الفَسَادُ في إيران: أداةٌ استراتِيجِيّةٌ لنظامِ الجُمهورِيّةِ الإسلامية

علي خامنئي

في حين اعتمدَ الإمام روح الله الخميني، كقائدٍ للثورة، على قيادته الكاريزمية للجماهير الإسلامية، كان الإمام علي خامنئي، خليفته، يفتقرُ إلى هذه الكاريزما، وبالتالي، أصبحَ يعتمدُ أكثر فأكثر على النُخبةِ التي “غذّاها” من خلالِ مَنحها الامتيازات التي أدّت إلى انتشارِ الفساد.

في العقد الفائت، كانت الأخبارُ حولَ الفسادِ المُستَشري في الحكومة الإيرانية جُزءًا من الحياة اليومية للإيرانيين، سواءَ كَشفَ عنها صحافيون مستقلّون أو تسربّت بشكلٍ دوري من قِبلِ مجموعاتِ المصالحِ المُتنافسة داخل الحكومة. وفي مؤشّرِ مُدرِكات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، والذي يَقيسُ مستويات الفساد في القطاع العام في مختلف أنحاء العالم، صنّفَ إيران في المرتبة 78 (من بين 133 دولة) في العام 2003؛ ولكن بحلول العام 2010، انخفضت المرتبة بشكلٍ حاد إلى المركز 154 (من أصل 178)، وهو ما يتوافقُ مع زيادةِ في دخل إيران النفطي خلال هذه الفترة الزمنية. في الوقت الحالي، تحتلُّ البلاد المرتبة 149. وردًّا على ذلك، أصرَّ المرشد الأعلى علي خامنئي مرارًا وتكرارًا على أنه على الرُغمِ من أنَّ الفسادَ موجودٌ ويجب محاربته، إلّا نَّهُ عَرَضِيٌّ وليس نظاميًا. لكن في الواقع، يُعَدُّ الفسادُ في إيران أمرًا استراتيجيًا وعنصرًا أساسيًا في النظام السياسي الحالي. فهو بمثابة أداة للاستراتيجية الوطنية ومُكوِّنٍ أساس للحكم داخل الجمهورية الإسلامية.

العَقدُ الملكي: المحسوبيةُ كوسيلةٍ للسيطرة

تاريخيًا، كانَ ملوكُ إيران يُقايِضونَ الولاءَ مُقابل الامتيازات: فقد استخدموا سيطرتهم على المواردِ الرئيسة للبلاد، وخصوصًا مياه الري، لتوزيع السلطة والثروة بين المُوالين لهم عبر نظام الهدايا الإقطاعية (باللغة الفارسية، تويول). تمَّ إلغاءُ هذا النظام رسميًا بعد الثورة الدستورية (1905-1911)، التي فقدت خلالها الملكية الإيرانية حقّها الحصري في إدارة ثروات البلاد. مع ذلك، وبسبب فشل الدولة الدستورية بعد الثورة، سرعان ما تركّزت السلطة والثروة في أيدي الملوك مرة أخرى. ومع ظهور صناعة النفط في النصف الأول من القرن العشرين، أصبحت لدى الملوك الإيرانيين موارد أكبر بكثير لبناءِ طبقةٍ داعمة خاصة بهم.

بَعدَ الثورة الإسلامية في العام 1979، أضاف آية الله روح الله الخميني طبقةً إيديولوجية ثيوقراطية إلى هذا الهيكل. منذ البداية، اعتبرت جمهورية إيران الإسلامية المُمتلكات والأصول المملوكة للقطاع العام في البلاد بمثابة “الأنفال” أي المغانم، والتي تمَّ تعريفها، وفقًا للموقع الرسمي للمرشد الأعلى لإيران، بأنها “تلك الخاضعة لسيطرة النبي ورسوله و خلفائه، وفي غيابهم [حتى ظهور إمام الزمان، الإمام الثاني عشر المختفي]، الولي الفقيه [زعيم الجمهورية الإسلامية]”. هذا التعريفُ الأخير يجعل من الصعب حتى تعريف الفساد، حيث أنَّ تحديدَ تخصيص جميع موارد المجتمع يقع ضمن تقدير المرشد الأعلى.

الخصخصةُ الزائفة وصعودُ القطاع شبه العام

في هذا السياق، تولى خامنئي، خليفة الخميني، القيادة. وبعد الحرب الإيرانية-العراقية، في أوائل التسعينيات الفائتة، قرَّرَ هو ورئيس الجمهورية آنذاك علي أكبر هاشمي رفسنجاني التحوُّلَ نحو التحريرِ الاقتصادي. ومع ذلك، فقد نظرا إلى القطاع المستقل “الخاص” باعتباره تهديدًا لحكمهما. ونتيجةً لذلك، اختارَ خامنئي ورفسنجاني تشجيعَ أنصارهما، بما في ذلك الأفراد العسكريين وضباط المخابرات والتجار المحافظين في سوقِ طهران التقليدية، على الانخراط في الاستثمار الخاص. (وعند القيام بذلك، كانا يُدرِكان، وربما كانا مُتَخَوِّفَين، من حقيقة مفادها أنَّ البيريسترويكا، الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها ميخائيل غورباتشوف، لعبت دورًا مهمًا في الأحداث التي أدّت إلى تفكّك الاتحاد السوفياتي في العام 1991). وفي وقتٍ لاحق، في كانون الأول (ديسمبر) 2005، أعلن خامنئي تفسيره للمبادئ الاقتصادية للدستور الإيراني، والتي بموجبها ينبغي توجيه الاقتصاد الإيراني نحو المزيد من التحرير والخصخصة.

لكن ما حدثَ في الممارسة العملية، بعيدًا من التحوُّلِ إلى اقتصاد السوق، كانَ ظهور قطاعٍ شبهِ عام تولّى الدورَ الرئيس في الفساد في العقود اللاحقة. القطاع شبه العام، الذي يضم 120 منظمة اقتصادية رئيسة –على سبيل المثال، تنفيذ أمر الإمام الخميني، والذي وَسَّعَ ونَوَّعَ عملياته من صناعة النفط لتشمل إنتاج لقاحات كوفيد-19– هو تحت سيطرة المرشد الأعلى. وبما أنَّ هذا الجُزءَ من الاقتصاد ليس عامًا، فهو لا يخضع للرقابة البرلمانية؛ ولكنه ليس قطاعًا خاصًا أيضًا، لأنه يفتقرُ إلى السمات الرئيسة للقطاع الخاص الحقيقي، مثل الشفافية، أو المنافسة، أو الإبداع. والمنظمات المَعنية مُعفاةٌ من الضرائب ولا تَخضعُ للتدقيق التقليدي من قبل رئيس الجمهورية أو البرلمان من خلال مكتب التفتيش العام أو محكمة التدقيق العليا في إيران. وبينما تهدفُ جهودُ الخصخصة، من حيث المبدَإِ، إلى تعزيز الشفافية، في السياق الموصوف أعلاه، أدى الإعفاء من الرقابة والتدقيق المستقل إلى الغموض وزيادة الفساد داخل الاقتصاد الإيراني.

إزدواجيةُ المعايير: مُحاربَةُ الفسادِ باستِخدامِهِ

كانَ رَدُّ فعلِ الحكومة على هذا الفساد المستشري ذا شقين: من ناحية، واصَلَ النظام، تحت النفوذ المطلق للمرشد الأعلى خامنئي، مَنحَ الامتيازاتِ لأنصاره المُخلِصين ومنحهم نوعًا من الحصانة ضدّ اتهاماتِ الفساد من شخصيات المعارضة والصحافيين. في الوقت نفسه، سمحَ ذلك للموالين للنظام استخدامَ الدعاية المُناهِضة للفساد كسلاحٍ لقمعِ وتهميشِ الشخصيات المعتدلة داخل دوائر السلطة. في العقود الأخيرة، اتُّهِمَ العديدُ من الشخصيات المحافظة البارزة بالفساد، لكن لم تؤدِّ أيٌّ من هذه الاتهامات تقريبًا إلى الملاحقات القضائية. واجَهَ محمد باقر قاليباف، وهو ضابط عسكري سابق شغل منصب رئيس بلدية طهران من العام 2005 إلى العام 2017 ورئيسًا للبرلمان منذ العام 2020، اتهامات مُتكرّرة بالفساد في مناسباتٍ مُتعدّدة. في العام 2017، اتُّهِمَ باستغلال سلطته السياسية وعلاقته مع خامنئي للتغطية على حوالي 2.6 ملياري دولار يُعتَقَدُ أنها اختُلِسَت من شركة “ياس القابضة”، وهي شركة واجهة لفيلق الحرس الثوري الإسلامي. في الوقت نفسه، كَشفت تقاريرٌ رسمية عن الفساد في القطاع العقاري، سرّبها صحافي مستقل، أنَّ بلديةَ طهران خصّصت خلال فترة ولاية قاليباف عقاراتٍ بـ”أسعارٍ فلكية”، مع خصم 50% لبعض أنصارِ رئيس البلدية. في نيسان (أبريل) 2022، انتشرَت أخبارٌ عن أسلوبِ الحياة الفاخر والرحلات الباهظة الثمن لعائلة قاليباف. وعلى الرُغمِ من الاهتمام الإعلامي الكبير، لم يتم استدعاؤه إلى المحكمة قط. علاوةً على ذلك، تمَّ القبضُ على الصحافي الذي سرّب قضية “العقارات الفلكية”، وأمضى أشهرًا عدة قيد التحقيق في الحبس الانفرادي. وسرّب المراسل نفسه، في شباط (فبراير) 2024، وثائق جديدة تتعلَّقُ بكاظم صديقي، إمام صلاة الجمعة المُتطرّف في طهران، تكشفُ تورّطهُ في الاستيلاء المزعوم على أراضٍ. واعترفَ صديقي لاحقًا بأنَّ أفرادًا مُرتبطين به استولوا بشكلٍ غير قانوني على حديقةٍ قَيِّمة في جُزءٍ مرموق من طهران ونقلوا ملكيتها إلى اسمه، من دون علمه على حدِّ زعمه. مع ذلك، أظهرت الوثائق المُسَرَّبة اللاحقة أنه وقَّعَ على الوثيقة شخصيًا. ولم يواجِه قط أي محاكمة بتهمة الفساد الإجرامي – ربما نظرًا لقربه من قلب السلطة في الجمهورية الإسلامية.

من ناحية أخرى، استخدمَ النظامُ، على مدى عقودٍ، جهودَ مكافحة الفساد كسلاحٍ ضد الأجنحة الليبرالية والمعتدلة في الحكومة. على سبيل المثال، في العام 1995، استخدَمَ المحافظون المُقَرَّبون من المرشد الأعلى محاكمة رجل الأعمال فاضل خُداداد بتُهمةِ “تخريب النظام الاقتصادي للبلاد” للضغط على السياسات الاجتماعية والاقتصادية للرئيس المعتدل أكبر هاشمي رفسنجاني. وتكثّفت هذه الهجمات عندما تمَّ انتخاب حكومة محمد خاتمي الإصلاحية في العام 1997. وكانت القضية الأكثر شهرة هي محاكمة غلام حسين كارباشي، رئيس بلدية طهران من العام 1990 إلى العام 1998، والذي دَعَمَ الرئيس خاتمي والحركة الإصلاحية ضد المحافظين. وكان القاضي هو غُلام حسين محسني إيجي، رئيس المحكمة العليا الحالي. وتمَّ بثُّ محاكمة كرباشي على شاشة التلفزيون الوطني الإيراني. وقد ادّعى هو نفسه أنَّ المحاكمة وسجنه اللاحق كانا التكلفة السياسية لدفاعه عن الحركة الإصلاحية.

بعد مرورِ عقدين من الزمن، استمرَّ هذا الاستخدام للدعاية لمكافحة الفساد. على سبيل المثال، في العام 2019، خلال فترة ولاية حسن روحاني كزعيم لرئاسة إصلاحية ومعتدلة نسبيًا، حُكِمَ على شقيقه بالسجن. في الوقت نفسه، بدأ النظام القضائي إجراءاتٍ قانونية ضد شقيق إسحاق جهانغيري، نائب الرئيس في عهد روحاني. واعتبرَ الجمهور أنَّ المُعاملة المُتبايِنة لقضايا الفساد بين المحافظين والمعتدلين داخل الحكومة هي محاولة لاستغلال جهود مكافحة الفساد ضد إدارة روحاني، وخصوصًا بالنسبة إلى أجندتها المعتدلة نسبيًا في السياسة الخارجية.

سياسةُ الفساد

من الجدير بالذكر أنه في حين اعتمد الخميني، كقائدٍ للثورة، على قيادته الكاريزمية للجماهير الإسلامية، كان خامنئي، خليفته، يفتقر إلى هذه الكاريزما، وبالتالي، أصبحَ يعتمدُ أكثر فأكثر على النُخبة التي “غذّاها” من خلال منحها الامتيازات. مع ذلك، هناكَ أسبابٌ للشكِّ في استدامة الصفقة التأسيسية: على سبيل المثال، في السنين العشر الماضية أو نحو ذلك، فقدت الحكومة قدرتها على الوصول إلى دولارات النفط، في الغالب نتيجةً للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. يحتاج المرشد الأعلى الآن إلى “اختيار” مَن يُريدُ مَنحَه الرعاية والامتيازات لأنه لم يعد من الممكن “إطعام” الجميع بعد الآن. وقد أدى ذلك إلى اشتدادِ المنافسة بين أنصار الجمهورية الإسلامية. وفي ظل غياب التدفّقِ الحر للعائدات النفطية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قرّرت الحكومة “خصخصة” ما تبقّى من الممتلكات العامة من خلال مبادرة حكومية تُسمّى “التنشيط”.

ومن المثير للاهتمام أنَّ اللجنةَ المُكَلَّفة بالتنشيط مُنِحَت رسميًا الحصانة من الملاحقة القضائية. وبالمثل، أدّت محاولات الحكومة لتحييد العقوبات الأميركية إلى انخفاض الشفافية، بما في ذلك زيادة التجارة السرية مع الصين – سواءَ كجُزءٍ من برنامجِ التعاونِ الإيراني-الصيني لمدة 25 عامًا، المُوَقَّع في العام 2021 أو بشكلٍ مستقل عنه. ومن المحتمل أن يُقَدِّمَ هذا التطوّرُ مصدرًا جديدًا للفساد.

في الوقت نفسه، يبدو أنَّ هناكَ تناقُضًا مُتأصِّلًا بين الدعاية الحكومية، التي تؤكّدُ على القِيَمِ الإسلامية مثل الإيثار والزهد والاقتصاد، وبين الاحتيالِ والاستغلالِ المُستَمِرِّ والمُنتَشِرِ في قلبِ النظام. وقد أدّى هذا التناقضُ إلى تضييقِ قاعدةِ دَعمِ النظام بشدة، فضلًا عن الشعبية المحدودة أصلًا لمسؤولي وسياسيي الجمهورية الإسلامية. ويُمكِنُ ملاحظة ذلك في انخفاض حصّة قاليباف، رئيس بلدية طهران السابق، من الأصوات في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى الإسلامي إلى أقل من 10% من الناخبين المؤهّلين؛ وعلى نحوٍ مُماثل، في انتخابات مجلس خبراء القيادة، احتلَّ رئيس المحكمة العليا الإيراني السابق صادق لاريجاني المرتبة الخامسة من بين خمسة مرشحين في مسقط رأسه. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن محمد مخبر، الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمهورية بالإنابة بعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي في وقت سابق من هذا الشهر، مُلوَّثٌ أيضًا بتُهَمِ الفساد.

إنَّ الفسادَ، بعيدًا من أن يكونَ عَرَضيًا أو يقع أحيانًا، متأصِّلٌ في نسيج النظام السياسي الإيراني. على سبيلِ المثال، أصبحت الخصخصة الزائفة الجارية منذ العام 2005 أداةً استراتيجية للحُكم في دولة ريعية، تمامًا كما يخدم الفساد المنهجي الشامل الاستبداد في إيران. ومع ذلك، فإنَّ مستقبلَ هذا النظام غير واضح وقد يواجهُ تحدّياتٍ جديدة في السنوات المقبلة. إنَّ حدوثَ فراغٍ مُحتَمل في السلطة بعد وفاة خامنئي أو عدم قدرةِ النظام على الاستمرار في توزيع الامتيازات على النُخَب المُستَهدَفة بشكلٍ مقبول يمكنُ أن يُساهِمَ في انهيارِ النظام تحت ثقله. ويبقى أن نرى ما إذا كان النظامُ سيحاول في نهاية المطاف معالجة هذه التحديات التي تلوحُ في الأفق من خلالِ إصلاحاتٍ حقيقية أو من خلالِ الاستمرار في مُضاعفةِ الوَضعِ الراهن المُدَمّرِ اجتماعيًا واقتصاديًا.

  • علي أفشاري هو مُحلّلُ سياسي إيراني وناشط مؤيد للديموقراطية. وهو زعيم طلابي سابق وعضو في “اللجنة المركزية لمكتب تعزيز الوحدة”، المنظمة الطلابية الرئيسة والأكبر في الجامعات الإيرانية خلال الحقبة الإصلاحية.
السابق
باقري «يَشُدّ العصب» من حارة حريك ودمشق بعد «فاجعة الوادي»..والحرب بلا ضوابط في غزة والجنوب!
التالي
بعد حادثة حرق سيارة المفتشة التربوية في طرابلس.. الكشف عن المتورطين والمحرّضين!