العلامة الأمين.. فكر عقلاني إصلاحي يؤسس لوعي ديني وثقافي وإجتماعي

السيد محمد حسن الامين

تشكّل قراءة فكر العلامة السيد محمد حسن الأمين، إضافةً على ثقافة الفرد ليس فقط الدينية، وإنما الفكرية والأجتماعية و الوطنية. ويعود السبب في ذلك، إلى أنها تمدّ هويته بكل ما يسهم في تعزيز فرادتها الإنسانية القائمة، في طبيعتها، على العقلانية. بتعبير أدق، تسهم قراءة فكر الأمين، في تغليب العقل و”نصرته” على الغرائز كالتعصّب الطائفي والتطرّف… ومن هذا المنطلق، تؤدي دورها في تحرّر فكر الفرد، و تفلّته من أي عملية استلاب توظّف كل ما هو ديني أو “مقدّس”، في سبيل تدجين “قطعان” بشرية تتحرّك في كلّ مرة، يرُاد سوقها لترهيب الآخر و تخوينه!…

تسهم قراءة فكر الأمين في تغليب العقل و”نصرته” على الغرائز كالتعصّب الطائفي والتطرّف


وما “قُصاصات من أرشيف العلامة السيد محمد حسن الأمين في العلمنة، والدين في الحداثة، والدولة والمواطنة والعيش معاً”، (مؤسسة ألف ياء للنشر والتوزيع بالتعاون مع مؤسسة جنوبية – ٢٠٢٤) إلا مرآة لفكر الأمين، الذي أثبت نفسه على أنه حاجة وضرورة أيضاً، وسيما بعد ما كابده المجتمع اللبناني من أزمات على المستويات كافة، و أبرزها الاجتماعي والسياسي ….
ولا يتجلّى هدف المقال هنا، في عرض تفصيلي للمقالات التي يتضمنها الكتاب المذكور، إلا أنه لا بدّ من التعرّض لها بإيجاز، ليُصار إلى إلقاء الضوء على أهمية مؤلفات الأمين، لأنها تشكّل أساساً متيناً لبناء التفكير العقلاني والوطني.
تضمنت مقالات السيد الأمين حول العلمنة مصالحة الإسلام مع العلمنة المؤمنة “القائلة بفصل الدين عن الدولة، بدون التورط بنفي الدين”، و التي تؤكد على أن “السلطة شأن بشري”، وأن “سلطة الحق الإلهي ما هي إلا”مؤامرة على الإسلام” . و أما بالنسبة إلى مسألة الدين في الحداثة، فقد ارتأى الأمين ضرورة إصلاح الفكر الديني، في سبيل تحرير العقل العربي والشرقي”من كل أشكال المصادرة التي تمارسها سلطات الاستبداد، و من بينها الدينية”. كما لم ينفِ أهمية العلاقة بين ” الدين والإبداع والحرية”، معتبراً أنه كمسلم، لا يمكنه قمع عمل أدبيّ يتنافى، أو حتى يتناقض، مع ما يعتقده من مبادئ إسلامية و يؤمن بها. وبالنسبة إليه، إن الحرية تسمح له بالكشف عن ضعف هذا العمل الأدبي أو ذاك، وافتقاره إلى الدقة والبرهان. ومن جانب آخر، دعا الأمين إلى “التحرر من هيمنة الطقوس في إحياء عاشوراء”، من خلال الابتعاد عن الممارسات التي تعطي للصورة الحسينية “طابعها المأساوي” كضرب الرؤوس مثلاً … ورأى أن التحرر من مثل هذه الطقوس هو لصالح “صيغة أفضل للارتباط بحركة الإمام الحسين و ثورته”. كما رأى أيضاً ضرورة “التحرّر من الإيديولوجيا لصالح العقل”.

تضمنت مقالات السيد الأمين حول العلمنة مصالحة الإسلام مع العلمنة المؤمنة “القائلة بفصل الدين عن الدولة بدون التورط بنفي الدين”


وفيما يتعلق بمسألة “الدولة والمواطنة والعيش معاً”، فقد اعتبر العلامة أن الإصلاح في النظام السياسي اللبناني، و كما نص اتفاق الطائف على تشكل “الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية”، هو ركيزة الاصلاح الإداري، مشيراً إلى أنه “لا توجد اسباب دينية للتمسك بالنظام الطائفي بوجه النظام الموحد للأحوال الشخصية”. وجعل من إلغاء الطائفية مدخلاً إلى إنقاذ الوطن، والاعتراف بالآخر سبيلاً للنهوض بالوطن و المجتمع. أما بالنسبة إلى الحوار بين الحضارةالإسلامية و الحضارة الغربية، فهو قدر “لا مفرّ منه”. وأشار أيضاً إلى أن الزواج عقد مشروط، و”للمرأة الحق في أن تكون وكيلة عن نفسها “….

جعل من إلغاء الطائفية مدخلاً إلى إنقاذ الوطن والاعتراف بالآخر سبيلاً للنهوض بالوطن و المجتمع


لقد شكلت العقلانية التي نادى بها العلامة الأمين، أساساً لوعي ليس فقط دينياً، و إنما سياسي و اجتماعي، أسهم في بناء فكري “ناضج” و”غير طفلي”. وهذا ما يشكل، بالطبع، ركيزة لحداثة فكرية، تعدّ منقذاً للمجتمع، ليس فقط من أزماتها، وإنما من اضطراباته النفسية، التي تتسبّب بها نزوات التعصّب، وأبرزها رهاب الآخر و عقدة الاضطهاد المؤسسة لهوس عظامي جماعي…. وغيرها من الاضطرابات التي يحرّكها اللاوعي الجمعي.
ترجم فكر العلامة السيد محمد حسن الأمين، انتفاضة على واقع “مريض”، فرضه الاستلاب الذي بدأ باستثمار ما هو ديني، لينسحب على نواحي الحياة كافة. و ما فكره إلا انقلاباً على عملية “أدلجة”، يُراد منها القضاء على الاعتدال والمواطنة والحداثة!

السابق
مقتل القيادي القواتي يعيد ملف النزوح السوري الى الواجهة..وساعات فاصلة في المنطقة وغزة!
التالي
لبنان تحت تأثير منخفض جوي.. كيف سيكون طقس عيد الفطر؟