رسائل إلى السفيرة الاميركية الجديدة في لبنان: بين ميلادك و«الطائف»! (1)

السفير هشام حمدان

سعادة السّفيرة، أهلا بك في وطني لبنان. عائلتي وأنا، نقيم في الولايات المتّحدة. نعشق أميركا والمبادئ الدّستوريّة التي تحكمها، والتي شكّلت مدماكا أساسيّا في حركة تطوّر التّاريخ السّياسي في العالم، منذ عام 1791.

سعادتك من مواليد 1967. تعلمين بالتّأكيد، أن ذلك العام الذي حمل الفرح لوالديك، حمل أيضا تحوّلا كبيرا في تاريخ الشّرق الأوسط. تمكّنت إسرائيل من احتلال كلّ فلسطين التّاريخيّة، وأيضا جزءا من الأراضي العربيّة. لكن، ولعلّ الأهم بالنّسبة إلى لبنان، هو أنّه كان بداية معاناتنا الوطنيّة، وتحوّل بلدنا من سويسرا الشّرق، ومن الجسر الحضاري، والثّقافي، والتّربوي، بين الشّرق العربي المسلم، والغرب المسيحي، إلى ساحة حروب بين هذا الشّرق والغرب.

فمنذ ذلك التّاريخ، تحوّل لبنان الدّيمقراطي، والمتميّز باحترامه للحرّيّات وحقوق الإنسان، إلى ساحة تستغل القوى الدّيكتاتوريّة في المنطقة، وخاصّة في سورية، تركيبتة الدّقيقة والحرّيّات العامّة فيه، لبث التّفرقة في صفوف أبنائه، ولتعزيز حضورها العسكري، والسّياسي، والإنطلاق منه، في حملاتها الإيديولوجيّة العبثيّة إقليميّا ودوليّا. وتوّجت ضغوطها عليه عام 1969، بفرض اتّفاق القاهرة المشؤوم على أبنائه. إتّفاق القاهرة كان البداية العمليّة للحرب الأهليّة في لبنان.

قالت مصادر السّفارة الأميركيّة في بيروت، أنّك ستقومين ب”تطبيق سياسة الإدارة الأميركيّة المعلنة والمعروفة تجاه لبنان، وتواصلين مهام السفيرة السّابقة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها البلاد أمنيّا، وسياسيّا، واقتصاديّا، إذ أنّ الولايات المتّحدة يهمّها استقرار لبنان وجنوبه، وستكرّر عبر ممثليها من مبعوثين، ودبلوماسيين، وموفدين، أهميّة إبعاد لبنان عن الحرب في غزة، وإنجاز الإستحقاقات التي يتقدّمها انتخاب رئيس للجمهوريّة”.

ألحرب الأهليّة مستمرة كلّ الذي حصل هو توقف آلة السّلاح إستمرّ أمراء الحرب أنفسهم في قيادة البلاد وبدلا من التّواصل بينهم من خلف السّتار أصبح التّواصل شرعيّا من مقاعد مجلس الوزراء

سعادة السفيرة، ما بني على خطأ لن يقيم بنيانا صلبا يمكن للولايات المتّحدة أن ترتاح له. أنتم تبنون إحدى أكبر سفاراتكم في العالم، في بيروت. ونحن فرحون بذلك. نحن نشعر أنّكم تعدّون للشّرق الأوسط الجديد، والذي سيكون لبنان فيه محطّة أساسيّة ثقافيّا، وسياحيّا، وعلميّا. ربما يعود إلى دوره القديم. لكن إسمحي لي أن أشير إلى ما يلي:
1-إتّفاق الطّائف وما بعد: لقد ساهمتم مع نهاية الحرب الباردة، بالتّوصّل إلى اتّفاق أنهى الأعمال العسكريّة التي كانت تدمّر لبنان، لأكثر من خمس عشرة سنة. أنتم تعتقدون كما يبدو من تصريحات المسؤولين في واشنطن، أن هذا الإتّفاق قد أنهى الحرب الأهليّة في البلاد. لا. ليس صحيحا. ألحرب الأهليّة مستمرة وأنتم تعلمون ذلك. كلّ الذي حصل هو توقف آلة السّلاح. إستمرّ أمراء الحرب أنفسهم في قيادة البلاد. وبدلا من التّواصل بينهم من خلف السّتار، أصبح التّواصل شرعيّا من مقاعد مجلس الوزراء. كلّ أمير حرب يمسك كانتونه وإمارته. إسمحي لي أن أطلب منك قراءة وثيقة السّفير بيتر غالبريث، سفير الولايات المتّحدة في كرواتيا خلال حرب يوغوسلافيا المشؤومة. قد كان محقّا عندما قال: أنّ الولايات المتّحدة نجحت في إنهاء الصّراع في ذلك البلد، لأنها “حدّدت بشكل صحيح، سبب الحرب، ودعمت الجهود الدّبلوماسيّة، بالقوّة العسكريّة”. ساهمت الولايات المتّحدة قبل كلّ شيء ب”استخدام العقوبات، وإنشاء المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا، لمحاسبة المسؤولين عن الفظائع، وردع كوارث حقوق الإنسان في المستقبل”. أمّا في لبنان، الذي شهد فظائع مماثلة لما حصل في يوغوسلافيا، فقد تحوّل مرتكبو الفظائع، إلى حكّام للبلاد، وقادة لبناء المستقبل والسّلام، و”حماية حقوق الإنسان”.

في لبنان والذي شهد فظائع مماثلة لما حصل في يوغوسلافيا فقد تحوّل مرتكبو الفظائع إلى حكّام للبلاد وقادة لبناء المستقبل والسّلام

قال السّفير غالبريث أنّ البوسنة “دولة صغيرة يبلغ عدد سكّانها أربعة ملايين نسمة، وهذا في حدّ ذاته ليس حاسما بالنّسبة للأمن القومي الأميركي. لكنّ الأمر أصبح كذلك، وأصبح من المهمّ إيجاد حلّ، وعدم السّماح للحرب بالإستمرار، لأنّه “كان من الممكن أن يصبح مصدرا لعدم الإستقرار في قلب أوروبّا”.

إقرأ ايضاً: لبنان يترنح أمام عاصفتين سياسية ومناخية..والحكومة تربط حرب لبنان بحرب غزة!

نحن نعتبر أنّ سماح الولايات المتّحدة للحرب بالإستمرار في لبنان عام 1990، هو الذي أدّى إلى تحويل لبنان إلى قاعدة لعدم الإستقرار في الشّرق الأوسط. سعادة السّفيرة، سيقولون لك أنّ أركان السّلطة هم نتاج الإنتخابات النّيابيّة “الدّيمقراطيّة” في البلاد.

سماح الولايات المتّحدة للحرب بالإستمرار في لبنان عام 1990 هو الذي أدّى إلى تحويل لبنان إلى قاعدة لعدم الإستقرار في الشّرق الأوسط

لا، هذا ليس صحيحا. فممارسة الإنتخابات لعبة ديمقراطيّة شكلّيّة. لا ديمقراطية حقيقية من دون قانون انتخاب يتيح فعلا، ألحرّيّة للنّاخب لانتخاب من يراه مناسبا. قانون الإنتخاب في لبنان، أقيم لترسيخ زعامة أمراء الحرب في كانتوناتهم. وما زالت رجالاتهم الميليشياويّة تهدّد النّاس في حياتهم، وأرزاقهم، ومصالحهم. كيف يكون هناك انتخابات حرّة فيما حياة النّاس ومصالحها، مرهونة بإرادة هؤلاء؟

السابق
عودة التوتر جنوباً..تجدد القصف الاسرائيلي و«حزب الله» يَستهدف موقع العاصي!
التالي
العاصفة «حنين» تزداد شراسة..امطار غزيرة وثلوج على 1500 متر!