وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: فلسطين ضرورة أية نهضة عربية

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

أعادت حرب غزة الأخيرة إلى الضوء، مسألة الدور العربي في قضية فلسطين ومصير الشعب الفلسطيني، حيث أوحى سياق الاحداث قبل هذه الحرب، أن القضية الفلسطينية باتت مسألة ثانوية، بما يتصل بالأولويات العربية، التي أخذ يغلب على أكثرها، مسائل النمو الاقتصادي والتحديث الداخلي والاستقرار السياسي. اي باتت الاعتبارات المحلية داخل كل دولة عربية، تتخذ صدارة البرامج والخطط وصناعة القرار فيها.

وهي وضعية جعلت القضية الفلسطينية، شبه منسية في المجتمع الدولي، لعدم توفر مقومات ضغط سياسي، وقوة دفع كافية لتحريكه،ا بما يتناسب مع أهميتها الاستراتيجية وعمق مأساتها. بل كادت تتحول إلى قضية إنسانية، تنحصر بالدعوة إلى تأمين المعونات والمساعدات العينية، لمجموع سكان مشتتين في أماكن متفرقة، لا بصفتهم شعباً ذي حق تاريخي، بأرض وهوية ثقافية وكيانية سياسية. 

هذا الأمر، شجع الكيان الإسرائيلي، على الأقل قوى اليمين فيه، على التعامل مع القضية الفلسطينية كأنها غير موجودة، عبر اتباع عدة سياسيات تفتيت وإمحاء وإزالة، لكل ما هو فلسطيني، منها: تعزيز الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، تضييق رقعة التواجد السكاني للفلسطينيين، ابتكار سيناريوهات ترحيل وتهجير إلى خارج القطاع وغزة، تحويل الكيان السياسي الفلسطيني إلى هيئة أغاثة، لا دولة أو سلطة ذات سيادة، تلاعب بحقائق التاريخ والخغرافيا، تعميم سرديات تاريخية ودينية كاذبة ومضللة للرأي العام الدولي، الترهيب والمبالغة في استعمال آلة البطش والقتل والتدمير.

التراخي العربي شجع اليمين الاسرائيلي على التعامل مع القضية الفلسطينية كأنها غير موجودة عبر اتباع عدة سياسيات تفتيت وإمحاء وإزالة

هي جميعها سيناريوهات ذات طابع طوباوي حالم، تحركها هلوسات الاصطفاء الإلهي والوعد الرباني بأرض الميعاد. بل هي سيناريوهات مستحيلة، لأنها تقفز فوق معطيات موضوعية وثابتة لا يمكن تجاهلها، أهمها: أن سكان القطاع وغزة يتجاوز ستة ملايين نسمة، وأن الانتشار الفلسطيني الفاعل في العالم، بات يشكل قوة حضور مؤثر على صناع القرار في العالم، وأن القضية الفلسطينية تحظى بدعم وتأييد عالمي وواسع، وأن فك عزلة إسرائيل في محيطها لن يحصل إلا بحل منصف للقضية الفلسطينية، وأن التصميم الفلسطيني لأخذ حقه المنصف، لن يضعف أو يذبل مع الزمن، وأن القدرة الفلسطينية على إرباك الواقع الإسرائيلي وتهديد أمنه واستقراره، تزداد شراسة وفاعلية مع الزمن.

الانتشار الفلسطيني الفاعل في العالم بات يشكل قوة حضور مؤثر على صناع القرار في العالم وأن القضية الفلسطينية تحظى بدعم وتأييد عالمي وواسع

طبعاً الذي شجع الإسرائيلي على عدم التعامل مع الملف الفلسطيني بجدية، هو غياب القضية عن مجال التداول الدولي، وتضاؤل أهمية القضية الفلسطينية لدى صناع القرار العربي، بل ذهاب بعض الدول العربية إلى التطبيع المجاني مع إسرائيل، أي تطبيع من دون مقابل سياسي، أو إرغامها بالتزامات أخلاقية وسياسية تجاه الشعب الفلسطيني. هي جميعها غيبت كل عناصر الضغط والتحفيز لدى إسرائيل في تقديم تنازلات، أو إلزامها بحلول منطقية لمقترح الدولتين.

إقرأ ايضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: غزة.. حرب المطلقات المستحيلة

عملية “طوفان الأقصى”، شئنا أم أبينا، أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية والوجدان العربي بشدة عالية. أثبتت العملية: أن أي تطبيع عربي مع إسرائيل، لا بد أن يمر من البوابة الفلسطينية، أي حل القضية الفلسطينية وإنصافها أولا، ثم التطبيع ثانيا، وأن الوضع الفلسطيني الراهن بركان متفجر باستمرار، لا يهدد الأمن الإسرائيلي في الداخل فحسب، بل يحدث تصدعات واضطرابات أمنية واجتماعية واقتصادية، داخل المجال العربي بأسره، وأن مقولة كفاءة قوة الردع الإسرائيلي في حماية المواطن الإسرائيلي، هي مقولة باتت خارج الزمن وخارج الخدمة، مهما أظهر الإسرائيلي من نكران ومعاندة. وأن الازدهار الاقتصادي والإنمائي، والاستقرار الأمني لأية دولة عربية، لن يحصل من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وأن إهمال القضية أو تحييدها أو تجميدها، سيترك ارتدادات عالية السلبية، على أي مشروع نماء وتطور واستقرار داخل المجال العربي، وأن إهمال القضية بهذه الطريقة، يولد فراغات سياسية وأمنية، تغري قوى إقليمية أو دولية لملء هذا الفراغ، واستثمار المسألة الفلسطينية لغايات وأهداف، لا تمت إليها بصلة، ولا تخدم صلب القضية، بل يحولها عن مسارها الطبيعي، ويرهنها لمصالح وشروط غريبة عن حقيقتها وواقعها الفعلي.   

كانت القضية الفلسطينية محور المشروع العربي في الخمسينيات والستينات، بحكم أن الهوية السياسية العربية، كانت مأسورة لحلم كيان عربي جامع لكل العرب. ولأنه مشروع فشل فشلا ذريعاً، بحكم كونه فاقداً لكل مقومات التحقق والحياة، فقد دفعت القضية الفلسطينية ثمن هذ الحلم الطوباوي واللاواقعي، وتحولت إلى شعار جماهيري وتعبوي، تلبي أغراض النجومية السياسية لكل قيادة طامحة، وساحة تنافس عربي على الوصاية عليها. أما الآن، ورغم التخلي عن فكرة الكيان القومي الجامع للعرب، واستبداله بالتركيز العربي على القضايا المحلية داخل كل بلد، فإن الشعب الفلسطيني يدفع ثمن التراخي العربي، بل الإهمال والتجاهل العربيين للقضية الفلسطينية. هو إهمال وتجاهل شكل خللاً استراتيجياً خطيراً، أخذت تفاعلاته وآثاره ترتد سلباً، على أي مسعى لنمو اقتصادي وتطور تقني، واستقرار سياسي داخل أي بلد عربي. 

الإهمال والتجاهل العربيان للقضية الفلسطينية شكل خللاً استراتيجياً خطيراً وأثر سلباً على أي مسعى لنمو اقتصادي واستقرار سياسي داخل أي بلد عربي 

تبين أن النمو والتطور، لا يتحققان باعتماد سياسات محلية داخل كل بلد عربي، معزولة عن محيطها، بل يتطلبان مدى إقليمي حيوي. أي بناء مجال عربي متشابك ومتماسك، لا بالمعنى الأيديولوجي أو الطوباوي القديم، وإنما بمعنى التكامل الاقتصادي، والتضامن السياسي، والتفاعل الثقافي، والتآزر الأمني، وتوسيع دائرة الفرص، والاستفادة الكاملة للطاقات والإمكانات المتوفرة. أي إخراج الفكرة القومية من وجدانياتها الهلامية، إلى التشكل الاستراتيجي العربي الموحد، الذي يحفظ لكل قطر مساحة تفاعله الداخلية، ويحقق التماسك القومي في التصدي للمسائل المصيرية، ويوفر المدى الحيوي، والحضور الدولي النافذ والمؤثر في سياسات العالم. وهذا كله لن يحصل إلا حين تعود القضية الفلسطينية على رأس الأولويات العربية، لا لملء الفراغ الآخذ بالاتساع منذ عقود فحسب، بل لأن فلسطين ضرورة لأية نهضة عربية ممكنة.      

السابق
الجيش الاسرائيلي يعترف بمقتل 10 من كبار ضباطه ويكشف هوياتهم!
التالي
القاهرة وترتيبات ما بعد الحرب في غزة