«طوفان الأقصى»..و«وَهم» الإتجاه شرقاً!

ياسين شبلي

في المعارك والأحداث الكبرى تكون العِبَر عادة كبيرة والإستنتاجات كثيرة بطبيعة الحال. ولا تخرج معركة “طوفان الأقصى” بتداعياتها الكثيرة والتي لم تضع أوزارها بعد عن هذا الإطار، ولعل من أولى الإستنتاجات وأهمها، ربما هو تأكيد المؤكد، إلا لدى البعض من “الرومانسيين” الحالمين بتغيير العالم منذ سنوات، ما بعد الإستقلال في العالم العربي وحتى يومنا هذا، من الذين لا يؤمنون ولا يقرُّون بأن هذا العالم، ما هو سوى مناطق نفوذ متفق عليها بين أقطاب عدة في العالم، بحسب موازين القوى في كل عصر وزمان.

هذا المؤكد، هو أنه ومنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية على الأقل ، كانت منطقة الشرق الأوسط منطقة نفوذ أميركية، بحسب إتفاق يالطا الذي تقاسمت فيه الدول المنتصرة في الحرب مناطق النفوذ في العالم، وهو ما أعادت تأكيده حرب غزة أو معركة “طوفان الأقصى” أو مجزرة “السيوف الحديدية”، ما يثبت بأن الحديث عن عالم جديد متعدد الأقطاب، كذلك مقولة الإتجاه شرقاً، بمعنى مواجهة أميركا وسياستها في المنطقة، حتى الآن على الأقل، ما هو إلا هرطقات ممانعاتية ومبالغات وهمية، لا أساس لها على أرض الواقع.

وهذه النطريات تطلق لغايات سياسية وإيديولوجية، من ضمن الصراع لمحاولة تحسين المواقع والأدوار، التي وإن نجحت قد تنجح مرحلياً في عرقلة المشاريع المطروحة، إلا أنها لا تصل حد قلب المعادلات، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، والحق إلى أصحابه، كما هو الحال مع القضية الفلسطينية، التي ورغم كل التضحيات الممتدة على مدار ثلاثة أرباع القرن، لا تزال تراوح مكانها، ولم يكن بمقدور أحد تغيير الواقع، حتى في عز الحرب الباردة و”سخونتها” بين القطبين، الولايات المتحدة الأميركية وحلفها الأطلسي والإتحاد السوفياتي وحلفه الإشتراكي، بل كانت الحرب سجال بين المتصارعين في المنطقة، مع الغلبة المطلقة للكيان الصهيوني للأسف المدعوم أميركياً، مع بعض “الفاولات”، التي منحت للطرف العربي لزوم إثارة الحماس، وتأجيج الصراع لا أكثر، فكانت النتيجة أن خرجت مصر بداية من الصراع، بعد أن فهم رئيسها الأسبق أنور السادات اللعبة، معلناً بأن 99 بالمئة من أوراق اللعبة بيد أميركا – بغض النظر عن طريقة ممارسته لهذه القناعة – في حين تمترس البعض وراء أوهام إيديولوجية أو عاطفية أو مصلحية شخصية وشعبوية، أدت بالنهاية إلى إنهيارات وكوارث حلت في كل من لبنان والعراق وفلسطين بدايةً، قبل أن يصل البعض في تسعينيات القرن الماضي وبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، إلى ما وصل إليه السادات من قبل، وإنخرط الجميع في عملية سلام مدريد، التي دخلها العرب مشتتين ومنهكين، نتيجة الغزو العراقي للكويت وتداعياته، فكان أن راح كلٌ في إتجاه، الأردن إلى وادي عربة ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى أوسلو.

لقد كشفت معركة “طوفان الأقصى” مرة أخرى بأن من يتحكم بالمنطقة وتطوراتها هي أميركا


ومع تغير الظروف ودخول العامل الإيراني على الخط، نتيجة تطورات التسعينات وأحداث الحادي عشر من أيلول، بداية القرن الجديد التي عززت هذا العامل ب”قبة باط” أميركية، والذي حاول إستغلال هذا الواقع، في محاولة واهمة منه وأحلام إمبراطورية ل “وراثة” الإتحاد السوفياتي، إلتحق النظام السوري بهذا المحور الإيراني، متمترساً من جديد وراء لبنان، الذي بات “رهينة” لديه، وورقة يفاوض بها لتعزيز موقعه في المنطقة، بإسم تحرير الجولان المحتل وفلسطين، قبل أن يُسلِّم هذه الورقة مرغماً ل” المعلم ” الإيراني، الذي أحسن ولا يزال إستغلالها، مع غيرها من الأوراق العربية، التي نجح في تجميعها في غفلة من بقية العرب، الذين تراوحت مواقفهم ما بين إفراط وتفريط في المطالبة بالحقوق العربية، حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه اليوم.

إقرأ ايضاً: «حزب الله» يُكثّف عملياته جنوباً..استهداف 6 مواقع إسرائيلية!

اليوم ومنذ ثلاثة أشهر، يشهد العالم واحدة من أكبر المذابح والمحارق في التاريخ الحديث، حيث حولت إسرائيل بدعم أميركي مطلق، قطاع غزة إلى أرض محروقة غير صالحة للعيش الآدمي، إضافة إلى ممارسات فاشية عنصرية إجرامية، لا تمت للإنسانية بأية صلة، صحيح أن الحروب بمجملها بشعة ومكلفة، ولكنها كغيرها من الأمور لها قوانينها وقواعدها، التي يجب أن تُحترَم حتى لا تتحول إلى إبادة جماعية، هذه القوانين والقواعد التي ضربت بها إسرائيل كعادتها عرض الحائط، من دون أن يأخذ العالم أي موقف إنساني على الأقل، ولا نقول سياسياً عادلاً.

لقد كشفت معركة “طوفان الأقصى” مرة أخرى، بأن من يتحكم بالمنطقة وتطوراتها هي أميركا، ولا أحد غير أميركا للأسف، بعيداً عن البروباغندا السياسية والمصالح، التي بسببها يدَّعي البعض بأنه يواجه هذا وذاك من الدول، دفاعاً عن المنطقة وأهلها، وهو إدعاء غير صحيح، وإلا أين روسيا من هذه الأزمة، وأين الصين التي يراهن عليها البعض لمواجهة أميركا ونفوذها، وأين دول البريكس التي صدَّع البعض رؤوسنا بها، أين موقعهم وموقفهم غير البيانات الجوفاء، وطبعاً من المضحك – المبكي في هذا المجال، السؤال عن العرب والمسلمين أيضاً، ولا يعتقدَّن أحد بأننا ندعو هذه الدول لمحاربة أميركا وإسرائيل مثلاً، لا أبداً ولا يتذرَّعنَ أحد بحق الفيتو الأميركي، لأننا لا نطلب أكثر من إجراءات عقابية بحق إسرائيل وتجاوزاتها ضد المدنيين، ولو على مستوى فردي بين هذه الدول وإسرائيل، لا نطالب بأكثر من أن تمارس هذه الدول إنسانيتها، وأن تتخذ القرارات التي تمليها عليها هذه الإنسانية.

أين روسيا ودول البريكس التي صدَّع البعض رؤوسنا بها، أين موقعهم وموقفهم غير البيانات الجوفاء؟

المثير في الأمر أكثر، بأننا هنا لا نتحدث فقط عن موقف إدارات وحكومات، بل عن مواقف شعوب أيضاً، فحملات التضامن مع الشعب الفلسطيني حول العالم، هي بغالبيتها في الغرب أيضاً مع إستثناءات قليلة جداً، بشكل يبدو وكأن الصراع بات بين حكومات الغرب وإداراته وبين شعوبه، فيما “العالم الآخر” وكأنه ميت بلا حراك، سواء في الشرق الآسيوي أو الأوروبي أو العربي – الإسلامي، وهذه ظاهرة لافتة يجب طرحها للدراسة والمناقشة.

الصراع بات بين حكومات الغرب وإداراته وبين شعوبه فيما “العالم الآخر” وكأنه ميت بلا حراك

في الإنتظار، علينا نحن أهل القضية والمنطقة، أن نعي هذه الحقيقة على مرارتها، ونتعامل على أساسها، أقله لتقليل خسائرنا قدر الإمكان، علينا التعامل مع العالم بحكمة ودهاء وتواضع، ومحاولة صون مصالحنا إلى أقصى حد، من ضمن هذه المعادلة، بعيداً عن التهور والإنتحار الجماعي بإسم المقاومة والتحرير، مع ما يمثلانه من قيم وأهداف نبيلة بلا شك، لكن طريق الوصول إلى تحقيقهما، قد يكون لدى البعض طريقاً غير نبيل، عبر الإفراط من جهة، والتفريط من جهة أخرى، بالحقوق الأساسية لشعوب المنطقة.

لا نقول هذا الكلام عن إنهزامية، أو عن إعجاب وتطبيل، للنموذج الأميركي أو الغربي في العالم، ضد أي نموذج آخر، بل عن قناعة بأن هذا العالم، عالم ظالم، تحكمه المصالح لا المبادئ، وتديره “عصابات” على شكل حكومات، ودول ترفع شعارات برَّاقة، بعضها عن الحرية والمساواة، وبعضها الآخر عن العدالة الإجتماعية ونصرة المظلوم إلى آخر المعزوفة، بينما الحقيقة الساطعة تكمن في المثل العربي القائل، “ما حك جلدك مثل ظفرك”، فهل من يرى ويسمع ويعي ويلبِّي؟ هذا هو التحدي الأكبر.

السابق
«حزب الله» يُكثّف عملياته جنوباً..استهداف 6 مواقع إسرائيلية!
التالي
تجاوز الخطوط الحمر بين «حزب الله» وإسرائيل ينذر بالحرب..إيران «متريثة» وأميركا «عاجزة»!