وجيه قانصو يكتب ل«جنوبية»: الولايات المتحدة.. أزمة قيادة وقلق على الديمقراطية

وجيه قانصو

شكلت المناظرة الانتخابية في الولايات المتحدة بين جو بايدن ودونالد ترامب، صدمة كبيرة لدى الناخبين والمراقبين والنخب الفكرية. سواء كان لجهة سمعة البلد وهيبتها في العالم، أم لجهة تدني الخطاب السياسي فيها، إلى أدنى مستوياته الأخلاقية، أم لجهة الخوف على مصير الديمقراطية نفسها، بتضييق خيارات الناخبين وغياب المنافسة الفعلية، أم لجهة غياب رؤية غير شعبوية  لمعالجة العديد من الملفات الحيوية، مثل ملف المهاجرين والضمان الصحي والإجهاض والتضخم الاقتصادي، وحربي أوكرانيا وغزة، والتصدي للنمو الصيني الكاسح.

كانت المناظرة سجالاً بين شخصين لا بين مشروعين أو برنامجين أو حتى بين حزبين

كانت المناظرة سجالاً بين شخصين، لا بين مشروعين أو برنامجين، أو حتى بين حزبين. لم يُفوِّت أي منهما فرصة القدح الشخصي بالآخر، وإهانته وإظهار عيوبه الجسدية والعقلية، وتعييره بمسلكياته. لم يتوقف كل منهما عن الكذب في إنجازاته، كل يرمي أرقاماً وإحصاءات مرتجلة وغير حقيقية، ويضخم فشل الآخر، ويسيء الربط بين الاشياء، ويتجنب الإجابة بوضوح ومسؤولية عن الاسئلة الحرجة والحساسة. مدار المناظرة، ليس ما لدى كل واحد ليعرضه أمام ناخبيه، بل بادعائه أن شخصه بذاته هو الحل، ولا توجد خيارات أخرى. فترامب مسبوق بنزقه الشخصي، واستعداده لانتهاك كل قانون أو قيمة أخلاقية، للوصول إلى غرضه، أما بايدن، فيعيش حالة إنكار كلي لحالته الصحية، التي تطال من سلامة قدراته النفسية والعقلية والجدارة، مع ما في ذلك من أثر مؤذ على صناعة القرار، وإدارة البلد الأكثر تعقيدا في العالم.

كشفت المناظرة، عن مشكلة افتقاد الولايات المتحدة، إلى قيادة تقود البلد، وتخرجها من الكثير من معضلاتها الداخلية ومآزقها الخارجية. جزء منها يعود إلى حصر الحياة السياسية، بحزبين باتا قديمين بهيكلية قديمة وإجراءات شكلية، إضافة إلى وجود مراكز قوى داخل كل حزب، تتحكم في خياراته وميوله ومرشحيه. ما يجعل مرشح كل حزب، يمثل تقاطعات المصالح وجماعات الضغط الاقتصادي، اكثر ما يحمل القدرات والكفاية والسمات القيادية المناسبة.

كشفت المناظرة عن مشكلة افتقاد الولايات المتحدة إلى قيادة تقود البلد وتخرجها من الكثير من معضلاتها الداخلية ومآزقها الخارجية

مُني بايدن بنكسة كبيرة في المناظرة الأخيرة، جراء تشتت افكاره اكثر من مرة وتلعثمه في الكلام، إضافة إلى وقفات صمت متعددة. هذا وضع الديمقراطيين بحرج شديد، لجهة إدراكهم أن حظوظ فوزهم بالرئاسة باتت قليلة. ما دفع اكثرهم، إلى طرح مرشح بديل عن بايدن، لرفع حظوظ الفوز، إلا ان ذلك الامر ليس بالسهل، بحكم أن بايدن تدعمه شبكة مصالح قوية داخل الحزب، ومستمرة في دعمه حتى النهاية. لذلك سيخلق النقاش عن بديل لبايدن، توترات وجدل داخليين داخل الحزب الديمقراطي، لن تتضح نتائجها قبل مؤتمره العام في شهر تشرين الثاني من هذا العام.

اما الحزب الجمهوري، فقد نجح ترامب أثناء رئاسته في تشتيته وتمزيقه من الداخل، وتعطيل حيويته الداخلية، وخلق حالة زبائنية بداخله، ما تسبب بتدن لافت في مستوى الخطاب، وإسفاف غير مسبوق في لغة التعبير، وحوَّل الحزب الجمهوري الى ساحة مزيدات، تتبارى شخصياته البارزه في طرح شعارات شعبوية، تحرك غرائز العرق الأبيض وتضخم مخاوفه، وتشجع على الانزلاق في مقولات عنصرية محفزة للكراهية والعنف، ضد المهاجرين المكسيكيين والإثنيات الاخرى، وتحث على التشدد في المواقف الدينية الرافضة للاجهاض، وتدعو الى ادراج التعليم المسيحي في مناهج التعليم الرسمي.

مُني بايدن بنكسة كبيرة في المناظرة الأخيرة جراء تشتت افكاره اكثر من مرة وتلعثمه في الكلام

أمام هذا الوضع المأساوي للحزب الجمهوري، نجح ترامب في العودة مجدداً وبطريقة كاسحة، كمرشح وحيد للحزب الجمهوري، واستطاع القفز فوق كل الانتهاكات القانونية والمسلكيات اللاأخلاقية التي يمارسها ويصرح بها، ليكون بعد المناظرة مع بايدن، المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية.

أمام هذا المشهد السياسي المقلق، المثير لشماتة خصوم الولايات المتحدة في العالم، والمحرك لقلق وحتى خوف المراقبين والنقاد، على مستقبل بلدهم، جراء افتقاد قيادة حقيقية، تعالج المشكلات الداخلية المتراكمة، وتتبنى استراتيجة مواجهة، وإدارة فاعلة للصراعات والحروب في العالم. والأهم من ذلك كله، خوف جدي على مصير الديمقراطية، التي فقدت الكثير من وهجها وشفافيتها ومبدئيتها، بعد تعرض الناخب إلى الكثير من التضليل والخداع، في الأرقام والإحصاءات والحقائق التي يعرضها المرشح عليه، وبعد ارتباك جلي في خيارات الناخب الأمريكي، وبعد تسيد خطاب التعبئة العنصرية والحض على الكراهية، وبعد خلق مناخ خوف متبادل وعدم ثقة، بين مكونات المجتمع الأمريكي، وبعد تدن في مستوى النقاش العمومي، وبعد تحول العملية الانتخابية، من مؤسسة لتمثيل مكونات المجتمع وميوله، إلى معركة انتقام شخصية، وتصفية حسابات وساحة غلبة لفريق على آخر.

تركت المناظرة الأخيرة بين ترامب وبايدن، انطباعاً قوياً باتساع الفجوة وتعمق الهوة، بين المبادىء المؤسسة للولايات المتحدة من جهة، وواقعها السياسي وعملية وآليات صناعة القرار من جهة أخرى.   

السابق
روسيا تواصل قصف مدن اوكرانيا.. أين الصواريخ المضادة للطائرات؟
التالي
استشهاد الصحفي أمجد جحجوح وزوجته وطفلهما في قصف إسرائيلي على مخيم النصيرات!