررات وهمية نتيجة مغامراتٍ لا يتحملها لبنان، بل ويعطل الحياة السياسية، وخلق فراغات في سدة الحكم، ويجعل البلاد رهينة مزاجية لا تخدم سوى مصالح خارجية، فقط لانه يتفوق على بقية الاطراف بسلاحه وعتاده وعديده، وطبعا يأتي ذلك بالتآمر مع بقية الاطراف الفاعلة، ومن مختلف الجهات، فقط ليبقى امر البلاد على حاله، بينما الشعب منتهك الحقوق، يُعاني من القمع والقهر ومسلوب الارادة ومغتصب التمثيل، لان قوانين الانتخابات فُصلت على مقاس ميليشيا السلطات المتعاقبة على الحكم، بحكم الامر الواقع، حتى ان من خرق في بعض المناطق من نواب في الانتخابات الاخيرة عام ٢٠٢٢، وسمُي بمسميات التغييريين، خرجو على اللبنانيين بممارسات، بات الناس يترحمون على الطبقة السياسية الحاكمة حيث لا فروقات في الاداء والممارسات، إنما الاداء فقط في الخطابات والتصريحات الاعلامية ليس إلا.

لا زالت الطبقة السياسية ذاتها وتستولد ذاتها وفق قوانين انتخاب تتناسب مع احجام وامكانيات القوى السياسية

اليوم، وبعد كل ما يُعانيه لبنان من حروب على ارضه، ومن ازمات مستدامة كالكهرباء مثلاً ، عدا عن الازمة المالية التي يُعاني منها لبنان منذ ٢٠١٩، وضياع تعب وشقاء اللبنانيين في الداخل، والمغتربات في المصارف اللبنانية، والتي تُعتبر سرقة العصر، حيث انها لم تحدث في بلاد حتى في تلك الدول الفاسدة، والتي كانت تُسمى فيما مضى “جمهوريات الموز” ، لا زالت الطبقة السياسية ذاتها، وتستولد ذاتها وفق قوانين انتخاب، تتناسب مع احجام وامكانيات القوى السياسية المتسلطة على رقاب اللبنانيين، وبارادتهم ايضاً في بعض الاحيان، بحكم التقسيم الطائفي، هي ذاتها تتحكم في البلاد والعباد.

لبنان بحاجة لمعجزة قد تكون بمثابة انقلاب، قد تستطيع تخليص لبنان من مصائبه، لكن للأسف زمن المعجزات قد ولى، هذا اذا فعلاً كان قد حصل فيما مضى وليس اساطير الاولين فحسب، او انه على الشعب اللبناني، ان يتحرر من قيود طائفيته البغيضة المكبل فيها، لينتفض ويعيد بناء لبنان، وفق طموحات شبابه المهاجر، والذي اصبح بغالبيته كافرٌ بوطنه وبحكامه، وينشد الرحيل بعض من تبقى منهم، وترك الوطن مزرعة خاوية للطبقة السياسية وازلامها فحسب.
فإلى ذاك اليوم يبقى لبنان محتلاً ، مُغتصباً، مسلوب الارادة ومنتهكاً استقلاله.

السابق
اساتذة الثانوي يتوقفون عن تصحيح الامتحانات الرسمية اعتراضاً
التالي
«رسائل حربية ثقيلة» بين «الحزب» واسرائيل..ومجازر نتانياهو تهدد بتقويض «هدنة غزة»!