وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: ماذا يعني أن ننتصر؟

وجيه قانصو

ماذا يعني أن ننتصر؟ سؤال نناقشه ونتباين في تقديره في لبنان منذ حرب 2006، حيث أصرّ “حزب الله” على انتصاره الإلهي، وشكك أكثر اللبنانيين بهذا الانتصار بعد أن أحدثت حرب 2006، تدميراً هائلاً في البنى التحتية، وتسببت بانشقاقات اجتماعية وانهياراً في الحياة السياسية، وتصدعات في بنية الدولة.

لا توجد نظرية حاسمة للانتصار، بحكم أن النصر يعتمد على الهدف الذي يضعه المتحاربون، ما يترك للتقدير الذاتي مساحة واسعة، في تصوير معنى الانتصار.

بيد أن جميع من نظَّر للحرب وقرأ تجاربها في التاريخ، يؤكد أن الانتصار لا يقتصر على الكفاءة القتالية، والقدرة على الإضعاف العسكري للعدو، بل يرتبط بما بعد المعارك الحربية والقتالية، أي بآثار الحرب ونتائجها والوضعية الجديدة التي تترتب على النشاط الحربي، والقابلة للاستمرار. ما يعني أن الهدف الأخير ليس مجرد كسر العدو عسكرياً، أو شل قدراته القتالية، بل أن تُسهم الحرب في خلق واقع جديد ومستقر، أي تحقيق هدف سياسي شامل.

وقد ميَّز أكثر محللي الحروب، بين ثلاثة مستويات في الأهداف: أولها، هدف تكتيكي، باستعمال الموارد البشرية والمادية، لإظهار الجدارة القتالية والقدرة الميدانية، على مواجهة الخصم وإلحاق الاذى به.

ثانيها، هدف استراتيجي، وهو إدارة المعارك ضمن خطة محكمة لهزيمة العدو بعد سلسلة معارك، أي حسم المعارك والقدرة على إنهاء الحرب، تضع الخصم في وضعية الرضوخ للشروط والوضعيات الجديدة. ثالثها هدف استراتيجي شامل، وهذا لا تحققه الآلة العسكرية، بل يكون بتحقيق الهدف السياسي للحرب، وهو الهدف الذي يشكل الباعث والمحرك الموجه، لكل الأنشطة العسكرية والخطط الحربية. هذا الهدف لا تكفي فيه الآلة العسكرية، فالذي يفكر ويخطط وينفذ، هو القيادة السياسية التي تستعمل موارد المجتمع وأجهزة الدولة، لتحقيق معادلات جديدة وواقع جديد ومستقر.

لذلك لا تُقيَّم الحرب بنتائجها العسكرية والتدميرية، بل بالواقع الذي يلي الحرب، الذي تتبلور فيه وضعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وحتى ثقافية، تكون بمثابة ثمرات الحرب النهائية، ونتائجها بعيدة المدى.

فالانتصارات العسكرية لا تُقصد لذاتها، والكفاءة القتالية ضرورية في كل المواجهات، لكنها ليست الغرض الحصري، بحكم أن وضعيات ما بعد الحرب، هي الغاية النهائية والهدف الأبعد الذي يوجه أي نشاط عسكري أو خطة حربية. فما بعد الحرب هو الهدف الأقصى، وهو المدار والمعيار في تقييم الجهود القتالية، والمساعي الدبلوماسية والأداء السياسي أثناء الحرب، وهو الفيصل في إعلان الإنتصار، وتحديد معنى أن ننتصر.

بناء على ذلك، يكون الخلاف مع “حزب الله” في لبنان، ليس في تحقق النصر أم لا، وإنما حول ماذا يعني أن ننتصر؟ أي في الوضعية الجديدة، التي استقر عليها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والدولي في لبنان. أي حال لبنان بوضعيته الشاملة محلياً وعالمياً، بعد حرب العام 2006، وبعد حرب الإشغال والإسناد الأخيرة.

نحن أمام تصورات متعددة ومتباينة للانتصار، حيث الانتصارُ الذي يراه “حزب الله” يكون هزيمةً عند غيره

وهو وضع نجد اختلافاً كبيراً بين “حزب الله” وأكثر اللبنانيين في تقديره وتقييمه، ما يستلزم غياب تحديد مشترك للنصر، يمكن للجميع الإقرار به أو نفيّه. أي نحن أمام تصورات متعددة ومتباينة للانتصار، حيث الانتصارُ الذي يراه “حزب الله” يكون هزيمةً عند غيره، وما يراه غيره نصراً يجده “حزب الله” هزيمة له.

الاختلاف الأعمق إذاً، ليس في تحقق النصر وعدم تحققه، بل في صورة الواقع الذي استقر بعد حرب 2006، والمآلات السياسية لما بعد حرب الدعم والإسناد الأخيرة، التي لم تنته بعد. وفي كلتا الحربين يرى “حزب الله”، أنه يراكم انتصاراته ويزداد منعة وصلابة وتوسعاً، ويشتد التأييد الإلهي له، في حين يرى أكثر اللبنانيين، أننا أمام انتكاسات متتالية ومتعاقبة، تسببت بانهيارات وتصدّعات كاسحة للبنان على جميع الصعد، لا تقتصر على صورة لبنان، وإنما تصل عميقاً لتهدد أصل فكرته وكيانه.

ف”حزب الله” يعلن أن انتصاره إلهياً، أي انتصار ذو بعد ديني وعقائدي، لا يشاركه غالبية اللبنانيين فيه. ما قلّل من العمق الوطني لهذا الانتصار، وبات انتصاراً خاصاًّ ب”حزب الله”، نصَّب نفسه المرجع الوحيد في تصويره وتحديده، ويحتفل به كل عام لوحده، ويملك لوحده صلاحية استثماره وحق الاستفادة منه.

يغلب على انتصارات حزب الله المنظور الأمني والعسكري، جراء تضخم قوته التدميرية، وقدرته على الإمساك بمفاصل القرار في الدولة اللبنانية، في حين يُقيِّم اللبنانيون وضعيات ما بعد الحرب، من منظور التبعات السياسية والاجتماعية والدولية، والآثار الاقتصادية الذي لحقت بلبنان، والتي باتت تداعياتها شاملة وعميقة، تصل إلى مستوى الخطر الوجودي على لبنان،
يتمثل انتصار “حزب الله” في التفرد بإدارة المعارك وتقرير وجهتها، وإعلان زمن انتهائها أو استمرارها، في حين يرغب اللبنانيون، أن تكون معاركهم وحروبهم وسلمهم، من خلال الدولة وحدها. بالتالي هم قلقون من حال ثنائية الدولة الظاهرة والدولة المضمرة، وحال الوصاية على الدولة التي يراها “حزب الله” أمرا اعتياداً، وثمرة طبيعية لتفوقه الأمني وإنجازاته العسكرية.

انتصارات “حزب الله” هو في فرض واقع داخلي لحماية ما يسميه “ظهر المقاومة”، وهو تعبير ملطف عن تسخير موارد الدولة

تجلت استثمارات “حزب الله” لانتصاراته، بإحداث خلل مقلق في موازين القوى الداخلية، وفرض تغييرات جذرية في قواعد اللعبة السياسية وتداول السلطة، في حين يرى أكثر اللبنانيين، أنهم هم الذين يدفعون فاتورة فائض قوّة “حزب الله، لا العدو الإسرائيلي ، بالتالي بات عموم اللبناني هو المغلوب والمنهزم، مهما كانت النتائج العسكرية للمواجهات، التي تحصل على الجبهة الجنوبية.

انتصارات “حزب الله” هو في فرض واقع داخلي لحماية ما يسميه “ظهر المقاومة”، وهو تعبير ملطف عن تسخير موارد الدولة، وتوظيف طاقات المجتمع وممارسة القمع من حين لآخر، لأجل حماية سلاحه واستقلاليته التامة، في نشاطه الأمني والعسكري، المنتشر فوق مساحات تتجاوز الحدود اللبنانية.

التباين في معنى الانتصار بين “حزب الله” وأكثر اللبنانيين، مرده إلى التباين في الذهنية

في حين يتطلع اللبنانيون إلى مقاومة تحمي الدولة وفي خدمتها، وتدافع عن سيادتها وتصون الديمقراطية، وترسخ التعددية السياسية والثقافية، وتضمن خصوبة التنوع فيه، ليصب كل منجز أمني أو سياسي في صالح جميع اللبنانيين، وتتوزع عوائده عليهم بالتساوي.

التباين في معنى الانتصار بين “حزب الله” وأكثر اللبنانيين، مرده إلى التباين في الذهنية التي تقرأ الواقع وتُقيِّمَه، وفي الواقع النهائي الذي يتطلع كل طرف إلى ترسيخه وتعميمه في لبنان. إنه تباين حول أي لبنان نريد؟

السابق
في الجنوب… اليونيفل تعزز مواقعها
التالي
ما قاله فريدمان عن إسرائيل وأمريكا والسنوار