غزة على طاولة المفاوضات مجدّداً..هل الإختراق ممكن؟

تظاهرة تضامنية مع غزة

لا يمكن القول إن ملف الحرب على قطاع غزة لم يوضع على نار حامية… بل إن المفاوضات لوقف إطلاق النار تبدو أولويةً للولايات المتحدة وإسرائيل ولِـ «محور المقاومة».

وفيما صرّح المسؤول عن ملف الرهائن في الجيش الإسرائيلي، بأنه سيستقيل إذا رَفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عرضَ التفاوض والبدء بوقف العمليات العسكرية، أكد عضو مجلس الحرب السابق غادي آيزنكوت، أن «إعادة المخطوفين (أمر) صعب جداً ولكن لا مفرّ منه».

كذلك دعا عضو مجلس الحرب السابق بيني غانتس، إلى «قرار شُجاع ومؤلم».

ورغم أن نتنياهو قَبِل بإطلاق المفاوضات، فإن ذلك لا يُسقِط الألغام التي تعترض هذا المسار، سواء في ضوء انتقائه العبارات في معرض توصيفه لمستقبل غزة عسكرياً، أو احتمالات التصادم مع حلفائه في الحكومة، ما يضطره للتصريح بأنه سيُنهي الحرب فقط «بعد تحقيق كل أهدافها».

فهل ينجح نتنياهو في إيجاد توازن بين التعب والإرهاق واستحالة تحقيق جيشه للأهداف المرسومة، من جهة، وبين ضغط المتطرفين المطالبين بإكمال الحرب من دون هوادة، من جهة أخرى؟

يَخشى ذوو المحتجزين وجميع الأحزاب الأخرى التي تطالب بانتخابات مبكّرة وبصفقة لتحرير المحتجَزين أن يعمد نتنياهو لتخريب الاتفاق، خصوصاً بعد إيفاده مدير جهاز «الموساد» ديفيد برنياع إلى الدوحة وعودته إلى إسرائيل حاملاً مقترح «حماس» الذي وُصف بالإيجابي من أطراف مُشارِكة في المباحثات.

نتانياهو يبحث دائماً عن طريقٍ لفرض إرادته وعدم الاستسلام للأمر الواقع لأن الميدان أرهق جيشَه المتذمّر من الخسائر

وقد خرّب نتنياهو مرتين احتمالَ الاتفاق على هدنة تمهد لوقف إطلاقِ نارٍ مستدام في الأشهر الأخيرة. ويتردد أن همّه الوصول إلى الكونغرس الأميركي في 24 يوليو، حيث سيُلْقي خطاباً أمامه في إطار زيارةٍ لواشنطن سيلتقي فيها الرئيس جو بايدن، ليقول له إنه أعطى الضوء الأخضر لبدء عملية التفاوض بجدية.

وقد أعطى نتنياهو تعليماتٍ بإرسال وفد أوسع إلى الدوحة لملاقاةِ الوفد الأميركي لحلّ مشكلة التعامل مع مصطلح وقف إطلاق النار أو وقف العمليات الحربية Extended Cease Fire وإدخال مصطلح جديد هو هدوء مستدام Sustainable calm مما يستوجب الإعلان عن «وقف إطلاق نار» يلزم إسرائيل بوقف كل الأعمال الحربية لمدة دائمة، ويَسمح لها بأعمال أمنية عند اللزوم.

إضافة إلى ذلك، فإن أعداد المعتقلين الفلسطينيين وهوياتهم هي موضع خلاف لأن «حماس» تطالب بحق الاختيار الذي يرفضه نتنياهو.

الفارق بين المصطلحين

إن تعبير «وقف إطلاق النار المستدام» يعني الوقف الفوري للعنف، بينما «الهدوء المستدام» يتضمّن تدابير أوسع لمعالجة الأسباب الكامنة وأخذ تدابير لضمان الاستقرار على المدى الطويل.

وغالباً ما يعني «وقف النار المستدام» أن تنفيذه يُنفّذ فوراً لانهاء العمليات العدائية، بينما «الهدوء المستدام» يتطلب مفاوضات مفصّلة واتفاقات شاملة وإنشاء آليات جديدة بعد الاتفاق عليها من الطرفين والتحقق من التنفيذ.

وتتمّ مراقبة «الهدوء المستدام» من خلال هيكلية دائمة ومراقبين دوليين، ما يسمح للطرف الإسرائيلي بإطالة المفاوضات ورفْضها في منتصف الطريق إذا اعترض الطرف المقاوم عليها وعلى تفاصيلها. وهذا ما يعطي نتنياهو هامشاً كبيراً للمناورة الدائمة من دون أن يعني ذلك في مفهومه خرق الاتفاق.

وهذا دليل آخَر على أن رئيس الوزراء يبحث دائماً عن طريقٍ لفرض إرادته وعدم الاستسلام للأمر الواقع لأن الميدان أرهق جيشَه المتذمّر من الخسائر وطول مدة الحرب وقساوة المعارك مع المقاومة التي لم تظهر أي دليل على ضعفها أو تَراجُعها رغم الدمار الهائل الذي أصاب القطاع وقتْل إسرائيل لعشرات آلاف المدنيين.

إلا أن نتنياهو يبحث عن مخرج مشرّف له يحافظ فيه على سلطته. فهناك متغيّر أساسي سُرّب عن اجتماع الكابينيت المصغّر الذي ناقش المفاوضات، حيث تلقّى تهديداً من المتطرفين في حكومته مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي لوّح بأنه سيستقيل إذا استمرت إسرائيل بالمفاوضات.

يَخشى ذوو المحتجزين وجميع الأحزاب الأخرى التي تطالب بانتخابات مبكّرة وبصفقة لتحرير المحتجَزين أن يعمد نتنياهو لتخريب الاتفاق مع “حماس”

كل الحكومات الإسرائيلية السابقة لم تعمّر أكثر من سنتين أو سنتين ونصف السنة. وقد مرّ نحو عامين على الحكومة الحالية حيث يستطيع نتنياهو الذهاب إلى انتخابات مبكّرة كمنتصر، ويتحالف مع المعارضة التي تَعرض عليه الاتفاق والتخلّص من المتطرفين.

إقرأ ايضاً: تصعيد مسائي جنوباً..قصف اسرائيلي وغارات و«الحزب» ينعى العطار و«يثأر» له!

فإبقاء المفاوضات لأشهر عدة وإطلاق جميع المحتجَزين يُعتبر انتصاراً لرئيس الوزراء الذي سيقدم نفسه على أنه قضى على «العمالقة» ودمر غزة ولقّن الفلسطينيين درساً لن ينسوه.

من الممكن القول إن المعارك شارفتْ على الانتهاء، لأن إسرائيل انتقلتْ إلى مرحلةٍ ثالثة تَعتبر من خلالها أن جيشها سيكتفي بعملياتٍ أمنية محدّدة داخل القطاع، في الشمال والوسط والجنوب.

وهذا ما يتطابق مع تحقيق بعض بنود وقف النار الذي لم يَعُدْ بعيدَ المنال بسبب ما فرضه الميدان. إلا أن الشيطانَ يكمن دائماً في التفاصيل، وهذا ما يَعتمد عليه نتنياهو ليُظْهِر للناخب أنه يستطيع الوصول إلى أي هدف إذا اعتَبر أنه يخدم أمن المستوطنين واستقرارهم وعودة حالة اليقين التي فُقدت منذ 7 أكتوبر.

وسيَجد التوازنَ اللازم الذي يَبحث عنه لتنفيذ خطته التي تتضمّن بنداً أساسياً: البقاء في السلطة من دون مُحاسَبَةٍ على أخطائه وفشله.

السابق
16 شهيداً فلسطينياً في مجزرة اسرائيلية طالت نازحي مدرسة الجاعوني في النصيرات
التالي
ماذا سيتغير في سياسة طهران الداخلية والخارجية بعد فوز بزشكيان؟