بين تصدير الثّورة للقضاء على الظّلم.. وتجنيد المرتزقة لخدمة النّظام!

السفير هشام حمدان

​​تلقّيت العديد من التّعليقات بشأن مقالتي في “جنوبيّة” تاريخ 16 الجاري. سأتوقّف عند التّعليقات الحكيمة، وأبتعد عن الرّدّ على أصحاب العقول الحامية. يخشى السّفير الدّكتور زيدان الصغير، أن يتمّ إلغاء الجامعة العربيّة، واستبدالها بالمجموعة الشّرق أوسطيّة، حيث ستضمّ تركيّا، وإيران، وإسرائيل، وما يتبقّى من دول عربيّة شرق أوسطيّة بعد تفتيتها، وإنهاكها. ولن تكون عربيّة أبدا.

اقرأ ايضا: الدّولة تسأل المواطن: حرب أو لا حرب في جنوب لبنان

نعم، هذا الرّأي في غاية الصّحّة، ويضع الأحداث الجارية في المنطقة في بعدها الواقعيّ. لقد تابعت في أبحاثي وبدقّة، الأحداث التي حصلت منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية، وحتّى نهاية الحرب الباردة. كما شاركت عمليّا (1987-1999)، في صناعة أهمّ القرارات، والمعاهدات الدّوليّة ألتي وضعت المفهوم الحديث للنّظام الدّوليّ الرّاهن، موضع التّنفيذ.

سعت الولايات المتّحدة منذ خمسينيّات القرن الماضي إلى إقامة تحالف يجمعها بدول الشّرق الأوسط لمواجهة التّمدّد السّوفياتيّ، والشّيوعيّ

أشرت مرارا، إلى ما قاله الأميركيّون طوال السّنوات الماضية، من أنّ الشّرق الأوسط، يشكّل أهمّ منطقة في العالم، سواء بثرواته المعدنيّة، أو بموقعه الجيوسياسيّ، ووجود أهمّ الممرّات المائيّة فيه. وقد سعت الولايات المتّحدة منذ خمسينيّات القرن الماضي، إلى إقامة تحالف يجمعها بدول الشّرق الأوسط، لمواجهة التّمدّد السّوفياتيّ، والشّيوعيّ في المنطقة. في حينه، لم تكن واشنطن تصرّ على دمج إسرائيل في هذا الحلف. كانت متفهّمة لمطالب العرب، وحاولت إقناع مصر بلعب دور قياديّ في هذا الحلف، معتبرة بأنّ الصّراع مع إسرائيل، “ظرفي”، ويمكن تسويته.

سعت واشنطن إلى إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بأنّ التّعاون مع بريطانيا، سيتمّ، ليس بصفتها قوّة إستعمار، بلّ، كحليف في الصّراع الجديد مع الشّيوعيّة. لكن، كانت للرّئيس عبد النّاصر تصوّراته المختلفة، فلم يستجب. كان يريد حلفا عربيّا مستقلّا مدعوما من الغرب، وليس جزءا من التّحالف مع الغرب. لكنّ واشنطن رأت، أنّ مثل هذا الحلف، لن ينجح بصدّ الشّيوعيّة، إذا لم يكن جزءا من الحلف مع الغرب.

دفع حماس الشّعب العربيّ لدور عبد النّاصر إلى قيام مدّ قوميّ تحرّريّ في المنطقة العربيّة تطوّر نحو حركة حزبيّة وإنقلابات

إستقطب الرّئيس عبد النّاصر مشاعر الجماهير العربيّة، بمواقفه التّحرّريّة ضدّ الإستعمار البريطانيّ، ممّا جعل من المستحيل على القيادات العربيّة، أن تقرّر بحرّيّة موقفها من هذا العرض الأميركيّ. إبتعد عبد النّاصر عن الغرب مع قيام حلف بغداد، والدّور الذي لعبته تركيّا كركيزة للغرب في حلفه المنشود. تحوّلت هذه الأخيرة إلى منافس له على السّاحة العربيّة، وحصل ما سمّي لاحقا ب”الحرب الباردة العربيّة”.

دفع حماس الشّعب العربيّ لدور عبد النّاصر، إلى قيام مدّ قوميّ تحرّريّ في المنطقة العربيّة، تطوّر نحو حركة حزبيّة، وإنقلابات ضدّ عدد من الحكومات العربيّة القائمة. إتّبعت الحركات الحزبيّة، والأنظمة الجديدة النّاشئة، نهج عبد النّاصر، ممّا خلق مخاوف حقيقيّة عند الغرب، خاصّة، وأنّ هذه الحركات، والأنظمة، إتّجهت نحو الإتّحاد السّوفياتيّ. خرج مسؤول الأمن القوميّ الأميركيّ في حينه، بريجينسكي، بفكرة اعتماد أنظمة ذات قواعد دينيّة على الحدود الجنوبيّة للإتّحاد السّوفياتيّ، بغية مواجهة هذه الأفكار التّحرّريّة، ووقف التّمدّد الشّيوعي. كان ذلك عام 1979. برز أوّل مظهر عمليّ لهذا التّوجّه، في الدّعم الذي قدّمه الغرب لثورة الخميني، وفي صعود الحركات الإسلاميّة، وتحديدا ألأخوان المسلمين في تركيّا أتاتورك، وفي التّعاون السّعوديّ الأميركيّ في دعم المجاهدين، ضدّ السّوفيات في أفغانستان.

كان من المفترض أن تكون فكرة تصدير ثورة الخميني في إيران الى الخارج، وخاصّة في الشّرق الأوسط، مساعدة الشّيعة، وغير الشّيعة، من أجل الثّورة المماثلة على مخلّفات الإستعمار، والأنظمة التّابعة له التي أقامت “ألفساد، والظّلم، والحرمان، والعزل لأهل الشّيعة”.

كانت الفكرة في أساسها، أن تتحوّل التّعاليم الدّينيّة إلى قاعدة ثوريّة، فتربط تفكير أهل الشّيعة بشكل عامّ، برؤية فلسفيّة دينيّة عامّة أطلقها الخميني. غير أنّ الفكرة، أضافت بعدا سياسيّا حين تبنّى الخميني في ثورته، هدف تحرير فلسطين والقدس، قاعدتي التّحرّك القومي العربي. دفع هذا الأمر إلى ازدواجيّة القوى النّاشطة ضدّ إسرائيل في المنطقة.

أثار تصدير ثورة الخميني، ونظامه ك”وليّ فقيه” معارضة الحكومات العربيّة ممّا دكّ المسمار الأوّل في العلاقات العربيّة الإيراييّة

من الممكن أن يفهم قادة المنطقة، أن يتناول الوليّ الفقيه في إيران، شؤون بلاده السّياسيّة الدّاخليّة، لكنّهم، لا يقبلون أن يتناول الشّوون السّياسيّة لشعوبهم. هذا تدخّل في الشّؤون الدّاخليّة لدول، وشعوب أخرى، وهو أمر منبوذ في القانون الدّوليّ. في الواقع تحوّل الوليّ الفقيه الذي لا يُحتمل أن يكون شيعيّا غير ايرانيّ، إلى نموذج شبيه بالزّعيم الشّيوعيّ لينين. لكلّ هذه الأسباب، رفض الإمام موسى الصّدر بين آخرين، مفهوم ولاية الفقيه، ممّا أدّى إلى اختفائه بهذه الصّورة الغامضة.

أثار تصدير ثورة الخميني، ونظامه ك”وليّ فقيه”، معارضة الحكومات العربيّة، ممّا دكّ المسمار الأوّل في العلاقات العربيّة الإيراييّة. أمّا المسمار الثّاني، فقد حصل عندما لم تقبل الهيكليّة الحزبيّة لثّورة الخميني في الدّول الأخرى مثل لبنان، بمشاركة الحركات الإيديولوجيّة القوميّة العلمانيّة فيها، وفرضت، أن تكون شيعيّة صافية تعزّز صلابتها بقاعدتها الدّينيّة، وبالتّسليم للتّفكير الذي يرسمه الوليّ الفقيه. شكّلت هذه الأحزاب قوى تشابه قوى المرتزقة في بلدانها الأم. إستبدلت هذه الأحزاب المنطلق الإيديولوجي السّياسي الإقتصادي، كقاعدة للتّحرك من أجل التّغيير الدّاخلي (ضدّ الإستعمار)، ومن أجل القضيّة الفلسطينيّة، إلى منطلق دينيّ. فأضعفت الأحزاب القوميّة الإيديولوجيّة العلمانيّة، بلّ، أنهت من لم يقبل بها بديلا له، عبر الإغتيالات، وألحقت بها من قبَلها منهم. لم يعترض الغرب أبدا على هذا التّوجّه، بل ساهم وبقوّة، بتفعيله، وبدأ يرسم لاستخدامه في مصلحته. نجح نجاحا باهرا إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

كيف؟ يتبع في حلقة أخرى.

السابق
«إستعراض جوي» لحزب الله من حيفا الى طهران..وإسرائيل تُصعّد إغتيالاتها من البرغلية الى القنيطرة!
التالي
الأمين: لا مصلحة لإسرائيل بحرب مفتوحة مع لبنان.. ماذا عن رسالة «حزب الله» لهوكستين؟