عندما «تتكلّم» بكركي و«تنفعل» المقاومة: متى تُستعاد سيادة لبنان؟!

السفير هشام حمدان

أستمع كثيرا عن دعوات للحوار، وخاصّة من طرف قيادات الجنوب في المقاومة. كان آخر ما استمعت إليه كلام سماحة المفتي الجعفريّ ألشّيخ أحمد طالب، الذي بيّن بين أمور عديدة، أنّ القيادات الشّيعيّة متّفقة بشكل عامّ، على مبدأ المشاركة مع الآخرين في القضايا الوطنيّة الدّاخليّة، مع الإصرار على موجب الآخرين على الصّمت، إن لم يكن تغطية ما يقوم به الذّراع العسكري ل”المقاومة” من أعمال عسكريّة.

قال سماحته بوضوح ردّا على سؤال عن تفرّد الحزب في اتّخاذ القرارات: “مسؤوليّتنا ألّا نكون منفردين في قرارات تخصّ جميع اللّبنانيّين. التّفرّد أمر غير مسموح به، ولكن، هنالك أحداث على الصّعيدين الأمنيّ، والعسكريّ، تفرض نفسها في بعض الأوقات، ولا يكون هنالك مجال للتّفاوض”. وبرّر سلاح “المقاومة” بقوله: “كلّ العالم مسلّح، وجميع الجهات تملك أسلحة دون استثناء، والمطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها، غير بريئة”.

قيادات المقاومة الشّيعيّة تدرك أهمّيّة دعم الجبهة الدّاخليّة ولكنّها لا تريد أن تستمع لآرائهم و لا تتردّد في وصف الأصوات المعترضة على أنّها في خدمة “العدوّ”

ماذا يعني ذلك؟ يعني أوّلا: أنّ موضوع الأمن، والشّأن العسكريّ، والتّسلّح، ليسوا خيارات للتّفاوض. وأنّ مفهوم أمن البلاد، وشؤونها العسكريّة، يخضعان لقرارات جهة لديها السّلاح، والمعدّات، والجنود ووو… وتسمّى “ألمقاومة”. هي التي تحدّد ما يوصف بتهديد لأمن لبنان وسلامته، وما يستوجب إستخدام السّلاح. وبمعنى آخر، فهذا يعني أنّ “المقاومة”، أصبحت هي الدّولة، وهيكليّتها السّياديّة (ألقانونيّة، والسّياسيّة)، للتي تقرّر ما هو التّهديد الذي يفترض إستخدام السّلاح. وعليه، فإنّ دور ما يسمّى مجلس وزراء، برئيسه وأعضائه، ليس سوى أداة تنحصر مهمّتها في تغطية قرارات “المقاومة” العسكريّة، وما يتحقّق في إطار الحوار من قرارات في الشّؤون الدّاخليّة.

المشكلة الواضحة نتيجة هذا الكلام، هي أنّ قيادات المقاومة الشّيعيّة، تدرك أهمّيّة دعم الجبهة الدّاخليّة، ولكنّها، لا تريد أن تستمع لآرائهم. هم، إما أنّهم من القاصرين أو من المشبوهين. وعليه، لا تتردّد في وصف الأصوات المعترضة، على أنّها في خدمة “العدوّ”.

من جهتنا، نحن نرى أنّ الدّاخل بجميع مكوّناته، مصرّ على العيش بمحبّة ووئام، مع أهلنا في المكوّن الشّيعيّ، ويريد أن يبني قواعد مشتركة لتحصين هذا العيش المشترك. ويرى، أنّ القرار المشترك في الحرب والسّلم، هو أيضا، جزء أساسيّ من القواعد، التي تشكّل تحصينا للعيش المشترك. وأنّ أيّة قرارات بهذا الصّدد، يجب أن تقوم في إطار نظام سياسيّ وطنيّ يحتضنه الدّستور. فالدّستور، هو سياج الكرامة الوطنيّة، ورمز المواطن في لبنان (وأيّ بلد آخر)، لوجوده الحضاريّ بين الشّعوب. من المؤسف أنّ قيادات المقاومة الشّيعيّة التي نحترمها، لا ترى هذا الأمر، أو تراه، ولا تريد القبول به. ودائما بحجّة مواجهة العدوّ.

هناك إقرار وطنيّ، بأنّ إسرائيل هي عدوّ وطننا، طالما لم يتحقّق السّلام معها، وفقا لقرارات جامعة الدّول العربيّة. هذا العدوّ، ليس عدوّ أهل الجنوب فقط، بلّ كلّ لبنان؟

نعلم أنّ العداء العربيّ لإسرائيل منبثق من بعدين: قوميّ، ودينيّ. فالعرب، وجلّهم من المسلمين، يعتبرون قضيّة إحتلال فلسطين، طعنة في كيانهم القوميّ، يضاعف منها إحتلال القدس التي هي قبلة دينيّة إسلاميّة (إيرانيّة، وغير إيرانيّة). وهذا يعني، أنّ هذا العدوّ، ليس عدوّ أهل الجنوب، ولبنان فحسب، بلّ هو أيضا، عدوّ العرب، والمسلمين في آن معا.

وإذا نظرنا في ردّ الفعل الدّوليّ بشأن أحداث غزة، نرى أنّ هذا العدوّ، أصبح أيضا، عدوّ المجتمعات الحضاريّة، الملتزمة قواعد ميثاق الأمم المتّحدة؟

هناك إقرار وطنيّ بأنّ إسرائيل هي عدوّ وطننا طالما لم يتحقّق السّلام معها هذا العدوّ ليس عدوّ أهل الجنوب فقط بلّ كلّ لبنان

أعتقد أنّ أهلنا في “المقاومة”، يعلمون كلّ ذلك. لكنّهم يصرّون، على أن يأخذوا على عاتقهم نيابة عن جميع هؤلاء، مواجهة هذا العدو بمفردهم، بما يهدّد سلامة لبنان بأسره.

من الواضح أنّ بكركي، حملت صوت الجبهة الدّاخليّة المعارض لهذا الأمر، وليس صوت المسيحيّين فقط. ومن الضّروريّ، أن تدرك قيادات “المقاومة” بشقّيها: الدّيني والزمنيّ، والتي توجّهت بإتّهامات مؤسفة نحو بكركي، أنّ الصّوت العاقل، والمعتدل لسيّد بكركي، رغم انتقاداته للقرارات المنفردة التي تتّخذها، هو الذي يحمي بشكل عمليّ ظهر المقاومة.

إقرأ ايضاً: «جنوبية» يستشرف مصير «فرنسا الجديدة»..إلى «اليمين» در؟!

كيف؟ تعلم تلك القيادات مكانة بكركي إقليميّا، ودوليّا. فبكركي، قوّة لا يستهان بها. لعبت دورا أساسيّا في صناعة تاريخ لبنان، وحاضره، وتلعب دورا أساسيّا في رسم مستقبله. من يجهل أن ما يسمّى “مقاومة إسلاميّة”، ما كان ليقوم له قائما، لولا الدّور الذي تقوم به إيران على السّاحة اللّبنانيّة. إنتقدت بكركي هذا الدّور. بكركي، تريد استعادة الحصانة لسيادة لبنان. فإنتهاك هذه الحصانة من جانب إيران، سمح لكلّ أعداء إيران بإنتهاك سيادة لبنان.

إتّهمت “المقاومة” سيّد بكركي، لأنّه رفع الصّوت. هو رفعه هنا، في لبنان، حيث صوته مثل أصوات كلّ اللّبنانيّين، تتردّد كصدىً في وديان لبنان، لا أكثر. جاءت الكنيسة التي تتبع لها كنيسة بكركي، لتشدّ على يد سيّدها. ثمّة فارق كبير بين مجيء راعٍ كنسي للشّدّ على يديّ راع كنسيّ آخر، ومجيء مسؤولي إيران من سياسيّين وعسكريّين يوميّا، لا ليشدّوا على أيدي قادة المقاومة فحسب، بلّ لتوجيهها، ونقل قرارات الوليّ الفقيه، ومساعديه، لها.

طالبنا بكركي مرارا أن ترفع صوت الجبهة الدّاخليّة المطالبة بحماية سيادة لبنان وخاصّة من تدخّل ايران في شؤونه

نحن نعلم من يدير العالم في هذا القرن. لذلك، طالبنا بكركي مرارا، أن ترفع صوت الجبهة الدّاخليّة المطالبة بحماية سيادة لبنان، وخاصّة، من تدخّل ايران في شؤونه، من على منبر الامم المتّحدة، وفي قاعات الكونغرس الأميركيّ، وقاعات المجالس النّيابيّة في أوروبّا، وبلدان النّاتو. بكركي، التي أدّى صوتها في مؤتمر باريس للسّلام بعد الحرب العالميّة الأولى، إلى قيام لبنان الحديث، يمكنها، إذا رفعت الصّوت على المنصّات الدّوليّة، أن تفرض تطبيق إتّفاق الطّائف بكلّ مندرجاته، واستعادة سيادة لبنان، وهو المطلوب منها كي يستقيم السّلام، والإستقرار، والإزدهار في وطننا، لاسيّماّ إذا شاركها قادة من الطّوائف الأخرى، الصّرخة. مهلا، لا تستهينوا بهذا الموقف الذي كان يمكن لبكركي أن تأخذه، لو لم تكن تراعي فعلا، مشاعر أهلنا في المقاومة. في الواقع، من الواجب أن نقول هذّه الحقائق من أجل التّاريخ.

السابق
«جنوبية» يستشرف مصير «فرنسا الجديدة»..إلى «اليمين» در؟!
التالي
بالفيديو: مُسيّرة اسرائيلية تستهدف منزلاً في معروب..ولا إصابات!