إيران والطريق إلى «حماس».. «الحاجة أُمُّ التحالف أم القتال»؟!

حرب تموز

ممَّا لا ريبَ فيه أنَّ «طوفان الأقصى»، قد أعادتِ القضيَّةَ الفلسطينيَّةَ إلى صدارةِ المشهدِ السِّياسيِّ العالميِّ وأعادتْ، بالقَدرِ نفسِه، إشكاليَّةَ الصِّراع معَ «إسرائيل» إلى صدارةِ المشهدِ العربيِّ والإسلاميِّ على حدٍّ سواء. ولا يخفى أنَّ اصطلاحَ «إشكاليَّة» هو بُرهانٌ على الأزمةِ التي صِرنا إليها، نحنُ العربَ، والتي أثَّرَتْ وتأثَّرتْ بإقامةِ «إسرائيل» وبمسارِها ومصيرِها على هذه الأرض. أمامَ الأزمةِ العربيَّةِ هذه باتَ طَبَعيًّا ومنطقيًّا إلى حدٍّ بعيدٍ أن تتحوَّلَ الإشكاليَّةُ هذا التَّحوُّلَ الدَّراماتيكيِّ والتَّراجيديِّ. فبعدَ أن كانَ السُّؤالُ يدورُ حولَ كيفيَّةِ القضاء على «إسرائيل»، تحوَّلَ إلى إمكانيَّة القضاء عليها، وثُمَّ إلى مشروعيَّةِ إزالة «إسرائيل» من الوجود.

بعدَ أن كانَ السُّؤالُ يدورُ حولَ كيفيَّةِ القضاء على «إسرائيل» تحوَّلَ إلى إمكانيَّة القضاء عليها

كثيرةٌ هي المراحلُ المِفصليَّةُ التي مرَّتْ بها القضيَّةُ الفلسطينيَّةُ، منذ ما يزيدُ عن خمسٍ وسبعين سنة. بيدَ أنَّ أخطرَ هذه المراحل، بدأ مع وصول الإسلام السِّياسيِّ الشِّيعيِّ إلى السُّلطةِ في إيران سنة 1979، ولم ينتهِ إلى الآن. ومنَ المؤسِفِ، والمُخزي لنا نحنُ العرب، الاعترافُ بأنَّ إيران نجحتْ نجاحًا مُنقطعَ النَّظير، في جعلِ العربيِّ عمومًا أمام خيارَيْن، فيما يتعلَّقُ بالقضيَّةِ الفلسطينيَّة، وبالمُقاومة على وجه الخصوص؛ إمَّا مع إيران وإمّا مع «إسرائيل». وهذا النَّجاح ليس وليدًا لزواجٍ شرعيٍّ بين «النِّظام الإيراني» و«المُقاومة»، وإنَّما هو وليدُ قِرانٍ لَعينٍ بينَ «خُبث السِّياسةِ الإيرانيَّة» و«غباء السَّاسةِ العرب»، والذي جاءَ بعدَ عمليةِ تطهير، قامت بها إيرانُ وحلفاؤها وأذرعُها، ضدَّ كثيرٍ منَ فصائل المقاومة الفلسطينيَّة واللُّبنانيَّة.

منَ السَّذاجةِ، أن نتعاطى مع إيران بصورةٍ توحي بأنَّها جنسٌ فريدٌ منَ الدُّولِ؛ فريدٌ إلى الحدِّ الذي يجعلُنا نظنُّ، أنَّ مصالحَ إيران هي نفسُها مصالحُ فلسطين! فإيران دولةٌ كغيرِها من الدُّولِ التي تستثمرُ في القضيَّةِ الفلسطينيَّة، ونظامُها كغيرِه من الأنظمةِ، التي لا مصلحةَ لها إلَّا بقاءها. ولكن ثمَّةَ فارقٌ كمِّيٌّ في حجم الاستثمار، إذ أنَّ إيران هي أكثرُ الدُّولِ استثمارًا في القضيَّة الفلسطينيَّة، وفي المُقاومة بشكلٍ خاص. فالورقة الفلسطينيَّة تُمثِّلُ، لدى إيران، ثانيَ أهمِّ أوراقِ اللَّعب في سياستِها، بعدَ الورقةِ الطَّائفيَّة. ولا يَخفى أيضًا، أنَّ كُلَّ هذه الأوراق تُلعبُ من أجلِ هدفَيْن؛ بقاءُ النِّظامِ الإيراني والمزيد منَ المكاسب، على أنَّ الهدفَ الثَّاني يتماهى مع الأوَّل، إذ أنَّ المكاسب التي يُريدُها النِّظامُ الإيرانيُّ، ليست من أجل الشَّعبِ الإيرانيِّ وإنَّما من أجلِ بقاءِ النِّظام أيضًا.


وهذا طَبعيٌّ ومُبرَّرٌ، إذا أخذنا بعَيْن الاعتبار أنَّ مصلحةَ النِّظامِ الإيراني، تختلفُ اختلافًا كُليًّا عن مصلحةِ الشَّعبِ الإيراني. وقد شكَّلتْ «طوفانُ الأقصى» الاختبارَ الحقيقيَّ الأوَّل، ولعلَّه الأخير، لقُدرةِ الورقةِ الفلسطينيَّة على تبرير بقاء النِّظام الإيراني لدى مؤيِّديه. وإذ يرى بعضٌ من مُعارضي السِّياسةِ الإيرانيَّة، أنَّها تتنصَّلُ من «طوفان الأقصى» فهذا لا يَعني فشلًا للمشروع الإيراني من هذه النَّاحية، إذ أنَّ المشروع لا يهدفُ إلى «تحرير القُدس» ولا إلى «نُصرةِ المُستضعفين»، وإنَّما إلى استثمار القُدس والمُستضعفين على حدٍّ سَواء من أجل هدفٍ أهمُّ، لدى النِّظام الإيراني، من كُلِّ هذا؛ «بقاءُ الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران»، أي بقاء النِّظام الإيرانيِّ، الذي اعتبرَه الخميني أهمَّ من حياةِ المهديِّ نفسِه. وهذا أيضًا مفهومٌ ومُبرَّرٌ لأنَّ أيَّ نظامٍ، من جِنسِ النِّظام الإيراني، هدفُه الأساسيُّ هو البقاءُ في السُّلطة، دونَ اعتبارٍ للثَّمنِ الذي يُدفعُ لِقاءَ ذلك. وكَوْنُه فعلًا مُبرَّرًا لا يعني أنَّه شرعيٌّ، وإنَّما هو مُبرَّرٌ بالميكيافيلليَّة والبراغماتيَّة، اللَّتَيْنِ تُشكِّلان الخلايا العصبيَّة لعقلِ النِّظامِ الإيرانيِّ، الذي يُجيدُ بدورِه مُمارستهما على أخبثِ وجه.

إمَّا مع إيران وإمّا مع «إسرائيل»

بعدَ 7 تشرين الأول، عادتْ عِلاقةُ إيران بحركة “حماس” إلى آتون النِّقاشاتِ، التي لا يختلفُ كثيرٌ منها، من حيثُ كارثيَّتِه، عن الحربِ نفسِها. ويرى البعضُ أنَّ “حماس” يُمكنُ أنْ تُعاملَ كإحدى مُترادِفات النِّظامِ الإيرانيِّ كما هو حالُ “حزب الله”.
بيدَ أنَّ هذا الرَّأي بعيدٌ بشكلٍ كبيرٍ نسبيًّا عن الواقع، إذ أنَّ :حماس” هي جزءٌ من الإسلام السِّياسيِّ، وليستْ جزءًا من النِّظام الإيراني، والتَّعاطي معها يجب أن يكون على هذا الأساس. وأحدُ المُعطياتِ التي يُمكنُ أن يُبنى عليها، عندَ تحديد العلاقةِ بين حماس وإيران، هو ما جرى في أعقابِ الحرب الأهليَّة في سوريا عام 2011.

حينَ وصلَ “الإخوان المسلمون” إلى السُّلطة في مصر عام 2012، كان رأيُ “حماس” واضحًا في تأييدِها للثَّورةِ السُّوريَّة، ودعوتِها “حزب الله” إلى سحب قوَّاتِها من سوريا. وفي حزيران 2013، أي قبل شهرين تقريبًا من إسقاط محمَّد مرسي، عقدَ الإخوانُ مُؤتمرًا في القاهرة، ضمَّ مئات من «رجال الدين» تحتَ عُنوان «موقف علماء الأمَّة من القضيَّة السُّوريَّة»، والذي حضره يوسف القرضاوي، والذي أفتى المُؤتمرون في نهايتِه بـ «وجوب الجهادِ في سوريا» ضدَّ نظام بشَّار الأسد، وقد حُكيَ آنذاك عن أنَّ “حزب الله” طلبَ من “حماس” إغلاق مكاتبها في الضَّاحية الجنوبيَّة، وإيقاف التَّنسيق والتَّعاون بينهما.
بيدَ أنَّه بعدَ الضَّربةِ القويَّة التي تلقَّاها “الإخوان” بإسقاطِ مرسي في تمُّوز 2013، وخسارتِهم لمصر وما تحملُه من ثقلٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ، بدأتْ العلاقةُ بين “حماس” وإيران “تتحسَّن”، حيث عادَ الدَّعم الإيراني للحركة بين أواخر 2013 وبدايات 2014. ولا يخفى أيضًا أنَّ محمَّد الضَّيف، والذي يعتبرُه البعضُ مُمثِّلًا للتيَّار الإيراني في حماس، هو قائدٌ لكتائب القسَّام منذُ 1993.

حماس” كأيِّ حركة ذاتِ أهدافٍ تحريريَّة ستبحثُ دائمًا عن أطرافٍ داعمةٍ لها

هذا يدلُّ على أمرٍ هو أقربُ إلى البَديهةِ منه إلى التَّحليل؛ “حماس”، كأيِّ حركة ذاتِ أهدافٍ تحريريَّة، ستبحثُ دائمًا عن أطرافٍ داعمةٍ لها. وإذا أخذنا بعينِ الاعتبار أنَّ “حماس” فيها ثلاثةُ تيَّاراتٍ تُمثِّلُ قوى النُّفوذِ فيها؛ أي إيران، قطر وتُركيا، ولا يخفى أيضًا أنَّ الحصَّة الأكبر من الدَّعم العسكري تُقدِّمه إيران، بينما الدَّعمَيْن المالي والسِّياسيِّ يُقدِّمهما بشكلٍ أساسيٍّ قطر وتُركيا. إذَّاكَ لا يُمكنُ اعتبارُ “حماس” مُرادفًا للنِّظام الإيراني، وإنَّما يجوز اعتبارُ إيران مُستثمرًا وحيدًا، في ظلِّ انكفاءِ الأنظمةِ العربيَّةِ، والنِّظام الفلسطينيِّ على وجه الخصوص، عن العمل المُقاوِم، وإلَّا فكيف ل”حماس” وإيران أن يتحالفا، في حين أنَّ الاختلافات الجوهريَّة بين آيديولوجيا النِّظام الإيرانيِّ وآيديولوجيا “حماس”، تفترضُ أنَّ حاجةَ كُلٍّ منهما إلى الآخر، هي حاجةُ أن يتقاتلا وليس أن يتحالفا؟

السابق
القصف الإسرائيلي متواصل في الجنوب.. وتحليق للطيران الحربيّ
التالي
إسرائيل تحرق 5 ملايين متر مربع من الزيتون والسنديان و«لا تعويض».. خليفة ل«جنوبية»: اعادة التشجير تبدأ بعد الحرب!