حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: لبنان.. الموت من الرتابة ام الولادة بالتغيير

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

ليس هناك اشدُ مضاضةً من الرتابة، ولا اكثرَ مرارةً من الملل. الرتابةُ والمللُ امران مضنيان وطعمهما مرٌ كحنظل علقم، حين يطالان الفرد  ويدخلان الى علاقة إنسانٍ بعائلته او بصداقاته أو أحبائه وعشاقه،  أما ان تصبح الرتابةُ والمللُ، فضاءً مقفلا للحياة العامة، بمختلفِ اوجهها السياسية والثقافية والاقتصادية والامنية، فتلك حالة غير مسبوقة، من حيث كارثيتها وآثارها وتداعياتها.

الرتابةُ والمللُ اصبحا صفتين من صفات وطن إسمه لبنان بشعبه ونخبه وفئاته وأحزابه

الرتابةُ والمللُ اصبحا صفتين من صفات وطن إسمه لبنان، بشعبه ونخبه وفئاته وأحزابه. لا جديد في لبنان رغم شروق الشمس وغيابها صباحَ ومساءَ كل يوم، الأنكى أنَّ لا احدا يَبذلُ جهدا ليطلق جديدا، او يقولب قديما بحلةٍ مستحدثةٍ او إطارٍ جديد، لا الوانَ مُبتكرةٍ حتى في مواسم التسوق او إنقلاب الفصول، حتى الأزياءُ وعوالمُ الموضةِ، باتت استعادةً لماضٍ يُستحضَرُ للتكرار، مواسمُ الثقافة والفنون والمسرح، وديباجات الخطابة وقصائد الشعراء، باتت تردادا لأقوالِ مرت بأخيلةٍ ومُهَجٍ سابقة، او حنينا نوستالجيا لأزمانٍ ماضيةٍ جميلة، كأنَّ الزمانَ في لبنان قد شارفَ على الانتهاء، ولم يَعُدْ بمقدور احدٍ ان يأتي بما لم تستطعه الاوائلُ.

في السياسة كما في الثقافة، في الإقتصاد والفكر كما في الخدمات، في المال كما في مسار العدالة، ليس من جديد او إبتكار، كأننا نخشى ان نفتقد ما وصلنا إليه، وكأن اقصى طموحاتنا وآمالنا ان نبقى كما نحن، أسرى في قاعات انتظار، فُقدَت فيها عقاربُ الوقت، واستنكفت فيها الساعات عن جريانها، وكأننا نؤكد ان ما فعلناه منذ عقود كثيرة هو أفضل ما لدينا، رغم كل الخطايا التي تبارينا في اقترافها، والتي اوصلتنا الى ما نحن فيه من فقر وبؤس وازمة وضياع…

لا مراجعة ولا تقييم لاي خيار اعتمدناه، ولا نقد او تراجع عن خطايا اقترفناها، بحق الناس والاجيال والمجتمع، ولا تبديل او تغيير في اي مسار سلكناه، كل طرف سياسي او جهة اقتصادية سعيدة بما فعلت، فخورة بما انجزت! وكل ما تحتاج اليه، هو استكمالُ طريقٍ يَرتسمُ في مواجهتهِ، حائطُ حيرةٍ مسدود، او نفقٌ يؤدي الى الهاوية.

لا مراجعة ولا تقييم لاي خيار اعتمدناه ولا نقد او تراجع عن خطايا اقترفناها بحق الناس والاجيال والمجتمع ولا تبديل او تغيير في اي مسار سلكن

 ليس هناك من طرفٍ سياسيٍ يعترفُ بالمأزق، وليس من أحدٍ يزعمُ إمتلاك حلٍّ يُنقذُ وطناً يتحلَّل. 

كيفَ تَصحَرتْ كلُّ مزايا شعب لبنان وفضائل نخبه، وجفت فيه كلُّ ينابيعِ الإبتكار والريادة والحداثة؟! وإن كان على أحدٍ من ابنائنا ان يُفجِّر طاقاته، او ان يَختبِرَ ذكاءَه، او ان يُثبِتَ كفاءته، فميدانُ ذلك بلاد الله الأخرى، بعيدا عن وطنٍ محكومٍ بلعنةٍ، تتوالى فيها التفاهة والجريمة والسلبطة، وتتناسل فصولا واشكالا في حلقة مُفرغَةٍ من العبثية الوقحة.

ما زلنا ننحني احتراما، لمن تسبب بكوارثنا، ونرفع أذرعتنا تحية لمن نفخ بنار الفتن والعصبيات، ومن اخذنا الى حروب مدمرة، أفسدت اعمارنا، وجعلت من حيواتنا ايام معاناة وآلام وقلق مستدام، مازلنا نخشع امام من مات منهم، كأيقونات نقدسها، ومازلنا نرفض ان ندفن هؤلاء الشهداء في قبورهم، بل نعتبرهم احياء  نطوف بهم فوق اكتافنا، وننشرهم  ونستعرضهم في كل نزاعاتنا وأزماتنا السياسية، ومازلنا نتجاوز معيارا للاحترام؛ من ان كرامة الميت دفنه، فالشهيدُ الحيُّ على اكتافِ مناصريه اكثر فائدة وربحية لجماعته من شهيد في قبره. مازلنا نسترخص اعمارنا ومباهج حيواتنا، بتمجيد الموت واعلاء شأن المدافن والقبور. 

ما زلنا ننحني احتراما لمن تسبب بكوارثنا ونرفع أذرعتنا تحية لمن نفخ بنار الفتن والعصبيات ومن اخذنا الى حروب مدمرة

 وما زلنا نهتف بالوفاء لمن بقي حيا من هؤلاء او لأبنائهم وورثتهم، ونعلن اننا سنبذل ارواحنا وابنائنا فداءً لنزواتهم وخياراتهم…

السارقون لودائعنا وجنى اعمارنا، ما زلنا ننتظرهم ونؤمِّل انفسنا وهماً، انهم يبذلون كل جهد ويتخذون إجراءات، من اجل ان يردّوا لنا بعضاً من مدخراتنا، المتكسبون على أبواب دول الخارج، والساعون لخدمة مصالح هذه الدول واطماعها، ما زلنا نصغي اليهم ونهزّ أعناقنا رضاً، وهم يلقون علينا دروس زائفة في الوطنية ومقاومة الاحتلال الأجنبي، ويبينوا مزايا الاستقلال وركائز السيادة، ونستمر في استرضائهم ونطلب طول الاعمار لهم.

متى نصل الى يقين، ان من يدَّعون الدفاع عن مصالح طوائفهم واحزابهم، هم ادعياء قضايا زائفة، يمارسون السلطة من خارج المؤسسات والقانون، ويمنعون جهاراً تطبيق اجراءات المساءلة والعدالة، ويفككونَ عمداً القضاء نصوصاً وهيكليات وتقاليد راسخة.

 ليس الفراغ الرئاسي والعجز الحكومي الا فرصةً، يتاح من خلالها لعصابة الجريمة المنظمة، ان تمارس الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال، و استمرار انتهاك الأملاك البحرية والنهرية، وتخريب البيئة وقمم الجبال بالمقالع والكسارات، وبيع الجنسية اللبنانية لحثالات من شذاذ الآفاق، والتربح من استيراد فيول الكهرباء المغشوش، وتفريخ جامعات لا صلة لها بالمعايير الاكاديمية، بل هي أقرب الى دكاكين افادات، تمارس تزوير الشهادات الجامعية، وتزوير جوازات السفر اللبنانية، واحتكار طوابع الرسوم المالية وسرقة الرسوم الجمركية.

متى نضع حدودا لاستسلامنا، وكيف نخرج من عجزنا، ونعزف عن استقالتنا من ممارسة الحياة من جديد، فنسترجع عزائمنا ونبادر لانتزاع حقوقنا؟! 

سنفعل كل ذلك حتما، متى قمنا بثورة تطال ثقافتنا ومفاهيمنا وبديهيات، طالما اعتبرناها حقائق راسخة، سنفعل ذلك متى اسقطنا سرديات حروبنا، التي أضفت على المعارك في زوارينا الداخلية، صفات البطولة والقداسة والشرف، و متى فككنا واسقطنا صورا نمطية اعتدنا تمثلها، عن شياطين قاتلناها على الضفة الأخرى من حروبنا وصراعاتنا، وسنتقدم الى بناء حاضر مختلف ومستقبل واعد، متى ادركنا ان المنطقة والعالم يتغير من حولنا، وان اي تغيير لا يمكن ان يتحقق، اذا تمسكنا باثواب الماضي وثقافاته، وقيم الأسلاف ونكاياتهم.

سنفعل كل ذلك حتما متى قمنا بثورة تطال ثقافتنا ومفاهيمنا وبديهيات طالما اعتبرناها حقائق راسخة

 والخطوة الاولى في مسار التغيير، قيام كتلة سياسية حرجة، تتجاوز الممارسات الفردية والسعي المرضي للتَمَيُز، واعلاء قيمة الاختلاف الفكري، في موضع التحالف او اللقاء السياسي، وتجمع اطيافا مختلفة، عبرت عن نفسها في ١٧ تشرين، وجرى تبديد رصيدها وخذلان آمالها ممن ادعى حمل رايتها.

السابق
ترامب يُنعش آمال نتنياهو.. بعدم وقف الحرب
التالي
بالصور.. لودريان يلتقي بري