«رهاب الحرية» أداة المستبدين لقمع التغييريين.. لبنان وإيران مثالاً!

يمتلك كلّ نظام ، سواء كان ديمقراطياً أو استبدادياً، هويّة خاصة يسعى إلى التشبث بها، والحفاظ عليها من أجل “بقائه”. و يتطلب هذا البقاء عمليةَ تطويعٍ للشعب ومن ثم ضبطه، بغض النظر عن الأسلوب الذي يمكن للنظام أن يتّبعه، بما يتلاءم مع هويته أكانت ديمقراطية او استبدادية.

من الطبيعي ومن البديهي، أيضاً أن يفرض إلقاء الضوء على “رهاب الحرية” عند تناول النظام الاستبدادي، لأن من سماته الإمعان بقمع الحريات و اقصائها في سبيل “ترويض” او تطويع مواطنيه.
إذاً، يُشكل الشعب، كما أشرنا، “المادة” الأمثل والأسهل، على حدّ سواء، التي يستخدمها النظام الاستبدادي في سبيل الحفاظ على تماسكه و استمراريته. فهو يعمل على “إنهاك” شعبه و”هدر” طاقته، وضبطه، و من ثم توظيفه بما يتناسب مع مصالح “أربابه”، متناسياً حقوقه في الحرية والعدالة الاجتماعية و الأمان، وضارباً بعرض الحائط كرامته “الانسانية”!…
وإذا ما قاربنا مثل هذا السلوك، من زاوية نفستحليلية، نرى أنه يحاكي السلوك المضطرب و غير السوي للمنحرف النرجسي، ذلك الذي يعمد إلى انهاك شريكه على المستويات كافة، ساعياً بذلك إلى تعزيز نرجسيته، في سبيل حماية “أناه” الضعيفة والتابعة.

يعمد النظام المستبد إلى قمع شعبه لأنه يشعر بعجزه.

لسنا هنا في صدد تناول الشخصية النرجسية المنحرفة، إلاّ أنه كان لا بدّ من التعرّض إليها بشكل موجز، ليصار أكثر إلى فهم سبب استبداد السلطة بشعبها ودوافعه. بمعنى آخر، يعمد النظام المستبد إلى قمع شعبه لأنه يشعر بعجزه.
كذلك الأمر، إن تناول الاستبداد، من زاوية طبيعة النظام، يُظهر جلياً أنه كلما كانت تنحو أكثر نحو “الديني”، كلما ازدادت استبداداً و قمعاً. ويعود السبب في ذلك إلى أن النظام، في هذه الحال، يلجأ إلى “المقدّس”، و يستخدمه ليحاصر به شعبه، و يغرقه في التحريمات والتسليمات. ومن الطبيعي أن يهدد مثل هذا السلوك المضطرب للنظام الدين نفسه، لأنه يعمد إلى اقحامه في المصالح الخاصة لأربابه، و يبعده عن تلك التي تصب في مصلحة الشعب واستقراره.

يعمد النظام الدين- سياسي إلى تحويل الدين إلى أداة ترهيب وتهميش

بتعبير أصح، يعمد النظام الدين- سياسي إلى تحويل الدين إلى أداة ترهيب و تهميش، ويعترض مهمته في إرساء التسامح والمحبة واحترام التنوع.
وعلى هذا النحو، يمكن القول أنه عندما يتحول النظام السياسي إلى دين-سياسي، تسقط الديمقراطية، حُكماً، عنه.
و بدوره، يشكل تحويل الخوف الذي يعدّ شعوراً طبيعياً لدى الفرد إلى “رهاب” أوالية أو “ميكانزماً” تستخدمها الأنظمة الاستبدادية، من أجل التحكّم بشعبها والاطباق عليه. و يبدو أن “رهاب الحرية” هو الأكثر انتاجاً وشيوعاً في ظل هذه الأنظمة.
تحدّث إريك فروم في مؤلفه “الخوف من الحرية”، في العام ١٩٤١، عن رهاب الحرية، حيث قام بتحليل سلوكيات أفراد، يقومون بالبحث عن أي وسيلة ممكنة، من أجل الهروب من الحرية عبر الخضوع للأنظمة الاستبدادية، أو تبني سلوكياته أو حتى التماهي معها.

عندما يتحول النظام السياسي إلى دين-سياسي تسقط الديمقراطية حُكماً عنه


يتم تحديد رهاب الحرية، على أنه خوف لا عقلاني و غير مبرّر من الحرية الشخصية، والعجز عن القيام بالمسوؤوليات المرتبطة بها. ويظهر هذا الرهاب، من خلال تفضيل الفرد اللجوء إلى الأماكن الأكثر انضباطاً، بحيث تبقي خياراته محدودة، باعتباره يهاب اتخاذ القرارات و التي، في أغلب الأحيان، يحدّدها الآخرون عنه. باختصار، لا يمكن للفرد الذي يعاني من رهاب الحرية، أن يتخذ القرارات بشكل مستقل لأنها يخاف الاختيار والتصرف بحرية.
يستخدم النظام الدين- سياسي “رهاب الحرية”، و يتخذه أداةً له بعد أن يعمد إلى “تجذيره” في نفوس مواطنيه. و لكي ينجز “مهمته” تلك، يتخذ من التنشئة خطوة أولى بعد أن يوظفها خدمةً له. بمعنى أدق، يُدخل في نظامه التربوي “المقدّس” ويوسع دائرته لابعاد مواطنيه عن كل ما هو عقلاني. و يجهد بذلك في إنتاح أنماط بشرية خانعة و يائسة ومحبَطة.
تجدر الاشارة، إلى أن الكثير من الأنظمة التي تدّعي بأنها ديمقراطية، تسعى إلى زرع “رهاب الحرية” في نفوس شعوبها، من خلال إطلاق الاحباط لديها، عبر إفقارها، وتهميشها، وأيضاً منعها من الاحتجاج في الكثير من الاحيان، وذلك من أجل التستّر على جرائمها الاقتصادية والاجتماعية، في حق تلك الشعوب. ويشكل الواقع اللبناني نموذجاً و مثالاً عن هذا السلوك. حيث ساهمت طائفية النظام السياسي، وطبيعته الزبائنية والمفياوية، بجعل السواد الأعظم من شعبه خانعاً، يفتقد الثقة في أي خطوة يمكنه القيام بها، في سبيل الانتفاضة على حاله الكدرة و تغييرها. و جاء توظيف “الطائفي” من قبل النظام السياسي اللبناني، ليشكل أداة رئيسية للإخضاع سواء عبر المؤسسات التربوية الطائفية، أو استغلال الوضع الاقتصادي الصعب، أو حتى عبر تنشئة، أدّت دورها في إضعاف قيّم المواطنية والوطنية.
ومن جهة أخرى، تعدّ الثورات والانتفاضات و السعي إلى التغيير، أمثلة واقعية على أن المكبوت “يعود لينتقم”، كما يقول سيغموند فرويد . بتعبير أدق، إن ما يحصل ، في الكثير من الأحيان، هو أن الحرية “المكبوتة”، التي تم قمعها بواسطة العقاب سواء باسم المقدس، أو تحت أي ذريعة كانت، “تعود لتنتقم”. وهي تثور على رهابها من خلال الانتفاضة على الذات أولاً، و من ثم على الظلم الذي أُلحق بها. و يتبدى ذلك من خلال ما يجري من ممارسات في الحياة السياسية أو الاجتماعية، تعكس مدى ميل الحرية “المكبوتة “، نحو الانتقام ممن قمعها.
لعل ما جرى في إيران سواء عبر الانتفاضة التي جرت بعد موت مهسى أميني، أو امتناع النسبة الأكبر عن المشاركة في الاقتراع، أو حتى عبر معارضة ما تفرضه السلطة من قوانين مجحفة في حق النساء والأفراد …. . يعدُّ دليلاً على ان للحرية “هالتها” التي يجب عدم المساس بها، طبعاً مع وضع ضوابط تسهم في حمايتها، وليس في قمعها، ولكن دوما من داخل قواعد الحرية نفسها لا من خارجها!

السابق
تحوّل لافت.. حماس تتخلى عن مطلب وقف إطلاق نار وتنتظر الردّ الإسرائيلي
التالي
قصف مواقع لحزب الله جنوباً.. واستهداف دراجة نارية في القليلة وسقوط قتيل