منتدى «جنوبية» يغوص في نقاش «أي لبنان بعد غزة».. تحليل مفصّل لترابط المعركة على الضفتين!

انغمس لبنان في معركة "طوفان الأقصى" منذ يومها الأول، وهو لا يزال عبر جبهة الجنوب متلازماً مع ما يحصل في غزة التي انطلقت منها شرارة حرب، تم العمل على ضبط ايقاعها بين "حزب الله" واسرائيل، إلا أن انعكاساتها على لبنان لا تزال قائمة، ومرجحة لتطورات تحكمها قواعد اللعبة التي تتخطى أطرافها المحليين، وهو ما شكّل محور ندوة لـ "منتدى جنوبية" تناولت انعكاسات المعركة على المستقبل الجيو سياسي لبلد قابع في قلب الطوفان، وشارك فيها المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني زياد الصائغ والباحث والناشط السياسي الدكتور محمد علي مقلد.

شكّلت الندوة مساحة لسرد تفاصيل الواقع المترابط بين فلسطين ولبنان حيث الجامع المشترك يكمن في الطرفين اللذين يمتلكان السلاح ويحملان راية محاربة اسرائيل، ومصير ومسار البلدين في ظل الصراع القائم، وقدّم لها مؤسس حركة “تحرّر” الدكتور علي خليفة الذي لفت الى “أن حادثة الطوفان تعيد، على رغم اختلاف القصة في الديانات والمعتقدات، إنتاج اسباب الصراع والطغيان (ماثل) مجدداً والهلاك شاخص الا لمن توسمت سفينته ميناء سلام (ومرساة نجاة)”.

وقال:”طوفان الأقصى أغرق يومياتنا بالدماء والفظاعات التي تتجاوز إحصاء أرقام (الضحايا) والنازحين والمحتجزبن (وحفر) على جبين الإنسانية جرائم مروعة ولكنه أعاد إلى المشهد القضية الفلسطينية وسياقات الصراع والسلام المنشود لكن المعطل”.

أضاف:” وعليه القراءة الجيوسياسية للأحداث تفرض نفسها حيال مشروعين في المنطقة أحدهما المشروع العربي (الذي) تقدم بإتجاه تطبيع العلاقات دون النجاح حتى الآن بسبب التعنت الإسرائيلي ببلورة صيغة قابلة للعيش لمبادرة السلام والمشروع المقابل تحركه أجنحة إيران العسكرية في المنطقة التي غدت بذلك ساحة لترسيم النفوذ وصراع المحاور”، مشيراً الى أنه “في خضم هذا المشهد (الغارق) في تعقيدات ومساراته، (الجارف) في تحولاته (كالطوفان)، وقف لبنان (و)َاللبنانيون أمام شبح حرب تلوح وهي قائمة، مرشحة للتوسع، وغير متكافئة، (لكأنّها) حرب طروادة لن تقع ولكنها واقعة بالفعل، ومن التساؤل الاستنكاري إلى التساؤل (الاستشرافي اي لبنان بعد غزة اي دور للدولة اي موقف منها ومن وظائفها العضوية الدفاع و الأمن”.

الصائغ: سيتكرّس الصراع في لبنان بين اللادولة وما تبقّى من الدولة

شكّلت “القضيَّة اللُّبنانيَّة بين ثوابت الكيان والتحوّلات الجيو-سياسيَّة” محور مداخلة الصائغ الذي اعتبر أن “فلسطينُ قضيَّة حقّ وعدل. إغتصابُ أرضها وتهجيرُ أهلها جريمة ضِدَّ الإنسانيَّة مستمِرَّة منذ 75 عامًا. تديينُها يوازي تديين ما اعتبرته الصهيونيَّة مقدَّسًا يَسمَحُ بالمحظور. فلسطينُ للفلسطينييّن. أهلُ فلسطين أَدرى بشِعابها وهُم مؤتمنون على قضيَّتهم. فلسطينُ بوصلَة إنسانيَّة تحمِل قِيمًا إنسانيّة عميقة وتوقًا لاستِعادة الحقوق”.

وأوضح أن “إسرائيلُ قامَت على دِماءِ الشَّعب الفلسطيني وتشتيته ولم تَزَل منذ 75 عاماً. لم تَفهَم إسرائيل أنْ لا شرعيَّة تستطيعُ اكتِسابَها بالقُوَّة والقَتل. السَّلامُ عندَها مُراوغَة ومناورة ورهاناتٌ على تصفِيَة القضيَّة الفلسطينيَّة. هذا مسارٌ عكسُ أيّ اختِبارٍ تاريخيّ”.

ورأى الصائغ أن “بين فلسطين وإسرائيل كانَت مُفَاوضات سلامٍ. لم يتقبَّلها مُتطرِّفون في المعسكرين. إسرائيل أجهَضَت كُلِّ مفاعيل هذه المفاوضات وحتَّى الاتِّفاقِيَّات التي نَجمَت عنها منذ مدريد (1991) وأوسلو (1993). أطلقت رصاصة الرَّحمة على مبادرة السَّلام العربيَّة في بيروت (2022). هذا مسارٌ عكسُ أيّ اختبارٍ تاريخيّ. إغتيالُ التَّسوية فَتَح شهيَّة من يعتمِدُ سياسة الأَوراق للحَرق، والسَّاحات للمُقَايَضَة”.

وقال:”حلفٌ موضوعيّ نشأ بين خيارَين نقيضين. كانت فلسطينُ تنزِفُ دونَ هَوَادَة. كان العالَمُ يتفرَّج. كانت الأُمم المتّحدة عاجِزَة. كانت جامعة الدُّول العربيَّة تؤكِّدُ الثَّوابِت في ثباتٍ سلبيّ. كانت الولاياتُ المتَّحدة الأميركيّة تُقَدِّمُ نَفسَها مُنحَازَةً إلى إسرائيل، رَغمَ ادِّعائها القَنَاعة التي لا لُبسَ فيها بحلّ الدَّولتين. الوساطةُ عند الولاياتُ المتَّحدة الأميركيّة انسَاقَت للتفرُّج على انهيار مُفاوضات مدريد، واتّفاقيَّات أوسلو، ومبادئ مبادرة السَّلام العربيَّة”.

أضاف:”كانَت روسيا تسعى لدورٍ ما في حلِّ الصِّراع الفلسطيني- الإسرائيلي لكن بدا أنَّ طموحاتِها الإمبراطوريَّة الكارثيّة المستعادَة في سوريا، وأوكرانيا لا تعنيها فلسطين. بقِيَ الاتِّحاد الأُوروبي في حيِّز الاستِثمار في المؤسَّسة الفلسطينيَّة الدَّولتيَّة شكليًّا إنطِلاقًا من توسُّل استِدامَة الرِّهان على أن لا حلّ إلَّا بقِيام دَولَةٍ فلسطينيَّة”.

وتابع:”حلفٌ موضوعيّ نشأ بين خيارَين نقيضين. كانت فلسطينُ الضَّحيَّة. تديينُ القضيَّة الفلسطينيَّة مَقتَلَة. تسييسُ اليهوديَّة بأيديولوجيا صهيونيَّة إجراميَّة يستأهلُ تحرُّك الضمير العالميّ والقضاء الدَّوليّ. زلزالُ الأديانِ المُعَسكَرَة مآلاتُه مأساةٌ لا تنضُب. في المحصِّلة العَدلُ يبقى بُوصلَة لِأيّ مسعى تهدِئَة. دون العَدلِ كُلُّ العالم سيواجِهُ براكين متحرِّكة، أمَّا تِلك الرَّاقِدَة فثَمَّة من يمتلِك خُبثَ تحريكها واستِغلالِها. الانتِقام في المقابل، كُلُّ انتِقام ينتِجُ صِراعًا أزليًّا. متى تبرد عُقُول الإجرام؟ كفى دماء”.

وأكد الصائغ أن “إسرائيل بعد حرب غزّة، وفي مُتابعة لانتِفاضات الرأي العامّ اليهوديّ تسيرُ إلى حتفٍ أيديولوجيّ حتميّ. من يُتابع سرديَّة مراكز أبحاثها، وإعلامها، وشتاتِها يَستقرّ على أنَّ جوهر قيامها بالعدوانيّة بات تحت مجهر النّقد، بل تحت مجهر التحوّل الاستراتيجي أيضًا. أمّا من تحالَفَت مَعَهُم وتحالَفوا معها موضوعيًّا من تطرّفات، فهُم باتوا في السياق النّقدي عينه. يبقى دور الكُتْلَة العربيّة وفاعليّتها، عسى تستنهِض ذاتها من بوَّابة المسؤوليّة التّاريخيّة أكثر منه الاستِطراد في تكرار الشعارات”.

الصائغ: لُبْنان يبقى في موازاة غزة همّنا الأساس إذ حين يكونُ معافىً مستقلًّا يخدُمها بفاعليّة

وقال:” في كُلِّ ما سبق يتنامى في عُمقِنا تساؤل من يحمي لبنان من هذا الحِلفِ الموضوعيّ، والحقيقةُ أنَّ دون حيادٍ إيجابيّ مرفُودٍ بدعمٍ ديبلوماسيّ منهجيّ للقضيَّة الفلسطينيَّة، سيتكرَّسُ الصِّراعُ بين اللَّادولة وما تبقَّى من الدَّولة في مربَّع استِنزاف يغتالُ القضيَّة اللبنانيَّة في كُلِّ تجلِّياتِها الحضاريَّة. الوضوحُ الأَخلاقيّ في ترجمته الجيو-سياسيَّة يقتضي من المجتمع الدَّولي وقف مجازر إسرائيل وانتهاكاتها بحقّ فلسطين وشعبها، ويقتضي أيضًا تنفيذ “حلّ الدَّولتين” وعودة اللَّاجئين الفلسطينييّن، كما يقتضي تحرير لبنان من مُستبيحي الدَّولة فيه، ومِمَّن حوَّله ساحة ومنصَّة وتصفية حسابات وتوجيه رسائل لا علاقة لهُ بها”.

أضاف: “في موازاةِ كُلِّ ما سَبَق ثمَّة سؤالٌ قد يعتبِرُ كثيرون أنَّ مشروعيَّتَهُ قائِمَةٌ في الموجِب الموضوعيّ لتأثُّر لبنان الحتميّ بنتائج حرب غزَّة، سؤالٌ يتأتَّى في عنوان هذه النَّدوة: “أيّ لبنان بعد غزَّة؟”، وإجابتي بسيطة على الرَّغم من أنَّ البعض قد يقرأها ساذِجَةً تبسيطيَّة إلى حدِّ التَّفاهة. لبنان هُو لبنان في ثوابتِه الكيانيَّة، ودستورِه الواضِح، وطُمُوحِه إلى قِيام دولة المواطنة السيّدة الحرَّة العادِلة المستقِلَّة. فَهْمُ طبيعة التحوّلات الجيو-سياسيّة، والتّفاعل معها، وتبويب سيناريوهاتها، واجبٌ حتميّ وإلّا نكون في مربّعاتٍ يوتوبيّة. لكنْ بين الفَهْم والتّفاعُل للتحرّك، والاستنقاع في التّحليل وتحتيم الافتراضات هُنا وثمّة، ثمَّة بون شاسِع. لبنان هُو لكن ثمَّة سرديَّات تعمِّمُها بعضُ بروباغاندا، وبعضُ واقعيَّة، وبعضُ انهِزاميَّة. لكُلٍّ من هذه البعضُ خلفيَّاتُها، وإذا كان لديّ فَهمٌ لطبيعة البروباغندا المؤطَّرة أيديولوجيًّا، فإنَّ تفهُّمي للواقِعيَّة ينزِعُ إلى مُناقشتها بهدوء، لكنّني مُصِرٌّ على الابتِعاد عن تفنيد الانهِزاميَّة التي غالِبًا ما تتلطَّى ببراغماتيَّةِ تأقلُمٍ قاتِلَة. سأقاربها بخَفَر خوفًا من فشلي في المُحاججة معها؟”.

وحول لبنان بعد حرب غزَّة، أشار الصائغ الى أن “سرديَّات البروباغندا واضِحَةُ المَعَالِم. ثمَّة من يُمسِك بزمام المُبادَرة بالهجوم والرَّدع. زمامُ المبادرة عَندَهُ دَولَةُ اللَّادولة. يُتقِنُ فيها الاتِّزان والحكمة وقواعِد الاشتِباك بحسب معاييره. تُحصِّنُه فيها شِعَاراتٌ مِمسُوكَة وميدانيَّاتٌ مضبُوطة. يَستَلهِمُ منها تصنيف الأنقياء والمشبُوهين. يُحرِّكُ فيها كُلِّ الأَذرُع المُركَّبَة في افتِعالاتٍ مُدَوزَنَة غُبَّ الطَّلَب، يتموضَع فيها مقتدِراً على إنجاز أيِّ صفَقَة تحميه، ولو كانَت تُناقِضُ عِلَّة وُجُودِه. لُبنَان بعد حرب غزَّة في سرديَّات البروباغاندا هديَّةٌ مِطوَاع، إذ هو الانتِصارُ حتميّ، إمَّا بالمُغَامرة أو بانضِبَاطِ الإيقاع. كثيرون إلتَحَفُوا هذه السَّرديَّات”.

وقال:”لم يعُد لمصطلحات الدُّستور والسّيادة والإجماع العربيّ والقرارات الدَّوليَّة لديهِم أيُّ قِيمَة. موازين القِوى لا تَوازُن الدَّولة عِندَهُم باتَ الأساس. حوَّلت المنظومة السِّياسيَّة الحاكِمَة ما تبقَّى من الدَّولَة جِهازًا أقلُّ من إداري، إذ أمسَت الأَخيرة بمؤسَّساتِها إنفعالًا تابعًا لفِعلٍ مَأمُور بأجندَة معروفَة الارتِباطات. سرديَّات البروباغاندا إحتلَّت مساحاتِ التَّواصُل الحقيقيَّة والافتِراضِيَّة. فَرَضَت في لُبنَان من جديد حقيقَة السَّاحة والمنصَّة. في أيِّ حال، سرديَّات البروباغندا مرحليَّة موضعيَّة واستِدامتُها مُستَحيلَة، إذ هي في معناها مُفَبرَكة في تحميل الميدان نتائجَ مترهِّلة أمام مُراكمة وعيٍ لُبنانيّ أصبَح يَفهَم عميقًا طبيعة مراميها السُّلطَوِيَّة”.

وعن لُبنان بعد حرب غزَّة في سرديَّاتِ الواقعيَّة، رأى الصائغ أنه “ثمَّة من يُمسِك بزمام مبادرة تحجيم العَقلِ النَّقديّ وتخوينه وتعطيله. زمام المبادرة عِندَهُ الانكِفاءُ إلى معقِلِ الحرب مُقارَبَةً، وتحليلًا، واستِشرافًا. إندِفاعَةُ هذا الانكِفاءِ عِندَ هذه السّرديّات قابِعٌ في موجِب التأقلُم مع الواقِع الميدانيّ، وانتِهاجِ خيار التأقلُم مع المشهديَّة الميدانيَّة ومحاولة سبرِ أغوار الخلفيَّات التي تتحكَّم بها، أو من المُمكِن أن تفرُزها نتائِجَ مُحتَمَلة في طبيعة الصِّراع القائِم، إنطِلاقًا من أنَّ فَلسَفَة “وحدة السَّاحات” تفتَرِضُ بعد التَّناغُم العسكريّ ضابِط إيقاعٍ وحيدًا يُقرِّرُ عن الجميع دون استثناء مٌخرَجات المُستَقبَل”.

وقال:”سرديَّاتُ الواقعيَّة قابِلَة للتبدُّل الكامِل مع كُلِّ مستجدٍّ ميدانيّ أو تحليليّ يحترِفُه بعضُ المؤثِّرين الذين من الضروريّ بمكان مُقارَنَةُ مواقِفهم المتناقِضَة بِفِعل الحيِّز المهنيّ الذي يعتبِرونَهُ مؤهِّلًا لَهُم الدِّفاع عن هذا المنطق أو نَقيضِه، إذ هو التِّاريخُ متحوِّل والسِّياسَة أمُّ التحوُّلات. ثمّة في سرديّات الواقعيّة ما هو احتمالٌ أن يحمِلُنا إلى دمارٍ هائل، والأجدى الوحيد التّضامن الوطني، ولا غير ذلك. في أيِّ حال، سرديَّاتُ الواقِعِيَّة مرحليَّة موضعيَّة واستِدامتُها مُستحيلة، إذ هي في معناها تتشكَّل من الوقائِع أكثر مِنه في مآلاتِها ذات السِّمات المُعَقَّدة في إمكانيَّة تثبيت نتائج في وعيٍ لُبنانيّ أصبَح يَفهَم عميقًا، أقلَّه على مستوى الكُتلَة التَّاريخيَّة الفَرق بين الفَرْضِ بالقُوَّة وقُوَّة الحقّ”.

وعن لُبنان بعد حرب غزَّة في سرديَّاتِ الانهِزاميَّة، لفت الصائغ الى “ـأنه انتَصَرَت المُقايَضَة. الأَقوياء يُفاوضون الأقوياء. على لُبنان الاستِعداد لرُضوخ وخنوع وخُضُوع. إمكاناتُ وقفِ هذه السّمات مَعدُومَة. تشخيصُ المشكِلة غير واضِح. الوعيُ الوطنيُّ غائِب. فشِلَت مساراتُ جَمع القِوى السِّياديَّة الإصلاحيَّة التغييريَّة والقِوى المجتمعيّة الحيَّة.

هؤلاء جميعُهم قاصِرون. دَهاءُ مَن يُمسِك بزمام المبادرة إنتِصاريٌّ في جيناتِه التأسيسيَّة. الأُفُق مسدودٌ أو أقلَّه غير واضِح. في أيِّ حال سرديَّاتُ الانهِزاميَّة مرحليَّة موضعيَّة واستِدامتُها مستحيلة. لا مكان للانهِزاميَّة في التَّاريخ ولو تلطَّت بشعار موجب التأقلم للمواجهة، هي في ذاتِها انتحارٌ وعَدَم”.

وقال:”مهما يكُن من أمر سرديّات البروباغندا، والواقعيَّة، والانهِزاميَّة، تبقى مشروعيَّة تساؤل “أيّ لبنان بعد غزَّة”، كما الإجابَة عنه لا تستقيم سِوى بعد تفكيك هذه السَّرديَّات والانحياز إلى تطبيق الدُّستور، فهُوَ الفَيْصَلُ الحاسِمُ بين الدَّولة واللاَّدولة، قبل حرب غزَّة وبعدها لن تتغيَّر طبيعة المواجهة في لُبْنان. هي مواجهة حول هويّة لبنان ووظيفته في داخله، في الإقليم، وعلى المستوى الدّوليّ”.

أضاف:”لبنان مسارٌ حضاريّ في الحريّة، والتنوّع، والحِوار، وحقوق الإنسان، وبناء السّلام، والحياد الوسيط الدّاعم لقضايا العدل، وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينيّة، القضيّة الفلسطينيّة تعنينا. لُبْنان يبقى في موازاتِها همّنا الأساس، إذ حين يكونُ معافىً سيِّدًا حرًّا مستقلًّا يؤدّي ديبلوماسيّة فاعِلة في الشرق والغرب، حينها فقط يخدُمها بفاعليّة. ثمَّة من ينسِفُ يوميًّا هُويّة لبنان، وهُم كُثُر حُلفاء وخصوم، كلّ بحسب تكتيك إمّا مُرتَهَن أو قاصر. لكنَّ خيار كلّ هؤلاء مستحيل الاستدامة. هكذا يعلّمنا التّاريخ”.

وختم الصائغ بالقول:”الحروب مَقْتَلَة دائمة وهزيمة دائمة. هُنا بيت القصيد. ألا أنْصف الله فلسطين، وأعاد العالم العربيّ فاعِلًا لا متفاعِلًا، والمجتمع الدّولي ضنينًا بضميرٍ أخلاقيّ، وحمى لبنان”.

سرد مقلد في مستهل مداخلته لتجربته النضالية في صفوف الحزب الشيوعي التي خرج منها حاملاً فكره النقدي، ليغوص بعدها في مراحل عدة وصولاً الى واقع الحال، فقال:” نحن كأحزاب ناضلنا لفترة طويلة ، كل أحزاب البلد، كنا نناضل للإجابة على سؤال شكيب ارسلان: لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟، والسؤال هذا ليس لماذا تخلف المسلمون وإنما لماذا تخلف العالم الثالث كله؟”.

أضاف:”السؤال ذاته ناقشته مع طلابي في الجامعة اللبنانية في محاضراتي، كنت اكلف الطلاب بالقيام بأبحاث طلابي ينتمون إلى كل أحزاب البلد للإجابة هذا السؤال”.

وتابع:” كل من جاوب على السؤال من الأحزاب، بما فيهم الحزب الشيوعي، إجاباتهم باءت بالفشل بدليل ما وصلت اليه احوالنا، واذا كانت هذه الطروحات والاجابات كلها خطأ، ما هو الصحيح؟”.

ولفت مقلد الى “انه توصل إلى استنتاج من خلال تدريسة في الجامعة لهذا السؤال، مفاده أنه عُرض علينا في بداية القرن الماضي الدخول إلى حضارة جديدة اسمها الحضارة الرأسمالية، يعني يجب الدخول على اقتصاد جديد، مصانع وليس زراعة، على عقل جديد، علم وليس علم الغيب وعلى أنظمة سياسية جديدة الديمقراطية بدل الاستبداد”.

وقال:” عُرض هذا الأمر من قبل الاستعمار، ونحن رأينا هذا العرض من زاوية واحدة، ان هذا العرض استعمار، ولذلك رفضت جميع الأحزاب في الوطن العربي يساراً ويميناً هذا المشروع، اليسار قفز فوفه واراد بناء الاشتراكية، والاسلام أعادوا التاريخ إلى الوراء للرجوع 1500 سنة إلى الوراء”.

أضاف:”هذا يعني أن لا أحد يريد الدخول في هذا المشروع الحضاري الجديد، بالرغم من أننا دخلنا في المشروع الحضاري الجديد من خلال الاقتصاد، ولدينا مؤسسات استثمارية ورأسمالية ودخلنا بالعلم جامعات وابحاث، وتعلمون كم لدينا عباقرة في العالم من خريجي الوطن العربي، الا في السياسة رفضنا الدخول سياسياً في الديمقراطية وتمسكنا بأنظمة الاستبداد”.

وأشار مقلد الى “أن اول بذرة حصلت في الأنظمة الديمقراطية كانت في لبنان او في سوريا او العراق او مصر، أي حيث أنشئت أنظمة دستورية، وكان هناك موالاة ومعارضة وتسقط حكومات وتشكل أخرى بصرف النظر عن نواقص هذه التجارب”.

وقال:”هذه التجارب اسقطت بانقلابات بدءاً من العام 1949، اسقطت بالإنقلابات العسكرية واعيدت البلاد و التجارب الديمقراطية الفتية إلى ما كانت عليه، واعيدت الأنظمة إلى ما كانت عليه، أنظمة استبداد تحت شعارات متعددة على رأسها لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وكان يفترض أن تتوجه كل طاقات الأمة ضد إسرائيل لتحرير فلسطين”.

أضاف:”ما يحصل اليوم في فلسطين، يجعل جوابنا على سؤال لبنان ما بعد غزة سؤال صعب لأنه لكل واحد منا رأيه”.

وتابع:”ناضلت من أجل قضية فلسطين، ولست نادماً على ذلك واكرر تجربتي نفسها، مع القضية الفلسطينية قلباً وقالباً ومستعد تقديم تضحيات إلى أبعد حد، وفي هذه المعركة في غزة انا مع انتصار الشعب الفلسطيني لكن لست مع انتصار حماس”.

وجواباً على سؤال شكيب ارسلان كيف ستخرج من حالة التخلف؟، لفت مقلد الى “أن كل الأحزاب ارجعت سبب التخلف إلى الاستعمار الغربي، أما الحل برأيه فهو الدخول إلى النظام الرأسمالي العالمي من بابه السياسي يعني بناء الدولة، ولايوجد حل غير بناء الدولة”.

أما عن لبنان، فاعتبر أن ” الحل بالدخول إلى الديمقراطية لأن هذا الذي ينقصنا لكي نكون متساويين مع الغرب او لكي نفك عقدتنا مع الغرب”.

وتحدث مقلد عن “تجربة لبنان في الحرب الأهلية”، وأكد ” أن الحل هو أن نعيش مع بعضنا تحت سقف القانون، وعلينا بناء الدولة، والسؤال ذاته يطرح على فلسطين ما بعد حرب غزة”.

وقال:”أنا لست مع انتصار حماس، أنا مع انتصار الشعب الفلسطيني، لأن لا حلّ خارج نطاق الدولة لا في لبنان ولا في فلسطين، حماس لا تؤمن بالدولة “.
أضاف:”حزب الله حزب لبناني ولا يجوز أن نتعامل معه على أساس إنه حزب إيراني أو فارسي، حماس حركة فلسطينية وقدمت تضحيات استثنائية، لكن لا يجوز أن نهلل لانتصار الشعب الفلسطيني على إنه انتصار لحماس، يجب أن نقول لحماس وحزب الله أننا لسنا معكم إذا كان مشروعكم الدولة الإسلامية”.

مقلد: لا حلّ خارج نطاق الدولة لا في لبنان ولا في فلسطين

وتابع:”أنا جندي في حزب الله إذا حصل اعتداء على حزب الله، وجندي في أي حزب ثانٍ، لكن أنا ضدّ خطه السياسي، لأن لا حل إلا بالدولة، وما علينا إلا مناقشته بذلك تحت سقف الدستور، وإلا كل الحوارات التي تجري هي للمماحكة “.

ولفت الى “أن حزب الله حمل سلاح وحرر البلد وهذه اول تجربة، لذلك السلاح له قيمة في لبنان ولاسيما لدى اهل الجنوب”، مشيراً الى “أنه علينا مواجهة الشيعية السياسية بمنطق أن حزب الله هو حزب مناضل في لبنان، لكن مشروعه السياسي خطأ”.

وشدد مقلد على “أن الثورة التي حصلت في لبنان ابتكارها الاعظم يكمن أنها ثورة تحت سقف الدستور وأنها ثورة قالت الشعب يريد تطبيق النظام على عكس الثورات التي طالبت إسقاط النظام”.

نقاش ومداخلات

شكّلت قراءة المتحدثين محور نقاش مع الحضور الذين كان لهم سلسلة مداخلات، فقال الدكتور حارث سليمان: “أنا ضد الإسلام السياسي، السنّي والشيعي، لكن اليوم في موضوع حماس وغزة، ليس مطلوبًا منّا أصلا تأييدة عقيدة الإخوان المسلمين، ولا حتى محمد الضيف يطلب من أحد ذلك، اليوم حماس تشتبك ضمن قضية الشعب الفلسطيني، هي جندي في قلب قضية، وعندما أؤيدها هذا أمر يختلف عن الثاني (تأييد فكرها)”.

وأوضح الكاتب قاسم قصير “أن حماس شاركت في الدولة ولم يسمحوا لها بالحكم”، وقال:” اليوم لدينا عدوّ لا يلتزم بأي قواعد للحرب بغطاء أميركي واضح. وبغضّ النظر عن أسباب ما يجري، لكنه جريمة إنسانية كبيرة، وما جرى في غزة يمكن أن يجري في لبنان، أي لبنان يمكن أن يكون بجوار هذا الكيان؟ فكرة الدولة مهمّة، لكن كما حصل مع السلطة الفلسطينية، نجد أنه ممنوع ان تقوم ببناء دولة مع وجود هذا الكيان”.

من جهته، رأى رئيس تحرير الموقع علي الأمين أن “المأزق يكمن في أن الإسلام السياسي يلتف على الموضوع بما يتصل بالدولة والديمقراطية”، ولفت الى ” أن آداء حماس اليوم هو براغماتي الى أعلى درجة، كما أن حزب الله لا يعتّد هذه المرة بقدراته العسكرية بل بإرادة سياسية إيرانية تشكل له الحامي الأساسي”، مشيراً الى “أن مصدر قوة لبنان ليس السلاح وإنما مصادر أخرى متعددة يتميز بها”.

واعتبر هادي عيتور أنه “لا حل إلا ببناء الدولة، والسؤال هو حول ما إذا كان عدم تجاوب حزب الله مع بنائها هو ثابت واستراتيجي أم ظرفي؟”.
أما بلال علامة، فأشار الى “أن ما عُرض علينا من نظام رأسمالي والمنظومة السياسية الناتجة عنه كان مفخخاً وهو ما أوصلنا الى النتيجة التي نحن عليها”.

بدوره، لفت حمزة خلف الى “أن النظام لم يؤسس لبنان على بنيان حقيقي ما تسبب بادخال البلد الى لعبة الشرق الأوسط”.

وفي تعقيب على ما أدلى به الحضور، أوضح الصائغ أن ” الغلبة ستكون للغة العقل على لغة القوة”، ولفت الى”أن مواجهة اسرائيل لا تكون بالسلح وفي الميدان بل بالعقل”، وأوضح “أن الرأي العام الغربي الآن يناقش شرعية الـ 75 سنة التي قامت عليها اسرائيل في العدوانية”، معتبراً أن “التلطي حول مفهوم الديمقراطية هو لخدمة الدولة وليس تعطيلها”.

من جهته، شدد مقلد على “أن الديمقراطية تقوم على الإعتراف بالآخر وليس تخوينه، والحوار ضروري من أجل تحقيق ذلك”، وأشار الى “أن سقوط الشيعة المعارضين في انتخابات لبنان يظهر حقيقة جو الترهيب الممارس، كما أن نجاح اسماعيل هنية في الإنتخابات ليس دليلاً على انتصار الديمقراطية”، مشدداً على “أن حماية أنفسنا من اسرائيل هو بقيام الدولة وليس بأي شيئ آخر”.

السابق
بعدسة «جنوبية»: وقفة في كلية الإعلام في ذكرى مرور اسبوع على استشهاد ابنتها فرح عمر!
التالي
«حماس» تُطلق سراح ١٢ أسيراً اسرائيلياً!