الطائفية «أفيون لبنان» تدك المواطنية والحياة السياسية!

علم لبنان 1200

شكّل مفهوم المواطنية هدفاً وجودياً ومصيرياً لدى الشعوب كافة، فناضلت من أجل تكريسهو العيش تحت “سقفه”. و يزخر التاريخ بالكثير من الحركات الشعبية، التي سعت وما زالت إلى بناء مواطنية صلبة، و تعزيزها بهدف تكريس الانتماء و الاندماج الوطنيين. و من هذا المنطلق، شكّلت مسألة وجود لدى الشعوب، باعتبارها مرتبطة بالهوية الوطنية ومتلازمة معها.

طرحت المواطنية بمفهومها ومضمونها إشكالية تخطت حدود الحياة السياسية التي لا يمكن فصلها عمّا هو اجتماعي واقتصادي وتربوي

طرحت المواطنية، بمفهومها ومضمونها، إشكالية تخطت حدود الحياة السياسية، التي لا يمكن فصلها عمّا هو اجتماعي واقتصادي وتربوي… وانسحبت بذلك على الجانب النفسي من حياة الفرد. ويعود السبب في هذا الانسحاب على ما هو نفسي، إلى أن التنشئة التي تشكّل إحدى دعائمها، تعدّ أحد المحددات الرئيسية التي تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل البنية النفسية، نظراً لما تنقله من قيم و معايير ثقافية جماعية، تشكّل بدورها لاوعياً جماعياً. وتأتي الأحداث والانجازات والتجارب المعاشة جماعياً، أي التي يتشاركها أفراد المجتمع، لتدخل في صناعة هذا اللاوعي الجماعي. وهذا ما يبدو جلياً، من خلال السعي دائماً إلى إعادة إيقاظ الذكريات الجماعية، عبر احياء المناسبات كافة، مشكّلة بذلك ما يمكن تسميته ب”الأنا” الجماعي. وتجدر الإشارة إلى أن اللاوعي الجماعيّ، يؤدي دوره الكبير في التأثير على الانخراط المدني، إما عبر إضعافه أو على العكس تعزيزه. بتعبير أوضح، إذا كان هذا اللاوعي زاخراً بما هو مقدّس و إلهي وحتى ديني سيغلب، بالتأكيد، ما هو طائفي على الوطني و العكس صحيح!…. ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن الموروث الثقافي الذي يشكّل الذاكرة الجماعية، ما هو إلا مؤثراً رئيسياً في تحديد طبيعة ما هو جماعي.

ترتبط بمسألة الهوية الوطنية نظراً لارتباطها بالانتماء الوطني


وبالعودة إلى المواطنية، وكما هو طبيعي وأيضاً معروف، فإنها ترتبط بمسألة الهوية الوطنية نظراً لارتباطها بالانتماء الوطني. وعلى هذا النحو، لا يمكن أن توجد منفصلة عن الوطن.
وأما فيما يتعلق بمجتمعنا اللبناني، فإن مفهوم المواطنية “متورّط” و واقع في مأزق طائفي كرّسته طائفية النظام السياسي الذي “وزّع” الكفالات، إن صح التعبير، على كل من طوائفه مجيزاً لها بناء التنشئة الموائمة لسيستامها. و لقد تمّ ذلك على حساب التنشئة الوطنية!..
وتكشف لنا المقاربة التحليلية، عن مدى حال هذه المواطنية “المأزومة”، كونها تسهم في تجلّي السيرورات النفسية اللاواعية، التي تؤثر في تغليب انتماء السواد الأعظم من اللبنانيين، إلى طوائفهم على حساب وطنهم.
و إذا ما تناولنا تأثير اللاوعي الجماعي في المجتمع اللبناني، لتبدّت لنا مسألة بالغة الخطورة، وهي تتمثل في إفراغ الانتماء الوطني نفسه من مضمونه. ويعود السبب إلى احتواء هذا اللاوعي المقدّس والإلهي، اللذين أضحا يدخلان في أدق تفاصيل الحياة على مستوياتها كافة، ومنها السياسي، بحيث وصل الأمر، إلى أن الرغبة في الانتماء الطائفي، تغلّبت على تلك المتعلقة بالوطني. بمعنى آخر، حسم اللاوعي الجماعي الغلبة لصالح الانتماء الطائفي. و لعل ما يحصل، هو أن تكريس بعض المناسبات و الأحداث الدينية، من خلال اعادة احيائها، بأسلوب هو أقرب إلى الهستيري، بالتزامن مع خطابات سياسية، يشكل دليلاً دامغاً على تعمّد ضرب ركائز الانتماء والهوية الوطنيين.
لقد أضحى الطائفي بديلاً عن الوطني، و تغلّبت الحاجة إلى الطائفة و الانتماء إليها، على الحاجة إلى الوطن والأنتماء إليه.
كذلك الأمر، تبين لنا ملاحظة واقع التنشئة الاجتماعية في المجتمع اللبناني، أنها بعيدة عن كل ما هو وطني. وهي بذلك تسهم في القضاء على استعداد اللبناني للشعور بالانتماء الوطني.
و لا يخفى من أن هذا السيستام التربوي، يصبّ حكماً في صالح النظام السياسي الطائفي، الذي لا تناسبه لا المواطنية و حتى لا الهوية الوطنية.

حسم اللاوعي الجماعي الغلبة لصالح الانتماء الطائفي


و إذا ما قاربنا اللاوعي الجماعي أكثر، فمن الملاحظ أنه يؤثر بدوره، في طبيعة حاجات الفرد إلى الانتماء و دوافعه لها. بتعبير أوضح، لقد أشبعت التنشئة “العليلة” هذه الحاجات والدوافع، بكل ما هو طائفي و أسهمت في إضعاف “تقبّل” اللبناني للمواطنية نفسها. وما الحرب الأهلية وما لحقها من انقسامات طائفية “خفيّة”، إلا دليلاً على نبذها من قبل السواد الأعظم من اللبنانيين. إذ يرى هؤلاء أن المواطنية نفسها ما هي إلا ضعفاً!.. و هذا ما أسهم في تكريس القضاء على مؤسسات الدولة، لصالح مؤسسات الطوائف، الراعية للنظام السياسي.
لا يوجد في لبنان مواطنون بل طائفيون. لقد جعل غياب المواطنية من لبنان بلد التناقضات، و حوّله إلى بلد في حالة من الصراع الدائم والاقتتال.
خلاصة، تتمثل الخطورة، في أننا بتنا نسمع عن “سيادة” الطائفة أكثر من الوطن، و بات الانتماء إلى الطائفة خلاصاً للبناني.
ويبقى القول، إن الطائفية بوجهها الفاسد هي “أفيون لبنان”.
إلى متى ستبقى مواطنية لبنان، رهينة واقعة في أسر نظام سياسي، انتهك بنفاقه الطائفي حقوق اللبناني؟!

السابق
بالفيديو.. مقتل«ولاء» المعارض ل«حزب الله» خلال عملية دهم في عيتيت!
التالي
قصفٌ مدفعي.. اعتداءات اسرائيلية متواصلة على الحدود