حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: التطهير العرقي بين استكمال الجريمة او العودة عنها

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

لم يحدث النزوح السوري الى لبنان، وبقية دول المنطقة في تركيا والأردن وحتى العراق، بسبب كارثة طبيعية تسببت بها عاصفة مناخية، او زلزال خسف مناطقها ودمر عمرانها، ولم يكن هذا النزوح عوارض جانبية لأزمة عسكرية وأمنية، ومحصلة لحرب بين جيوش جرارة جرت على أرض سورية، النزوح السوري هو نتيجة قرار سياسي، وفعل ديموغرافي وجريمة حرب، اقدم عليها واتخذ خيارها نظام الأسد ونظام ولاية الفقيه في ايران، وذلك لاحداث تهجير قسري وتطهير عرقي، طال ملايين السوريين من الطائفة السنية، ولإحداث انقلاب ديموغرافي في سوريا، وتظهير “مجتمع متجانس” ومستدام، مع سيطرة نظام الأسد والاقلية العلوية وتحالف الأقليات فيها.

وعندما فشلت ايران وميليشياتها في استكمال هذه المهمة، قام قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني بإقناع القيصر الروسي الجديد فلاديمير بوتين لإنجاز هذه المهمة، واستعمال جبروت الطيران الروسي بتدمير المدن السورية.

هزيمة الثورة السورية انجزت بتواطؤ اميركي وتخل عربي ودولي وبصفقات مشبوهة

حدثت هزيمة الثورة السورية، بفعل عسكري تولاه حلف تكون من جيش الاسد، وقوات الميليشيات الايرانية بما في ذلك قوات “الحرس الثوري” الايرانية، و”الحشد الشعبي” العراقية ومقاتلي “حزب الله”، لكن هذه الهزيمة انجزت بتواطؤ اميركي وتخل عربي ودولي، وبصفقات مشبوهة، تبادل خلالها الطرف التركي مناطق نفوذ، واقتطع لنفسه مواقع في مواجهة الحركة الكردية الانفصالية.

حجم النزوح السوري الى لبنان وتداعياته الاقتصادية والديموغرافية والامنية قد وصل الى مستوى من المخاطر يهدد لبنان

وغني عن القول، ان حجم النزوح السوري الى لبنان، وتداعياته الاقتصادية والديموغرافية والامنية، قد وصل الى مستوى من المخاطر يهدد لبنان وشعبه، واستقراره الاجتماعي والسياسي، وان امر معالجة هذا النزوح ومواجهة مخاطره، والسعي الى تفكيكه وتقليص حجمه، أصبح أولوية وطنية ومهمة ضرورية، للحفاظ على لبنان وضمان مستقبله واستمراره.

ومن الحقائق البديهية التي يتوجب تأكيدها، أن الأطراف التي ساهمت في ارتكاب جريمة التهجير القسري والتطهير العرقي، خلال الأعمال القتالية في سوريا، ليست مؤهلة او مؤتمنة، لتساهم في حل مشكلة النزوح، وليست صالحة لاقتراح الحلول لها…

أما البديهية الثانية، فهي ان النازحين السوريين بالرغم من كل التجاوزات التي يرتكبونها، والاعباء الكارثية التي يتسببون بها للبنان وشعبه، هم ضحايا اولا وعبءٌ ثانيا، وان انصافهم كضحايا، يتطلب عودتهم الى وطنهم وبيوتهم وأرزاقهم، وان مسؤولية هذه العودة، تقع على عاتق النظام السوري والدولة السورية، التي عليها أولا وآخرا، تحمل كلفة معيشة شعبها وتأمين احتياجات مواطنيها…

اما البديهية الثالثة، فان أوروبا ليست مسؤولة عن الشعب السوري، حتى ولو كانت تقوم بدفع مساعدات لاغاثتهم وايوائهم، وتعليم أطفالهم وتأمين استشفائهم وطبابتهم، وان عدم المسؤولية هذه، تبقى جائزة ومبررة، مع احتمال القبول، بان سبب قيام اوروبا بتقديم المساعدات الانسانية، ليست لدوافع انسانية فقط، بل يتصل بسعيها لتفادي هجرة النازحين الى بلدانها، وان كلفة استبقائهم في لبنان، هي ابخس ثمنا من استقبالهم في المدن الاوروبية والغربية.

اغلبية النازحين الى لبنان ليسوا لاجئين لأسباب سياسية

أما البديهية الرابعة، فان اغلبية النازحين الى لبنان، ليسوا لاجئين لأسباب سياسية، تتعلق بخطر امني في مواجهة النظام واجهزته الامنية، بل ان السمة الغالبة لهذا النزوح هو الهجرة الاقتصادية، و ان نسبة وازنة من هؤلاء، يتنقلون بشكل دوري واسبوعيا على الارجح بين سوريا ولبنان، ويزورون قراهم ومدنهم دون اية تحديات امنية، او ملاحقات من النظام.

وتشكل دعوة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، لفتح باب الهجرة عبر البحر، محاولة لتوريط اللبنانيين في استكمال جريمة التطهير العرقي والإجلاء القسري، من اجل إحداث انقلاب ديموغرافي، بدأ بتهجيرهم خارج سوريا الى لبنان، والمطلوب في دعوة نصرالله، استكماله عبر تشجيعهم على ركوب البحر الى أوروبا. و”حزب الله” في هذه الدعوة، لا يكتفي بانه قد شارك بهذه الجريمة الاصلية، بل يريد مجددا ان يجعل من استكمالها، موضوع إجماع وطني لبناني، عبر دعوة باقي الأطراف السياسية في لبنان، للسير في مشروع التهجير والترحيل.

كما تشكل هذه الدعوة تحريفا واضحا لحقيقة لا لبس فيها، بان هذا النزوح قد تسبب به نظام الأسد و”حزب الله”، ولم تتسبب به اوروبا، وان النزوح يتم انهاؤه بعودة السوريين الى سوريا، وهو ما لا يريده الأسد، وليس بتهجيرهم مرة اخرى الى بقية دول العالم، فالمشكلة عند سوريا الأسد وليست عند دول أوروبا.

ولعل اوجه التشابه يمكن ان تكون صادمة، وفاضحة، اذا ما قارنا بين ما يطالب به ربي الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزراءه، في اقصى اليمين الصهيوني، من مصر ودول العالم، بان عليهم استقبال مئات الآلاف من ضحاياهم الفلسطينيين، الذين تم إجلاؤهم خلال الحرب على غزة، وبين ما يريده الاسد ونصرالله، ويطلبانه من أوروبا باستقبال النازحين السوريين في دول الغرب وأوروبا!! فهاجس الديموغرافيا وإحداث انقلاب فيها، هو حلم مشترك بين الاستبداد الطائفي الاقلوي، والاحتلال الاستيطاني العنصري.

على قاعدة هذه البديهيات والحقائق المدرجة اعلاه، فان لبنان يتعرض لعملية ابتزاز وسلبطة، من النظام السوري و”حزب الله” وبقية حلفائهما، وهذا الابتزاز يتمثل في عرض الاختيار المر؛ بين القبول بالنتائج الكارثية، والأعباء الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والأمنية لهذا النزوح، من جهة اولى، او الأنخراط في معركة نظام الأسد ونظام الولي الفقيه، من اجل اعادة تعويم النظام السوري ورفع العقوبات الغربية عنه، ومكافأته على جرائمه تجاه شعبه، ومدِّهِ بالتمويل اللازم لإعادة اعمار بلد هدمه حاكمه، واستعادة قسم من رعايا نظام، قام جيشه باجلائهم من بيوتهم!!!

في مواجهة هذا الإبتزاز السافر، تتصنع ما تبقى من سلطة الفساد والفشل والارتهان للخارج، سلوك الارتباك وفقدان القرار

في مواجهة هذا الإبتزاز السافر، تتصنع ما تبقى من سلطة الفساد والفشل والارتهان للخارج، سلوك الارتباك وفقدان القرار و غياب إمكانية الحلول، وتشي بتعذر القيام بإجراءات ومبادرات، ويسابق وزراء الحكومة ورئيسها كل الرافضين لهذا الواقع، بتصاريح وخطابات لا تتعدى النفاق العاري، وتتبنى تبيان تداعيات النزوح السوري ومخاطره، وكأن حل الازمة ينتهي بمجرد توعية الناس على نتائجها. وتلجأ لمناورات قوامها التربح من دوام النزوح، والتكسب من ارصدة المساعدات والخدمات، التي تقدمها المنظمات الدولية والحكومات الأوروبية.

يمكن مراقبة دخول المرضى من النازحين الى المستشفيات، والتحقق من وضعهم القانوني

ولذلك، فإن امكانية تقليص النزوح السوري والحد من خسائره، تتلخص باجراءات تقوم بها السلطة اللبنانية، عبر انفاذ القانون اللبناني العادي في الإقامة والعبور على الحدود، وشرعية وسائل النقل، و باستعمال أجهزتها الامنية من درك، وجيش، وأمن عام، وامن دولة، وشرطة بلدية، كما باستعمال اجهزتها الرقابية، وتطبيق قانون الاقامة والعمل، على العاملين واصحاب العمل وفي مجالات السكن، حيث تستطيع البلديات ان تقدم جهدا مفصليا، ويمكن ان تتصاعد هذه الاجراءات، لتطال شروط تسجيل الأطفال السوريين في المدارس الرسمية، عبر ربط دخول الطالب إلى مدرسته بوضع عائلته القانوني، انطلاقا من بداية السنة الدراسية المقبلة، وعليه يمكن تقليص عدد المدارس التي تستقبل السوريين الى نصف عددها الحالي، كما يمكن مراقبة دخول المرضى من النازحين الى المستشفيات، والتحقق من وضعهم القانوني، وبجعل اي تقديمات متاحة للنازحين السوريين، مرتبطة بالتحقق من الوضع القانوني للنازح او المقيم او العامل باجازة…

الاجراءات متاحة طبقا للقانون اللبناني، وادوات التنفيذ موجودة في هيكليات الدولة واجهزتها، وادعاء العجز والشلل ليس الا ذريعة مزعومة لتبرير الرقص في زفة نظام الاسد.

السابق
بين اسرائيل و«الحزب».. سلسلة ردود والـ S5 على رأس القائمة!
التالي
سيناتور اميركي: إذا قام «حزب الله» بهجوم واسع على اسرائيل بيروت قد تُدمر