فرنسا ليست باريس..«خفايا» التصويت لأقصى اليمين!

لا يعني تصويت الفرنسيين في هذه الانتخابات النيابية بكثافة، للتجمع الوطني بزعامة مارين لوبين وقيادة جوردان بارديلا، اقتناعهم بالضرورة ببرامج التجمع.

الخطأ الأكبر الذي يرتكبه قادة الأحزاب في فرنسا هو التعاطي مع فرنسا، وكأنها باريس أو أن باريس هي فرنسا.

ولكن هناك معانٍ كثيرة أخرى، تذهب الى حد كبير باتجاه التجمع الوطني، ففرنسا “العميقة” تختلف مع العناوين الباريسية. تختلف مع صحافة باريس ومفكري باريس “وفلاسفة” باريس، وكبرياء باريس، ومع بورجوازية باريس اليمينية، كما مع البورجوازية اليسارية فيها.

الخطأ الأكبر الذي يرتكبه قادة الأحزاب في فرنسا، هو التعاطي مع فرنسا، وكأنها باريس أو أن باريس هي فرنسا.

يحكم فرنسا كثيرون من أصحاب “البدلات”، الذين لا يملكون أي خبرة “عملية”، وهم لم يعملوا أي شيء في حياتهم سوى في السياسة، ولا يعرفون معاناة الناس العاديين ولا تعب المزارعين ولا مصاعب المجتمع ولا مخاوف الأرياف… (وهذا ينطبق أيضاً على بارديلا صاحب ال 28 ربيعاً) ويعتقدون أنهم يفهمون أكثر منهم، في حين أنهم لا يفهمون عليهم!

هناك طبقة سياسية في فرنسا أرادت أن ترضي كل الأقليات وكل اللوبيات. وأرادت أن ترضي التحالفات الدولية… كل ذلك، من دون الاهتمام بهواجس ومعاناة المواطن الفرنسي، وعلى حسابهم.

تريد فرنسا العميقة أن تعيش كل يوم من أيامها يوماً عادياً، مع شراء حاجياتها، ودفع فواتيرها، مع إمكانية الحصول على الاستشفاء الطبيعي، من دون انتظار أشهر طويلة للحصول على خدمة طبية، أو زيارة طبيب اختصاصي، وكل ذلك، في جو من الأمن، بعيداً عن تقاسم تعبها مع هجرة غير شرعية، أو حتى شرعية، وهذا ما لا تحصل عليه.

يُجمع الفرنسيون، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، على معاقبة الرئيس إيمانويل ماكرون. تنطلق الاتهامات، “بالإجماع”، من القدرة الشرائية والغلاء الهائل وتراجع التقديمات الاجتماعية، الى ملف الهجرة، الى ملف التقديمات الصحية، الى الأمن…

التصويت أيضاً يعاقب اليمين واليسار التقليديين، اللذين حكما فرنسا منذ بداية الجمهورية الخامسة في العام 1958. ما بعد الرئيس جاك شيراك بدأ اليسار واليمين التقليديان يفقدان أسس هويتهما، السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.

يُجمع الفرنسيون من أقصى اليمين الى أقصى اليسار على معاقبة الرئيس إيمانويل ماكرون

يمين تخلى عن تقليد فرنسا التاريخي الكاثوليكي، ويسار تخلى عن دعم العائلات الأكثر فقراً. وأصبحت معاداة السامية ودعم الحركات “الجنسية” المختلفة من المواضيع الأساسية في السياسة الباريسية، على حساب معاناة الفرنسيين الحقيقية، في حين أنها لا ترتدي الأهمية نفسها في العمق الفرنسي.

مناطق بأسرها، كانت تعتبر حصن اليسار الأخير تحولت الى أقصى اليمين. كما أن مناطق اليمين التقليدي، مثل منطقة الواز تحولت بدورها الى أقصى اليمين.

منطقة مثل الإين (Aisne) شهدت انتصاراً تاريخياً لأقصى اليمين، بفوز 4 نواب من 5 منذ الدورة الأولى. وهي تتجه للفوز بالنائب الخامس في الدورة الثانية.

من التصويت الشعبي، وحتى الى التصويت البورجوازي اليميني. تحول التصويت في الانتخابات النيابية، الى ما يشبه الاستفتاء “ضد” أكثر من استفتاء “مع”، ومع ذلك، فرنسا تتجه الى التمزق، لسنة كاملة قبل حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمجلس النيابي المقبل.

السابق
«موقوفو عين التينة».. «ضبابية» في المحاكمة والأدلة: «لا تقربوا الضاحية»!
التالي
ارتفاع بالحرارة.. إليكم طقس الأيام المقبلة