ما بعد بعد.. مفاجأة «إكتساح» اليسار الفرنسي!

لم يمض وقت طويل على تأسيس الجبهة الشعبية الجديدة، التي تشكلت في اقل من شهر وعلى عجلة من امرها، على إثر قرار الرئيس الفرنسي حل البرلمان الفرنسي “الجمعية الوطنية” في فترة لاتزيد كثيرا عن شهر، حتى كانت بالامس المفاجأة الكبرى في تصدر الجبهة نتائج الانتخابات البرلمانية الوطنية، وحلولها اولاً من حيث اعداد النواب، التي حصلت عليهم والتي ستعلن النتيجة الرسمية اليوم.

هذا الامر حل كالكارثة على التجمع الوطني اليميني بقيادة ماري لوبان وجوردان بارديلا الذي كان يحضر نفسه ليُصبح رئيساً للوزراء

هذا الامر حل كالكارثة على التجمع الوطني اليميني بقيادة ماري لوبان وجوردان بارديلا، الذي كان يحضر نفسه ليُصبح رئيساً للوزراء، بعد ان كانت الاستطلاعات تتحضر لفوز كاسح للتجمع بأكثرية مطلقة، اي بحدود ٢٨٩ مقعداً في الجمعية الوطنية، وهذا ما لم يحصل بالامس بل حلت الكارثة بكل معنى الكلمة. اما الجبهة الشعبية الجديدة، يُقدّر حصولها على مابين 172 إلى 215 مقعدًا، وتُعتبر الاولى ومن ثم يأتي بعدها معسكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على مابين 150 إلى 180 مقعدًا واخيراً حزب التجمع الوطني، الذي كان يُرجح في الأساس حصوله على غالبية مطلقة، اي ما نسبته ٢٨٩ مقعداً ولكن ما حصل يُقدر حصوله على مابين 115 إلى 155 مقعدًا.

إذن، من هي الجبهة الشعبية الجديدة؟ هي تحالف انتخابي واسع للأحزاب اليسارية في فرنسا، لم يتجاوز عمره الشهر. تم إطلاقها في 10 حزيران الماضي استجابة لدعوة ماكرون لانتخابات تشريعية مبكرة.

وتتشكل الجبهة الشعبية الجديدة من أحزاب مثل:
حزب “فرنسا الأبية” ، والحزب الاشتراكي، وحركة “الخضر ، والحزب الشيوعي الفرنسي، وحركة “الأجيال ، وحركة “المكان العام، وعدة أحزاب ومجموعات يسارية أخرى.

أكبر حزب في الجبهة الشعبية الجديدة هو حزب “فرنسا الأبية ، بقيادة اليساري جان لوك ميلنشون، والذي يُعتبر حزب راديكالي ، وهو من اعلن الرئيس ماكرون، انه لن يتحالف معه في تشكيل حكومة إئتلافية بعد الانتخابات.

هذه النتيجة التي ستتشكل منها الجمعية الوطنية ستخلق حالة سياسية غير مستقرة ، والتي قد تعطي الرئيس الفرنسي ذريعة ليأخذ مزيداً من الوقت في تشكيل حكومة ، وقد يلجأ للمادة ١٦ من الدستور الفرنسي التي تُتيح له ان يستلم السلطة التنفيذية لبعض الوقت ويترك بقية امور الحكم للحكومة التي ستستقيل اليوم وفق لما اعلنه رئيسها ليل امس ، وبالتالي هذا التصرف سيُتيح لماكرون تمرير فترة العاب الاولمبياد الصيفي والتي تستعد لها باريس، ومن ثم بعد الانتهاء منها يأخذ وقته في مفاوضات لتشكيل إئتلاف تتشكل منه حكومة، والتي قد تكون ازمة للرئيس ماكرون لانها ستختلف باهدافها عنه، وهي تضع اولويات غير تلك التي يهدف اليها الرئيس، وقد تستمر طيلة فترة الرئاسة المتبقية الحاليةوصولاً لموعد انتهائها.
وقد تكون هذه الحكومة غير منتجة للرئيس، وغير مساعدة لتنفيذ توجهاته او رؤيته للحكم وفق خطته، وهذا ما سيخلق مشاكل على صعيد الحكم والذي سيُصبح برأسين كلٌ ينظر في اتجاه.

أكبر حزب في الجبهة الشعبية الجديدة هو حزب “فرنسا الأبية ، بقيادة اليساري جان لوك ميلنشون

إن نتائج الانتخابات الفرنسية، قد اشارت الى تحول كبير في الشارع السياسي الفرنسي، وخلقت صدمة للقوى الموجودة ، لانه كان من مسار الاحداث، متوقع ان يفوز التجمع الوطني اليميني المتطرف بالاكثرية المطلقة، فأتت النتائج مخيبة لأمال اصحابها، فقلبت الامور رأسا على عقب واتت بتجمع اليسار اولاً، وهذا الامر قد يؤرخ لمرحلة جديدة في السياسة الفرنسية، في حال استطاع اليسار الفرنسي، ان يُحقق نتائج جيدة على صعيد الحكم، من خلال التعديلات التي يرغب الإئتلاف في تحقيقها، ويرغب في إدخالها على الصعيد الاقتصادي بشكلٍ خاص، مما يُساهم بتخفيف الاعباء عن كاهل المواطن الفرنسي، ولجم غلاء اسعار السلع الاستهلاكية، لاسيما اسعار الوقود وغاز التدفئة، والتي ارتفعت بنسب كبيرة على إثر الحرب الروسية – الاوكرانية نتيجة فرض العقوبات على الغاز والنفط الروسي، وهذا ما ساهم في ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية وارتفاع نسب التضخم، مما فاقم الاوضاع المعيشية، وخلق حالة من الاضطرابات على مستوى السوق في البلاد.

من هنا إذا استطاعت احزاب الجبهة الشعبية الجديدة، ادخال التعديلات التي تخدم مصالح الشعب الفرنسي، هذا ما سيؤرخ لمرحلة مستدامة في الحكم وتعزيز فرص اليسار، على حساب احزاب اليمين والوسط وخاصة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، والذي يضع كل اللوم على المهاجرين والفرنسيين، مزدوجي الجنسية والذي يطالب بسحب الجنسية منهم.

إذا اليمين المتطرف، بعد ان فاز باكثرية مريحة في الانتخابات البرلمانية للاتحاد الاوروبي، اتت نتائج الانتخابات البرلمانية الوطنية مخيبة للأمال، على الرغم من التقدم الحاصل على مستوى تمثيله في الارياف، وهذا ما سيُرتب على القوى الفائزة تحسين ادوارها وبرامجها، لتُشكل عائقاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مما ستُتيح الفرصة لهزيمة لوبين وحزبها.

السابق
الجامعة العربية و«دولها».. معوقات «تنازل» التحديات!
التالي
لروّاد الشاطئ.. تحذير من الدفاع المدني!