في الذكرى الثالثة لرحيل العلامة الأمين.. عن سيد المقاومة ووصاياه

السيد محمد حسن الأمين

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة أعوام، رحل عنا العلامة السيد محمد حسن الأمين، لكن حضوره ما زال قائما. ليس هذا الكلام يأتي من قبيل المواساة لاسرته ومحبيه وأصدقائه وهم كثر، وانما من اجل التأكيد على ان حضوره في هذه الأيام اقوى مما كان عليه يوم وفاته في 11 نيسان 2023 . في ذلك الزمن كانت جائحة كورونا اصل البلاء الذي بكّر برحيل العلامة والملايين في العالم. اما اليوم، فهناك جائحة ادهى في لبنان والمنطقة تسببت ولا تزال، باضاعة قضية تحرير الأرض والانسان في منطقتنا منذ زوال السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919.

اما اليوم فهناك جائحة ادهى في لبنان والمنطقة تسببت ولا تزال باضاعة قضية تحرير الأرض والانسان في منطقتنا


دار الزمن دورات منذ سقوط السلطنة، وبزوع سيطرة الغرب على اسلاب تركيا. ومن نتائج هذه السيطرة ولادة القضية الفلسطينية عندما كانت دولة إسرائيل تبصر النور عام 1948.
ارتبط العلامة الأمين بهذه القضية، ما لم يرتبط مثله احد غيره. ولو جرى التمعن في سيرة الراحل ممارسة وفكرا، لتبيّن ان الكلام عن هذا الارتباط في محله. واذا كان هناك من مجال للمقارنة بين الأمين وبين قامات دينية في لبنان وخارجه، على مستوى العلاقة بالقضية الفلسطينية، لتبين انه يتقدم الصفوف . كما ان أفكاره التي تركها وراءها مكتوبة بحبر النضال، تمثل ارثا يجعله سيد المقاومة بلا منازع.

ارتبط العلامة الأمين بهذه القضية ما لم يرتبط مثله احد غيره


بين عام 1982، عندما اجتاحت إسرائيل لبنان كي تنهي الوجود الفلسطيني المسلح، وبين 1984، خاض الأمين تجربة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مباشرة، بشكل لم يفعله عالم دين من قبل. وخلال هذه الأعوام الثلاثة، كان الأمين يقارع الاحتلال في صيدا التي كانت خاضعة للاحتلال. في كتاب “أمالي الأمين” للشيخ الصديق المناضل محمد علي الحاج العاملي، يروي الأمين فصلا من تلك الأعوام، التي أرى من المهم العودة اليها اليوم. فهو قال: “خلال العام 1984 تمّ إبعادي عن صيدا، حيث داهم الإسرائيليون منزلي، وكان عندي السيّد محمّد جواد الأمين؛ فاعتقلونا. جاء ذلك بعد خطاب ألقيتُه في شقراء، في ذكرى أسبوع ابن عمّتي هاني الأمين ـ وكان سفيراً للبنان في أوروبا، والذي كان مكلّفاً من قِبل رئيس الجمهوريّة للتفاوض مع الإسرائيليين بالناقورة ـ وقد كان خطابي في أسبوع المرحوم هاني ناريّاً ضد الإحتلال الإسرائيلي. أضف لذلك نشاطي في صيدا، لاسيما الإجتماع في مسجد الزعتري، الذي صادف قبل احتفال شقراء بعشرة أيّام، حيث هتفنا بضرورة المقاومة المسلّحة. وكان الشيخ راغب حرب يتردد عليَّ وينام عندي، ثم قُتل.. وكنتُ شكّلتُ هيئة علماء المقاومة من علماء السنة والشيعة ..

كان الأمين يقارع الاحتلال في صيدا التي كانت خاضعة للاحتلال


بعد ذلك كنتُ متوقعاً القتل، لكنّهم هاجموا منزلي الساعة 12 ليلاً، واعتقلوني، قاومتهم باليد .. أخذونا إلى جزين، وأوهموني أنّه صدر بحقي حكم إعدام، جاوبتهم أجوبة حادّة، وقلتُ لهم أنّ أمنيتي أن أموت على يدكم، خلال ذلك جاء جنرال يهودي يوحي بالقسّوة واللطف ..وفي النهاية جاء ضابط وقال: قررنا عدم إعدامك، لكن نحن في بيروت أقدر عليك من هنا.
وقبل ذلك بليلة كنتُ على تواصل ـ هاتفيّاً ـ مع السيّد محمّد حسين فضل الله، وطلب مني بعاطفة وحرص الإنتباه على نفسي. وحينها كان تواصلي مع السيّد فضل الله، أكثر من تواصلي مع الشيخ شمس الدين، لذا عقب خروجي من الإعتقال وإبعادي إلى بيروت، فقد طلبتُ من السائق الذي أوصلني إلى بيروت ـ وهو درزي ـ أن يأخذني إلى بيت السيّد محمّد حسين فضل الله، وكنتُ حينها بدشداشة وبدون عمامة ..! ليلاً وصل الخبر للإذاعات والإعلام، المحلّي والعربي، بأنّه تمّ اعتقال قاضي شرع صيدا، فتوافد عشرات الصحافيين إلى منزل السيّد محمّد حسين.. يومان بقيتُ لدى السيّد محمّد حسين فضل الله، ثمّ انتقلتُ إلى منزل شقيقة زوجتي”.
هذا بعض من النضال المباشر. اما على مستوى الفكر، فيقول الأمين: “مالك إبن نبي المفكر الجزائري المعروف، يقول: “لا يوجد استعمار، هناك قابلية للاستعمار”. أي شعوب عندها قابلية للاستعمار. أيضاً أريد أن أقول: إن المساحة العربية عندها قابلية لأن تُغرس دولة إسرائيل في هذه المنطقة، وبالتالي، من وجهة نظري، فإن المقاومة بمعناها المباشر، ليست وحدها هي لغة الحوار. بيننا وبين إسرائيل. لغة الحوار، وهي لغة صراع، ميادينها متعددة، ومنها ميدان التقدم: التقدم العلمي والتقدم الفكري والتقدم الحضاري، هو هذا الصراع حضاري بيننا وبينها. مع أنني أعتقد أن الشعب الفلسطيني، يوجد لديه مهمات آنية ودائمة ومستمرة ومنها المقاومة المباشرة لهذا الوجود، الذي يُفرغ الإنسان الفلسطيني والشعب الفلسطيني من ماهية الإنسانية، ويحوّله إلى مادة للاستغلال فقط”.
هذا قليل من كثير العلامة الراحل. لكن هذا القليل، يمثل ضوءا في النفق المظلم، الذي دخلت اليه القضية الفلسطينية هذه الأيام، من لبنان الى غزة وسائر الأقطار. ان وصايا العلامة الكبير تدور حول كيفية نقل القضية من ساحة تضع العربة قبل الحصان، حتى ولو أدى الى قتل الحصان، الى ساحة تضع الحصان قبل العربة كي تمضي الى افق حضاري اخضر وليس الى ظلام، غارق في العبث والرياء الأيديولوجي، كما حالنا اليوم.

السابق
إيران تعهدت لألمانيا برد محدود وملائم على هجوم دمشق!
التالي
جولة للشيخ حسن حمادة على نخبة من علماء الدين في جبيل للتهنئة بالعيد