إسرائيل-«حزب الله»..أكثر من حرب محدودة وأقل من حرب مفتوحة!

قوات اليونيفيل

. أكثر من حرب محدودة، أقل من حرب مفتوحة، هي الخلاصة التي تختزل «طوفان» النار والدمار على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية وامتداداتها التي تبلغ «ساحة» سورية، الخاصرة الرخوة، المشرَّعة أمام الذراع الطويلة لتل أبيب وغاراتها التي تكاد ان تصبح شبه يومية ضد أمكنة يشغلها «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني.

فـ «حربُ المشاغلة» التي بدأها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر على جبهة جنوب لبنان لـ «إسناد غزة»، آخذة بالجنوح رويداً رويداً من «ميني حرب» مضبوطة بـ «قواعد اشتباك» تَحْكُمها إلى حرب مرشحة للتوسع والانفلات بعدما تمدّدت جغرافيتها وتَوَسَّعَ «بنكُ أهدافها» ورُبط مصيرُها بـ «سقوف عالية» من الطرفين.

ولم تكن تصريحاتُ وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت المدجّجة بالتهديدات على وهج الضربات الأعنف لجيشه ضد مواقع لـ«حزب الله» والحرس الثوري الإيراني في حلب سوى واحدة من المؤشرات البارزة الى احتمال «نزوح» الجبهة مع لبنان نحو مآلات أكثر توسعاً وإيلاماً، وهو ما فُهم ان «حزب الله» يأخذه على محمل الجد ويَتَحَسَّب له.

غالانت الذي بدا مزهواً بإفراج الولايات المتحدة عن المزيد من المعونات العسكرية لجيشه، تجاهل وربما لأول مرة الكلام عن فرضية الحل الديبلوماسي في شأن الجبهة في جنوب لبنان، وأطلق العنان لتهديدات بلا قفازات حين قال إننا «سنوسع المعركة ونزيد من وتيرة الهجمات في الشمال»، ملوّحاً بـ «الانتقال من الدفاع إلى الهجوم».

إقرأ ايضاً: بالفيديو والصور: يوم المُسيّرات الإنقضاضية والبركان..و«اليونيفيل» تحت مرمى النيران!

ولعل الإشارة الأكثر إثارة في كلام غالانت كانت قوله «إننا سنصل إلى كل مكان يعمل فيه حزب الله، في بيروت وفي دمشق، وفي أمكنة أبعد»، الأمر الذي تزامن أيضاً مع رفْع إسرائيل من مستوى كثافة النيران في هجماتها وتوسيع نطاق مسرح عملياتها، وتكبير «بنك أهدافها» على مدى الأسبوع الفائت.

ولم تتردد مصادر على دراية بمجريات الحرب على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، في رسم سيناريوات أكثر قتامة لِما يمكن أن يحدث، وهي أبلغت إلى «الراي» عدم استبعاد مَن يعنيهم الأمر إمكان تمدُّد الضربات الإسرائيلية الجوية في إتجاه بيروت وضاحيتها الجنوبية ما دام المستهدَف «حزب الله» حصراً.

ولفتت هذه المصادر إلى ان غالانت كان واضحاً في توجيه تهديداته إلى «حزب الله» لا إلى لبنان، وهو الأمر الذي يدركه الحزب ويتوقّعه وجاهِز للتعامل معه وهو كان باشر بإجراءات تَحَوُّطٍ من النوع الذي يحدّ من خسائره في المواجهة الشرسة مع عدوٍّ يحتل الأجواء ويستعين بالذكاء الاصطناعي.

بعد كلام غالانت… مخاوف من استهداف بيروت والضاحية

ورغم ان «حزب الله» لم يتوانَ عن الرد على التلاعب الإسرائيلي بـ«قواعد الاشتباك» بتوسيع ملعب النار في استهدافاته لمناطق وثكن ومستوطنات في المقلب الإسرائيلي، وباستخدامه الصواريخ ذات الرؤوس المدمّرة كـ «البركان» و«فلق» ضد المستوطنات غير المأهولة بطبيعة الحال، فإن الدوائر المراقبة في بيروت رأت في اندفاعة غالانت ومدلولاتها، أحد أمرين:

إما ان إسرائيل صارت أكثر «جرأة» بعدما حصلت على معنويات عسكرية جديدة من الولايات المتحدة، وتالياً ستندفع بزخمٍ أكبر، وإما أن اندفاعتها تضمر محاولةً لعرقلة أي تَفاهُمٍ أميركي – إيراني في شأن لبنان وجنوبه. وفي الحالتين فإن الأيام المقبلة ستشكل اختباراتٍ لإعلان نيات واشنطن وباريس المتواصل عن رفضهما توسيع نظاق الحرب ضد لبنان.

وفيما كانت العدساتُ مصوَّبةً على الميدان جنوباً لرصد أي ترجماتٍ للتهديدات الاسرائيلية وبينها ما نُقل عن مسؤول كبير في قيادة الشمال من أنه وبأوامر من غالانت ورئيس الأركان «تحولنا من الدفاع إلى الهجوم»، مضى «حزب الله» في محاولة «تحديث» توازن الردع بتكثيف استخدام صواريخ «بركان» ضدّ أهداف عسكرية، بالتوازي مع قراءاتٍ لاستهداف مستوطناتٍ بهذا النوع من الأسلحة فائقة التدمير تضع هذا التطور في سياق إرساء تماثُل على المقلب الاسرائيلي في ملاقاة التقديرات بأن تل أبيب تسعى لإقامة «منطقة ميتة» بعمق ما بين 3 الى 5 كيلومترات في المقلب اللبناني يكون دمّرها القصف السجادي سواء في حربٍ واسعة أو «على دفعات» كتمهيد لنسخةٍ واقعية من تطبيق القرار 1701، بحيث أن الحزب «يحفر» واقعاُ ميدانياً يفرض أن تكون أي ترتيبات أمنية على الحدود «في الاتجاهين».

وفي هذا الإطار، وإذ واصلت اسرائيل غاراتها والقصف المدفعي للعديد من البلدات جنوباً، أعلن «حزب الله» انه «دعماً لشعبنا الفلسطيني الصامد في قطاع غزة وإسناداً لمقاومته الباسلة ‌‌‌‏والشريفة، ‏استهدف ‏‏مجاهدو ‏المقاومة الإسلامية صباح السبت (أمس)، ثكنة راميم بصاروخ بركان وأصابوها إصابة مباشرة».

«اليونيفيل»

في موازاة ذلك، كان الحدَث الميداني استهداف مسيَّرة اسرائيلية لمراقبين تابعين للأمم المتحدة قرب بلدة رميش في القطاع الاوسط ما ادى الى وقوع عدد من الجرحى من جنودها وجريح لبناني.

وأعلنت قوة «اليونيفيل» إصابة أربعة 3 مراقبين ومترجم، إثر انفجار قذيفة قربهم فيما كانوا يقومون بدورية سيراً على الأقدام على طول «الخط الأزرق».

وأضاف: «تم الآن إجلاؤهم لتلقي العلاج الطبي، وجرى فتح تحقيق في مصدر الانفجار».

ورغم إعلان الجيش الاسرائيلي أنه لم «يقصف مركبة تابعة لليونيفيل في منطقة رميش»، اعتبرت الأمم المتحدة أن استهداف «قوات حفظ السلام ليس مقبولا»، مكررة دعوتها «لكل الأطراف إلى وقف التبادل العنيف الحالي لإطلاق النار قبل أن يتعرض المزيد من الأشخاص للأذى».

وكانت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية أفادت بأن سيارة رباعية الدفع تابعة لمراقبي الهدنة UNTSO قرب النقطة B37 على الخط الأزرق، على الحدود مع فلسطين المحتلة، تعرضت قرابة العاشرة والربع من صباح امس، أثناء قيامها بدورية منسقة قرب بلدة رميش، الى اعتداء اسرائيلي حيث استهدفت بقذيفة مباشرة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة ضباط ومترجم مدني، إصابة أحدهم حرجة.

ماذا تعني دموع نصرالله و«البكاء والألم» على عناصر «حزب الله»؟

كما أوردت تقارير صحافية أنّ الدورية المُستهدفة كانت مُؤلفة من سيارتي «جيب» تحملان كل الإشارات التي تؤكد أنهما تابعتين لـ«اليونيفيل» وأنهما كانتا تقلان 3 ضباط: الأول أسترالي والثاني تشيلي، فيما الثالث نرويجي، بينما كان مع هؤلاء أيضاً مُترجم لبنانيّ من بلدة عين إبل الجنوبيّة.

وأوضحت أنّ الاستهداف تمَّ بعد ترجل الضباط على الأرض يرافقهم المُترجم اللبناني لمعاينة الحدود وتحديداً في محيط بلدة رميش، مشيرة إلى أن المراقبين شعروا بأنّ مُسيرة إسرائيلية تلاحقهم، الأمر الذي دفعهم للتفرق قبل أن يتمّ استهدافهم بصاروخ.

وأجرى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي اتصالاً بالقائد العام لـ «اليونيفيل» الجنرال أرولدو لازارو «معبّراً عن تضامنه مع القوة الدولية بعد الاستهداف الذي أصاب آلية لليونيفيل ما أدّى الى سقوط عدد من الجرحى».

وجاءت هذه التطورات غداة يوم لاهب نعى فيه الحزب 7 من عناصره سقط 6 منهم في الغارة الاسرائيلية قرب مطار حلب وبينهم «قائده الكبير» أحمد الشحيمي، فيما أعلن الجيش الاسرائيلي أنه قتل نائب قائد الوحدة الصاروخية في الحزب علي عبدالحسن نعيم في الغارة على سيارة في البازورية (مسقط الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله)، مشيراً إلى أن الأخير كان «قائداً في مجال الصواريخ» وأحد قادة إطلاق الصواريخ ذات الرؤوس الحربية الثقيلة، ومسؤولاً عن تخطيط وشن هجمات ضد إسرائيل.

«غصة» نصرالله

وفي هذا الوقت استوقف أوساطاً سياسية على خصومة مع «حزب الله» التأثر الكبير الذي بلغ حد العيون الدامعة والغصة في صوت نصرالله في إطلالته ليل الجمعة في ليلة القدر الأولى حين كان يتحدث عن عناصر الحزب الذين يسقطون في جنوب لبنان وفي كل الجبهات والذين ناهز عددهم منذ 8 اكتوبر نحو 250 من بين أكثر من 320 ضحية.

وقد وضع نصرالله شهادة هؤلاء في سياق «عشق الشهادة» نفسه و«الفوز بها» الذي لطالما عبّر عنه أمير المؤمنين والذي بكى الحاضرون تأثًّراً عند استذكاره، معتبراً والدمعة في صوته الذي بدا باكياً «طبعاً نحب شبابنا وإخواننا ونتمنى ان يعيش كل منهم 100 سنة و200 سنة، هؤلاء زهرة الشباب. وعندما يستشهد أحدهم نتألّم لفراقه، فنحن بشر ولدينا عاطفة. والبعض يقول لعوائل الشهداء لا تبكوا. لا، ابكوا، طبيعي ان يبكي المرء. ونحن نتألم ولكن نشعر بأن أبناءنا فازوا ووصلوا وهنيئاً لهم».

الراعي

أكد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أنه «يجب ألا يتحوّل جنوبنا من أرض وشعب إلى ورقة يستبيحها البعض على مذبح قضايا الآخرين وفي قواميس حروب الآخرين».

وقال الراعي في رسالة الفصح: «جنوب لبنان بل كل أرض لبنان هي لكل اللبنانيين الذين يقرّرون معاً مستقبل وطنهم وسلامه وأمنه ومتى يحارب، ولأجل من يحارب. وندعو اللبنانيين الى كلمة سواء تعلن وقف الحرب فوراً ومن دون إبطاء، والالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة، لاسيما القرار 1701، وتحييد الجنوب عن آلة القتل الاسرائيلية وإعلاء مفاهيم السلام والقيامة على سواها من المفاهيم المغلوطة».

وإذ أكد «ان هذا الجنوب هو اليوم قلب لبنان، لأنه في أقصى المعاناة وأقساها»، قال: «نحيي الجنوبيين الصامدين في بلداتهم وقراهم تحت دوي القصف، نحيي كل الذين فقدوا أحباء لهم، والذين دمرت بيوتهم، والذين تشردوا لاجئين إلى مناطق أخرى».

الراعي: لعدم تحويل جنوب لبنان ورقة في قواميس حروب الآخرين

وأضاف: «منذ توقيع اتفاق القاهرة سنة 1969، وسنوات الحرب اللبنانية، ونشأة الميليشيات، وعدم تطبيق اتفاق الطائف (1989) نصاً وروحاً مع فرض استثناءات لأغراض سياسية استراتيجية، بدأ لبنان يفقد جوهر هويته التي جعلتْه صاحب رسالة في العالم العربي. لقد فقد حياده الإيجابي الناشط، ودخل رغماً عنه في صراعات ومحاور وحروب إقليمية ودولية لم تكن لصالحه وصالح أبنائه.

هذا الحياد ليس مستحيلاً بل هو ركيزة قيام لبنان الجامع والمتحد بعيداً عن محاولة بعضنا الاحتكار او آخر الاستئثار بالسلطة، فالاستئثار بالدولة على حساب بعضنا البعض».

وختم: «نريد لبلدنا الحياد الإيجابي الناشط أو التحييد الفاعل وهو من جوهر هويته وليس اختراعاً بل تجربة عشناها في القرن التاسع عشر فكان لنا الاستقرار والإعمار والازدهار. فلا بد من العودة إليه لاستعادة صحته ودوره ورسالته».

السابق
بالفيديو والصور: يوم المُسيّرات الإنقضاضية والبركان..و«اليونيفيل» تحت مرمى النيران!
التالي
احتمالات اجتياح رفح «تتلاشى» ونتنياهو حوّلها إلى «الكأس المقدسة»!