العيش تحت رحمة جبروت «الاصبع المرفوع».. ومهانتنا!

منى فياض

منذ العام 2006، واللبنانيون يعيشون تحت رحمة الاصبع. كتب فوزي ذبيان، في “مذكرات شرطي لبناني”، عن ذلك الاصبع المرفوع الذي يشهره بوجهنا الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله وأتباعه حتى من “النواب” الحزبللاويين.
يصفه كالتالي “إصبع ضخم يجوب المدينة. يكره هذا الاصبع المدن. لا يتحمل الاضواء المشعشعة ولا من يرتشفون القهوة باسترخاء.

لم نعد نبالي بحكيه ولم نعد نولي أهمية لقتله ايانا كل يوم… هو اصبع مجرد اصبع وليس علينا بحضرته الا مجاراة موتنا اليقظ


يجوب المدينة متشاوفاً. يضرب هذا ويصفع ذاك، ثم يتوارى، ليعود فيشرئب من جديد فائقاَ عينَ هذا وقاطعا رأس ذاك.
لا يطيق هذا الاصبع التخاطب بهدوء. واذا ما تكلم همساً فذلك يكون في غرفة سردابية، مُحكمة العتمة والاغلاق.
غالبا ما يؤنبنا لذنوب لم نقترفها ويهددنا بقطع الايدي والألسن والأعناق.
تكلم عن حرب ضروس، وقال اننا خونة وأعداء.
لم نعد نبالي بحكيه، ولم نعد نولي أهمية لقتله ايانا كل يوم… هو اصبع، مجرد اصبع، وليس علينا بحضرته الا مجاراة موتنا اليقظ.
انه اصبع ثخين، مستقيم وعليه شعر، يجيد رسم القسمات ورسم عواطف ناسه، وحفر الحناجر والنبرات.
استطاع هذا الاصبع زعزعة رواسخ في رؤوس ناسه، ورسم خرائط أوهام وحفر ذكريات أخرى… يستطيع ان يستجلب الحزن على طبق من دموع، بخفة يجرجر الجموع الى ضروب الفجيعة والنكبات… يجرجرهم بإشارة منه، بنحنحة صوت، او بانتصاب مشدود، الى عالم الغيب.
لا تفارق شفتا الاصبع كلمات العزة والكرامة والفخر. يقولها ويكررها ليل نهار. لا يقولها لبث السكينة واشباع النفوس بالاطمئنان، كلا، فهو يبثها الى ناسه وقد جوهر الغضب ملامحه، وكأني بقلبه كرة نار.
قلت لنفسي ان بالإصبع غضب قديم.. متواري ثنيات النفس الى حد الانمحاق. لعله تاريخ التواري القديم هو ما يشد أزر هذا الاصبع المسكين..
تراني أحيانا استوعبه، وكثيرا ما أتمثل فراغاته ونقاط ضَعفه الموروثة، بل وهشاشته المحزنة التي غالبا ما تباغت تلك القسمات النارية لذلك الوجه الذي يتجنب التاريخ…
حتى وهو يهددنا بالقتل، ويتكلم عن تلك الانتصارات، ثمة ما يشفع له… لعلها الشفقة عليه، او ربما فهم حاجته لأن يُسمع بعد صمت طويل طويل…

استطاع هذا الاصبع زعزعة رواسخ في رؤوس ناسه ورسم خرائط أوهام وحفر ذكريات أخرى


لم نعد نهابه، فهو لا يخيف أياً منا منذ سنوات وسنوات، حتى اننا اعتدنا ان نعيد سكب الكؤوس كلما عمد الى رميها فوق طاولاتنا الصغيرة…
صار من ألفة أيامنا ان لا نؤجل رحلة مع الأصدقاء، ولا حفل شِواء او شرب النبيذ وقراءة كتاب منعته الرقابة.
صارت من عادياتِ ايامنا ان نمتهن الفرح، على الرغم من دعواته الدائمة لنا كي نتحضر لأمر خطير، لا يعرفه احد سواه.
بحماية الإصبع المرفوع تنتشر عناصر الحزب في الحمرا، بكامل العدة والسلاح.
عندما خرج ذبيان الدركي الى الشارع، بالرغم تحذير الضباط لهم في وزارة الداخلية، بضرورة البقاء في الداخل، تعرّض لنظراتهم المهينة ولمضايقاتهم واستفزازاتهم، وقرّر ان يصمت عنها كي لا يتعرض للعقاب من رؤسائه.
ورغم تعرّضه لبعض العنف الجسدي: جلّس من وقفته، وهندم زيّه العسكري وأشاح بوجهه عنهم… “يللا درمل من هون” قال له أحدهم. ولعلّه هو نفسُه من سبق واسمعه العبارة نفسها في وادي الحجير!! ربما، فكلهم واحد على كل حال. فهذه سمة الأحزاب الحديدية التابعة للأنظمة التوتاليتارية.

المهانة تحت رايات النصر والعزة والكرامة المدعوسة.


وآخر لقاء مع الأصابع الغاضبة والمعصّبة، كانت هجومهم على المتظاهرين في عام 2019. هاجت وغضبت وصفعت هذا وذاك ودعوستهم. كانت تتوارى وتعود لتفجّ رأس هذا، او تفقأ عين ذاك.
انتهى الأمر، الى اعتبار الإصبع، عنوان هزيمتنا منذ سنوات طوال في هذه البلاد.. انه ذلّنا نشاهده على الشاشة بعد اخراس الصوت.
ومع حربه الآن، تصبح المهانة عنوان البلاد. المهانة تحت رايات النصر والعزة والكرامة المدعوسة.

*يٌنشر بالتزامن مع بثه على أثير إذاعة صوت “لبنان”

السابق
بعدسة جنوبية: ردا على تلغراف.. جولة في المطار وحمية: سنتخذ الإجراءات اللازمة
التالي
د. احمد بيضون: ما الفائدةُ مِن وجودِ المُثَقَّفينَ؟