في حضور فلسطين وغيابها

هشام دبسي

تحدث الأمين العام لحزب الله بالأمس، إلى الأمة، وبإسم محور الممانعة، عن المعركة الدائرة في أرض فلسطين التاريخية وعلى شعبها، عبر استعراض آثار النكبة والتركيز على أربع ملفات “ملف الحياة المعيشية لأهالي غزة حيث لم يحرك أحد ساكناً”، وملف “حماية المسجد الأقصى” و”حماية المقاومة”، وما تتعرض له “الضفة المحتلة” من سياسات الضم والتهويد والاستيطان.

كما أعلن البراءة أيضاً من أي مسؤولية عن “عملية طوفان الأقصى”، ورسم دوراً واضحاً للجبهة في جنوب لبنان، على أنها جبهة مساندة، انسجاماً مع استراتيجية وحدة الساحات؟! واستقلال كل مقاومة محلية بقرارها؟!

مع هذا الحضور الفلسطيني في خطاب الأمين العام تبخرت توقعات ورغبات وأحلام من كان ينتظر إعلان الحرب التحريرية الشاملة وغابت فلسطين المفترض تحريرها من “النهر إلى البحر”

مع هذا الحضور الفلسطيني في خطاب الأمين العام، تبخرت توقعات ورغبات وأحلام من كان ينتظر إعلان الحرب التحريرية الشاملة، وغابت فلسطين المفترض تحريرها من “النهر إلى البحر”، كما غاب “شعار تدمير دولة إسرائيل” وهتاف “زحفاً زحفاً نحو القدس”.

إقرأ أيضاً: خطاب «هدنة» لنصرالله دون توقعات الجمهور في فلسطين ولبنان..ورصاصة غزة الأخيرة في «جيب خامنئي»!

اعتقد أن هذا الغياب لفلسطين، كان مفعوله قاسياً على قسم كبير من شعبنا الذي تبنى تلك الشعارات، ونظر إلى عملية “طوفان الأقصى”، وتوقيتها بأنها اللحظة التي ستشهد ترجمة جلّ ما جاء في خطاب وتحريض “محور الممانعة”، لكنني أعتقد أن هذا الغياب لفلسطين هو غياب حميّد، يُزيلُ بعض الأوهام ويدفع من يريد التعلّم إلى التبصّر، والدرايّة بما يجري حولنا.

شرعية المعركة التي استند إليها نصرالله حضر منها : الأخلاقية والدينية والإنسانية لكن ما غاب عن هذه الشرعيات هو الأكثر أهمية ألا وهي الشرعية السياسية

لكن ثمة غياب لفلسطين ليس حميداً على الإطلاق، حيث لم تظهر فلسطين في خطاب الأمين العام، بصفتها الكيانية والشرعية المعترف بها من أغلبية دولية ساحقة، اعترافاً مبنيّا على سيرة نضالية لأكثر من قرن، لا يمكن لأي حدث مهما كبُر أن يحجبها.

فلسطين المعترف بها عربياً وإسلامياً وعالمياً، هذه الفلسطين لها مؤسساتها وقياداتها، وهدفها السياسي وهو إنجاز الاستقلال في دولة ديمقراطية علمانية. هذه هي فلسطين في حضورها بإعلان قادة حماس، وبشكل مكرّر قبل يومين أنها تناضل من أجل دولة فلسطينية على أساس الشرعية الدولية.

كان لافتاً اعلان نصرالله البراءة أيضاً من أي مسؤولية عن “عملية طوفان الأقصى” ورسم دوراً واضحاً للجبهة في جنوب لبنان على أنها جبهة مساندة انسجاماً مع استراتيجية وحدة الساحات؟!

إن حركة حماس لم تضع مطلب وقف إطلاق النار، سقفاً لمطالبها في غزة، بل أعلنت توافقها مع مطلب السلطة الوطنية وحركة فتح، بإنهاء هذه الحرب التدميرية الشاملة على شعبنا، وطلب الحماية الدولية والسير نحو إنجاز قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.

إن غياب هذه الفلسطين يطرح المزيد من الأسئلة على محور الممانعة وجمهوره، لإعادة النظر في حضور فلسطين الإيجابي، الذي يحلم به الشعب الفلسطيني من دون وصاية أحد، لأن شرعية المعركة التي استند إليها خطاب الأمين العام، حضر منها ثلاثة بنود فقط، هي الشرعية الأخلاقية، والشرعية الدينية، والشرعية الإنسانية، لكن ما غاب عن هذه الشرعيات هو الأكثر أهمية، ألا وهي الشرعية السياسية، التي من دونها لا معنى ولا أثر لأي شرعية أخرى.
إن حضور فلسطين بشرعيتها السياسية ينفي كل غياب.

السابق
بالفيديو: «حزب الله» يزج بصواريخ «بركان» و« طوفان» في عملياته الجنوبية لأول مرة!
التالي
نصرالله وخطاب..«الحرب واللاحرب»!