بعيدًا عن السياسة: الجواهري والطالباني الشيخ والمريد ما قصة قصيدة حمار عيسى؟

عبد الحسين شعبان

على سبيل الاستهلال

ذُعر الجنوب فقيل كيدُ خوارجٍ / وشكا الشمال فقيل صُنع جوارِ

هذا هو “البيت الشعري” الذي لفت انتباه الفتى جلال الطالباني، إلى الشاعر العربي الكبير الجواهري، وهو ما استمعت إليه في حديث مملّح دار بين الجواهري والطالباني في مطلع ثمانينيات القرن الماضي في فندق الشيراتون بدمشق، بحضور أحمد اسكندر وزير الإعلام، والدكتورة نجاح العطّار وزيرة الثقافة، وصابر فلحوط مدير وكالة سانا. ويبدو أنه البيت الذي حفّز الوعي لدى الطالباني، وترك أثرًا في نفسه، ظلّ يتذكّره، منذ أن كان يخطو أولى خطواته في مشواره الحياتي، ويتهجّى الحروف العربية.

والبيت هو من قصيدة ألقاها الجواهري في العام 1946، في تأبين الزعيم الوطني محمد جعفر أبو التمن. وجاء مطلعها المؤثّر والآسر:
طالت وإن قصُرت يدُ الأعمار / لرمت سواك عظُمت من مختار

إلى أن يقول:
قسمًا بيومك والفرات الجاري / والثورة الحمراء والثوّار
والأرض بالدم ترتوي من دمنةٍ / وتمجّهُ عن روضة معطار

وهكذا ظلّ الطالباني يبحث عن قصائد الجواهري ودواوين شعره وما يُنشر عنه ويتقصّى أخباره من القريب والبعيد، حتى استمع إليه مباشرةً يوم كان يلقي قصيدة “يوم الشهيد”، بمناسبة انعقاد مؤتمر ساحة السباع، حيث تأسس اتحاد الطلبة العراقي العام في 14 نيسان / أبريل 1948.

وحاول الطالباني، كما يقول، أن يحفظ تلك القصيدة، على الرغم من أن عربيته لم تساعده حينها. ويعزو حبّه للغة العربية ورغبته في تعلّمها إلى الجواهري. جاء هذا في حديث مع كاتب السطور في أواسط الثمانينيات بدمشق، ومرّة أخرى في لندن، ثمّ في كردستان – العراق، العام 1992. وظلّ الطالباني يتغنّى بأبيات تلك القصيدة مع نفسه:

يوم الشهيد تحية وسلام … بك والنضال تؤرّخ الأعوام

بكَ والضَّحايا الغُرِّ يَزهو شامِخًا … علمُ الحِسابِ، وتَفخرُ الأرقامُ

بكَ والَّذي ضمَّ الثَّرى مِن طيبِهِمْ … تَتعطَّرُ الأَرَضونَ والأيّامُ

بكَ يُبعَثُ “الجيلُ” المُحتَّمُ بَعثُهُ … وبكَ “القِيامَةُ” للطُّغاةِ تُقامُ

وبكَ العُتاةُ سيُحشَرونَ، وُجوهُهُمْ … سودٌ، وحَشْوُ أُنوفِهمْ إرغامُ

صفًّا إلى صفٍّ طَغامًا لمْ تَذُقْ … ما يَجرَعونَ مِنَ الهَوانِ طَغامُ

ويُحاصَرونَ فلا “وراءٌ” يَحتوي … ذَنْبًا، ولا شُرَطًا يحوزُ “أَمَامُ”

وسَيسألونَ مَنِ الَّذينَ تَسخَّروا … هذي الجُموعَ كأنَّها أَنعامُ

وقد نظم الجواهري هذه القصيدة بمناسبة الذكرى الأربعين لاستشهاد شقيقه جعفر الجواهري، الذي جُرح في معركة الجسر الشهيرة، يوم 27 كانون الثاني / يناير 1948، واستشهد متأثرًا بجراحه يوم 4 شباط / فبراير من نفس العام، وكان حينها طالبًا في دمشق، وقد جاء لزيارة عائلته، وحين اندلعت الانتفاضة شارك فيها ليلقى حتفه.

ويقول الطالباني أنه كان يجهل معنى بعض الكلمات، فيستعين على تفاسيرها بالمنجد الذي ظلّ مرافقًا له، منذ أن كان طالبًا في متوسّطة كويسنجق، ومن ثمّ طالبًا في الإعدادية في كركوك، وحتى انتسابه إلى كلية الحقوق، مثلما ظلّ يتطلّع إلى لقاء الجواهري وإلى الاستماع إليه مباشرة، وهو حلم راوده، حتى تحقّق له ما أراد، إذْ كان يعتبر نفسه، كما يقول، أحد دراوشة الجواهري وأن علاقته به هي علاقة المريد بالشيخ والأستاذ بالتلميذ، حتى قبل أن تبدأ العلاقة بينهما.

ويروي الطالباني حكاية اللقاء الأول بينه وبين الجواهري، التي خطّط لها، فأقنع أحد أصدقائه بزيارة الجواهري في “صحيفة الرأي العام” في الحيدر خانه لمعرفته بمزاج الجواهري، الذي لا يريد لأحد أن يقتحم خلوته، فبدأ بعد تحيّته يبرّر سبب الزيارة بإعجاب الطلبة الكرد بشعر الجواهري ومواقفه، وأنهما جاءا ليعبّرا عن اعتزازهما وتقديرهما له، وبادلهما هو شعوره إزاء حقوق الكرد وطموحاتهم.

ساحة الكشافة

إذا كان اللقاء الأول المباشر قد تحقّق في الربع الأول من الخمسينيات بعد مشاهدته في العام 1948، وهو يُلقي قصيدة يوم الشهيد، فإن اللقاء الثاني حصل في ساحة الكشافة، بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958، وذلك عند الاحتفال بمناسبة الذكرى الحادية عشر لوثبة كانون الثاني 1948، والتي التأمت في كانون الثاني / يناير 1959. وهو ما أشرت إليه في كتابي “الجواهري – جدل الشعر والحياة”، ط1، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997.
وكانت جبهة الاتحاد الوطني، التي تأسست في 7 آذار / مارس 1957، التي كتب ميثاقها ابراهيم كبّة، قد نظّمت تلك الاحتفالية بمناسبة يتّفق عليها حلفاء الأمس – خصوم اليوم، بل تكاد تُجمع عليها جميع القوى الوطنية، وذلك في محاولة من بعض العقلاء لتجاوز الخلافات وتهدئة الأمور، خصوصًا بعد أن بدأت الجبهة بالتصدّع بعد الثورة بسبب الصراعات السياسية والحزبية والاختلافات بين الشيوعيين والحركة الكردية من جهة، وبين القوميين والبعثيين وقوى أخرى من جهة ثانية، وجوهر الخلاف يتعلّق بالطريق الذي ينبغي أن تسلكه الثورة والاصطفافات والاستقطابات التي حصلت بعدها، وبعضها بالطبع تقاطعات لا عقلانية نَحَتْ نحو التفرّد والتهميش دون أفق أو استراتيجية واضحة لمستقبل البلاد وتطلّعاتها التنمويّة.

حينها حاولت بعض الأصوات العقلانية في جبهة الاتحاد الوطني، أو ما تبقّى منها، الإبقاء ولو شكليًا على حيثياتها، لكن الخلافات كانت قد اندلعت على نحو حاد، واتّخذت طابعًا إقصائيًا إلغائيًا، تحت مبرّرات “الوحدة الفورية” مع الجمهورية العربية المتحدة، وهذا ما كان ينادي به القوميون والبعثيون لإحراج الشيوعيين ونظام عبد الكريم قاسم الحديث العهد، و”الاتحاد الفيدرالي” الشعار الذي رفعه الشيوعيون، ردًّا على الشعار الأول، دون إيمان لعدم الرغبة في الالتحاق بنظام جمال عبد الناصر، الأقل راديكالية من نظام قاسم والذي يوالونه بحماسة شديدة، ناهيك عن منافسات حزبية حادة للاستحواذ على الشارع وتوجيهه، وكلّ طرف حاول أن يبرّر سلوكه ضدّ الآخر بزعم أحقيته في الحصول على مواقع أعلى أو أهم بعد الثورة.

انعقد الاجتماع في ساحة الكشافة، وكانت تلك آخر فعالية جماهرية لجبهة الاتحاد الوطني. وكان المتحدثون كما أشرت في كتابي “الجواهري – جدل الشعر والحياة”، كلّ من: عبد القادر اسماعيل – الحزب الشيوعي العراقي، عبد الستار الدوري – حزب البعث العربي الاشتراكي، زكي جميل حافظ – حزب الاستقلال، عبد الله عبّاس – الحزب الوطني الديمقراطي، ابراهيم أحمد – الحزب الديمقراطي الكردي (المقصود الحزب الديمقراطي الكردستاني – البارتي)، أمّا جلال الطالباني فهو عريف الحفل.

وحدّثني عبد الستار الدوري أن المحامي حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي – أُعدم في العام 1963)، طلب موافقة الأطراف المنظمة للاحتفال إلقاء الجواهري قصيدة بالمناسبة، حيث أن اسمه لم يكن مُدرجًا في قائمة المتحدثين، وهو ما وافق عليه المنظمون. وكان الطالباني وراء دعوة الجواهري للمشاركة في هذه الفعالية.

الصحافة واتحاد الأدباء


​يقول الطالباني، أن حزب البارتي، حين أصدر جريدة في بغداد، عملنا على طباعتها في مطبعة الجواهري. وهكذا كنت ألتقيه بين الفينة والأخرى، حيث كنت أشعر بهيبة مقامه وعلوّ قدره. وترسّخ لديّ الشعور بأنني أحد تلامذته، بل إنه درويش من دراويشه بالمعنى الصوفي، كما جرت الإشارة إلى ذلك.

وبسبب تلك العلاقة الوديّة الناشطة بينه وبين الجواهري، اختاره الجواهري ليضمّه إلى الهيئة الإدارية المؤسسة لاتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، وهكذا بدأت العلاقة تتوطّد من خلال اللقاءات والاجتماعات والفاعليات، التي كان الطالباني حريصًا على حضورها، على الرغم من انشغالاته الحزبية.

واستمرّت تلك العلاقة حتى حين ارتحل الجواهري إلى براغ في العام 1961، بعد خلافه الشهير مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وقد رويت ذلك بالتفصيل في كتابي المذكور، ومن خلال لقاءات مباشرة. وفي العام ذاته، التحق جلال الطالباني بالثورة الكردية، التي اندلعت في 11 أيلول / سبتمبر 1961، لكن العلاقة تجدّدت، حيث ظلّ الجواهري في مغتربه حتى أواخر العام 1968، وهو ما وفّر للطالباني لقائه خلال زياراته المتكرّرة إلى براغ. وفي حديث خاص مع الطالباني يقول: إنني كنت شديد الحرص على زيارة براغ لثلاثة أسباب، أولهما اللقاء بالجواهري؛ وثانيهما توسيع دائرة التضامن مع الحركة الكردية، خصوصًا بعد تعرّضها للهجوم البعثي الغادر إثر فشل المفاوضات مع الحكومة. وثالثهما اللقاء مع القيادات الشيوعية العراقية، التي كان مقرّها الرئيسي في براغ، التي تحظى بدعم الدول الاشتراكية التي كنّا نطمح لتوثيق العلاقة معها.

في براغ

بعد فشل التعاون الكردي مع حكومة الانقلاب البعثي الأول، في 8 شباط / فبراير 1963، شنّت الحكومة العراقية حملة شعواء ضدّ الشعب الكردي في حزيران / يونيو من العام ذاته، قال عنها حينها صالح مهدي عماش، وزير الدفاع، “أنها مجرّد نزهة قصيرة”، وسيتمّ القضاء على الحركة المسلّحة، وقصد بذلك إلقاء القنابل وقصف المناطق الكردية لإخماد جذوة الثورة، تلك التي زادت وهجًا، لاسيّما مع حملة التضامن التي كان على رأسها الشاعر الكبير الجواهري، حيث تمّ تأسيس “لجنة الدفاع عن الشعب العراقي”، والتي ضمّت:

  • الدكتور فيصل السامر – وزير الإعلام الأسبق
  • الدكتورة نزيهة الدليمي – وزيرة البلديات السابقة
  • عزيز الحاج – القيادي الشيوعي
  • ذو النون أيوب – الكاتب والروائي
  • محمود صبري – الفنان التشكيلي وصاحب نظرية واقعية الكم.
  • نوري عبد الرزاق – السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي.
  • اللواء هاشم عبد الجبّار – أحد الضباط الأحرار.
  • غائب طعمة فرمان – الروائي المعروف الذي اشتهر برواية “النخلة والجيران”.
  • صلاح خالص – صاحب ورئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة، والمثقف البارز.
  • عبد الوهاب البياتي – أحد رواد الحداثة الشعرية.
  • رحيم عجينة – سكرتير الشبيبة الديمقراطية.
    وكانت اللجنة قد اتّخذت من براغ مقرًا رئيسًا لها، حيث نظّمت لقاءً مهمًا مع الفيلسوف البريطاني وداعية السلام “برتراند راسل”، مما دفع الحكومة العراقية الإقدام على إجراء تعسّفي بإسقاط الجنسية العراقية عن أعضاء الهيئة العليا للجنة البالغ عددهم 12 في 26 تشرين الأول / أكتوبر 1963. الجدير بالذكر أن الشاب اللامع خالد أحمد زكي، عمل مع برتراند راسل، ثمّ قرّر العودة إلى العراق والمشاركة في قيادة عمليات الكفاح المسلّح في الأهوار حزيران / يونيو العام 1968، لكنه استُشهد مع عدد من رفاقه.

الجواهري وكردستان

في العام 1964 دعا جلال الطالباني الجواهري، الذي كان قد تردد على زيارته في براغ، إلى حضور اجتماع لجمعية الطلبة الأكراد، وهي التنظيم الجامع للطلبة الكرد من مختلف أجزاء كردستان. وقد التأم الاجتماع في مدينة ميونخ في آب / أغسطس 1964، وألقى الجواهري فيه قصيدة عصماء جاء في مطلعها:

قَلبي لكُردِستانَ يُهدى والـــفَمُ … ولقدْ يَجودُ بِأصـغَـرَيْهِ الـمُـعْدَمُ

ودمي وإنْ لمْ يُبْقِ في جِسمي دمًـــا … غَرثى جِـراحٍ مِن دِمائي تُطــعَمُ

تِلكُمْ هَديَّةُ مُستَمــيــتٍ مُـــغـرَمٍ … وأنا المـُضَـحَّى والضَّـحيَّةُ مُغـرَمُ

أنا صورةُ الألمِ الذَّبـيـحِ أَصـــوغُهُ … كَلِمًا عـنِ القـلـبِ الجـريـحِ يُـتـــرْجِمُ

إلى أن يقول في تمجيد جبال كردستان وشموخها ورموزها، ويخصّ البارزاني مصطفى، حيث يتصاعد الدفق الشعري والتضامن الإنساني:

سَلـِّمْ على الجَـبـلِ الأشَــمِّ وأهلـِـهِ … ولأنتَ تـَـعــرِفُ عـنْ بــنـيهِ منْ هُمُ

وتـَقـَصَّ كـلَّ مَدَبِّ رِجلٍ عندَهُ … هـوَ بالـرّجــولـةِ والشَّـهـامةِ مُـفعَـمُ

والثُمْ ثـرًى بـدمِ الــشَّهـيدِ مُخضَّبًا … عـبِـقًا يَضـوعُ كـما يـضـوعُ الـبُرعمُ

مُـتـفـتِّحًا أبـــدَ الأبـيدِ كأنـَّهُ … فِـيما يُخَلَّدُ عَبـقَرِيُّ مُلهَمُ

وأهتِفْ تُجبْكَ سُفوحُهُ وسُهولُهُ … طرَبًا وتَبسُمُ ثاكلٌ أوْ أيِّمُ

باسْمِ “الأمينِ” المصطفى مِن أمَّةٍ … بِحياتِهِ عندَ التَّخاصُمِ تُقسِمُ

سترى الكُماةَ المُعلَمينَ تَحلَّقوا … فَذًّا تَهيَّبهُ الكَميُّ المُعلَمُ

صُلبُ الملامحِ تتَّقي نظراتِه … شهْبُ النُّسورِ ويَدَّريها الضَّيغَمُ

يا بنَ الشَّمالِ وليسَ تَبرحُ كربةً … بالبِشرِ تُؤذِنُ عندما تتأزَّمُ

وتَناقضُ الأشياءِ سِرُّ وجودِها … وبِخيرِها وبِشرِّها يَتحكَّمُ

صَحوُ السَّماءِ يُريكَ قُبحَ جَهامها … وتُريكَ لطفَ الصَّحوِ إذْ تَتجَهَّمُ

وكذا الحياةُ فليسَ يُقدَرُ شَهدُها … عن خِبرةٍ حتَّى يُذاقَ العَلقمُ

سلِّمْ على الجبلِ الأشَمِّ وعندَهُ … مِن (أبجديّاتِ) الضَّحايا مُعجَمُ

سِفرٌ يضمُّ المجدَ مِن أطرافِه … ألَقًا كما ضمَّ السَّبائكَ مَنجَمُ

ودعِ الحروفَ تُبِنْ قرارةَ نفسِها … إنَّ الأشفَّ مِن الحروفِ الأَفخَمُ

يا موَطنَ الأبطالِ حيثُ تناثرتْ … قِصصُ الكفاحِ حديثُها والأَقدمُ

وقد استوقف الجواهري بيت شعر، هو الذي يقول فيه:

تزهو الحياة بـعَـبـقـرِيٍّ ثائرٍ … يَـهـبُ الـحـياةَ كـأنَّـهُ لا يَفهَمُ

وهو ما كان يتلاطف به مع الطالباني، فبدلًا من قوله تزهو الحياة بعبقري ثائر، يقول “نفسي الفداء”، ويضحكان أحدهما مع الآخر، وكلاهما يقول للآخر كاكه، خصوصًا بعد استبدال مطلع البيت الذي له دلالة عميقة في اللغة والمعنى.

طاقية الجواهري

ابتدأ الجواهري يرتدي الطاقية منذ النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم، وهي التي كان يزوّده بها جلال الطالباني باستمرار. وفي البداية خُطّت عليها عبارات “يحيا السلام العالمي” باللغة الكردية، ثم أخذت شكلًا جديدًا باسم كردستان باللغة الكردية والعربية والإنكليزية، بحياكة خاصة. وغالبًا ما كان الجواهري يمزح مع الطالباني قائلًا له: كلاواتكم ما تفيد، فيرد عليه الطالباني الكلاو فوق رأسك، ويقصد طاقية الرأس، وسرعان ما يتحسّس الجواهري طاقيته ويعدّلها.

حمار عيسى

لقصيدة حمار عيسى، كما سجّلتها من الجواهري والطالباني في جلسة دمشقية، قصة طريفة، مفادها أن الطالباني كان يزور الجواهري في منزله في براغ – 6 منطقة بترشيني (تشيكوسلوفاكيا سابقًا)، وضمتهما جلسة مع عدد من الأصدقاء، بينهم فيصل السامر وعزيز الحاج ونوري عبد الرزاق وموسى أسد الكريم (أبو عمران)، وانفتح النقاش حول مقالة كان القيادي الشيوعي بهاء الدين نوري (منير أحمد) قد كتبها في “مجلة الوقت”، وهي مجلة الأحزاب الشيوعية، التي تغيّر اسمها لاحقًا لتصبح “قضايا السلم والاشتراكية”، والتي يشيد فيها بإجراءات حكومة عبد السلام عارف وقراراتها الاشتراكية وبالاتحاد الاشتراكي 1964. وهو ما عُرف حينها بخط آب اليميني الذي اتبعته إدارة الحزب الشيوعي بتأثير من موسكو، التي روّجت لطريق التطوّر اللارأسمالي في مصر وعدد من البلدان النامية.

فعلّق جلال الطالباني على المقالة قائلًا: أنها تشبه حكاية الفلاح الكردي كاك عيسى الذي سعى لبيع حماره، فقال لصاحبه: تعال معي يوم غد إلى المزاد كي تمتدح حماري، فربما أحصل على سعر أعلى. وفي اليوم التالي، ذهب صديقه إلى المزاد، حسب الاتفاق، ولما رآه قال بصوت عال: كاكه ماذا تفعل هنا؟ فأجابه: أرغب في بيع حماري، فأخذ الصديق يكيل المدائح لحمار عيسى ويعدّد مزاياه.

فما كان من صاحب الحمار أن يهمس بأذنه : خفّف من مدائحك قليلًا ولا تبالغ كثيرًا. وقد استمتع الجواهري بهذه الحكاية، التي كان يستعيدها حول اندفاعاتنا وتطرّفنا بين الحين والآخر، وهو ما رواه لنا في جلسة ضمّت شمران الياسري (أبو كاطع) وموسى أسد الكريم وكاتب السطور في نهاية العام 1976، ولكي يملّحها كان يردّد لازمته: مشتاقون، إيه والله مشتاقون، ثم يضحك ليقول: قصتكم مثل قصة “حمار عيسى”.

ولعلّ حكاية حمار عيسى تصلح أن تكون شاهدًا على تقلّبات ومبالغات القوى السياسية العراقية وبعض شخصياتها، التي تنتقل من النقيض إلى النقيض، ومن ضفّة إلى ضفّة أخرى بسرعة كبيرة ودون مبررات كافية. وهو ما كان الجواهري يلتقطه ويعلّق عليه بذكائه الحاد وفراسته في الذهاب إلى الجوهري من الأشياء.

بعد فترة كلّف الرئيس عبد السلام عارف ناجي طالب لتشكيل حكومة جديدة برئاسته (1966 – 1967)، فأقدم ما كان يُطلق عليه المكتب السياسي للبارتي، المنفصل عن قيادة البارزاني، منذ العام 1964، والذي يعتبر ابراهيم أحمد وجلال الطالباني من أهم أركانه، تأييدًا حارًا لحكومة ناجي طالب، وحسبما يقول الطالباني نفسه، عن تبرير تغيير مواقفهم: لأن ناجي طالب شخصية وطنية ومن كبار الضباط الأحرار، لكن الجواهري قال له أن الأمور لم تتغيّر، فلماذا رفض تأييد بهاء الدين نوري لإجراءات الحكومة، وهو اليوم يؤيّد ما سبق أن رفضه. وعلى هذا المنوال حاك الجواهري حروف قصيدته الشهيرة “حمار عيسى”، والتي لا تخلو من طرافة وخفّة دم ودلالة ومعنى وهو ما كان يستذكره معي نوري عبد الرزاق بمملّحاته الساخرة.

والقصيدة مؤلفة من 9 أبيات وكتبها في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1966، وكنت قد نشرتها لأول مرّة في كتابي المذكور “الجواهري: في العيون من أشعاره”، وهي من البحر البسيط.
ويقول في مطلعها:
شوقًا “جلالُ” وكمْ بثٍّ وجَدْتُ بهِ… عنْ كربِـهِ تَستَرِقُّ الـرُّوحَ تَنفِيسا
إلى أن يقول:
“حمارُ عيسى” فُويْقَ النَّجمِ مَربَطُهُ!… فإنْ تمثَّلتَ فاذْكُرْ مُمتَطى عيسى

وكانت العلاقة الجواهرية – الطالبانية تسمح بالكثير من المزاح، لدرجة الاستفزاز المملّح والتحدّي. فالطالباني صياد ماهر، يحاول أن يرمي سنارته ليستخرج لآلئ الجواهري، خصوصًا حين يستثيره ويجرّه إلى حلبة الشعر، حيث يكون فارسها بلا منازع، فيشعر حينها الجواهري بالزهو الذي يتملّكه، لاسيّما بإعجاب أصدقائه. وحين يوجّه كلامه إلى أحدهم، كنت ترى أصابعه الممدودة وكأنه يداعب آلة البيانو، فهو يعزف بروحه لحن الحياة والجمال والسلام.

ماذا أغنّي؟

كان الجواهري قد استلم هديّة من الطالباني، جلبها إليه أحد قيادات الحزب الشيوعي، وحين فتحها، كما قال لي، عرف أنها طاقية (كلاو باللغة الكردية)، ومعها رسالة تحفّز الجواهري وتستفزّه وتدعوه إلى اتخاذ موقف من نظام الحكم، وتذكّره بمواقفه التي حرّكت الجماهير في الأربعينيات والخمسينيات، وحسبما ينقل الطالباني، أن الجواهري اعتقد أن هذا التحريض مزدوجًا من الشيوعيين ومن الحركة الكردية، فيصبح الصمت في هذه الحالة غير مبرّر، وذكّره ببعض الأبيات من شعره:
حاسبــتُ نفســي والأناة تردُّهـا … ​في معرضِ التصريح للإيماء
بينــي لُعنتِ فلستُ منكِ وقد مشـى …​فيكَ الخمولُ ولستِ من خُلَطائي
مـاذا يميـزكِ والسكـوت قسيمــة … ​عن خانع، ومهادن، ومرائي
أبـأضعفِ الإيمــان يخدعُ نفسَــهُ … مَن سنَّ حبَّ الموت للضعفاء؟
أيــزُمُّ مــن شفـةٍ على عذباتهـا …​نضحتْ أماني عزةٍ وإباء؟

وهذه القصيدة ألقاها الجواهري في الحفل المهيب الذي أقيم في دمشق عام 1956 بذكرى مصرع الشهيد عدنان المالكي. ويقول في مطلعها:
خلَّفــتُ غاشيةَ الخنوع ورائــي …​وأتيتُ أقبِسُ جمرةَ الشهداء
ودرجتُ في دربٍ على عنَتِ السُرى … ألقٍ بنور خطاهُمُ وضّاء
​وكان الجواهري ممثلًا للعراق في هذا الحفل بدعوة تلقاها من الجيش السوري. وقد اضطر إلى الإقامة في سورية قرابة عام ونصف العام ضيفًا على الجيش السوري، من جراء تنمّر المسؤولين العراقيين آنذاك وحنقهم بسبب هذه القصيدة.

وحين تلقّى الجواهري رسالة الطالباني، فكّر مليًا، وبعد فترة حاول أن يجيبه بعد أن تفتقت عبقريته عن قصيدة فيها الكثير من الألم والعتاب والنقد، فكتب القصيدة الشهيرة “ماذا أغنّي” في 10 كانون الأول / ديسمبر 1980، وهذه القصيدة لم تحوها الطبعات السابقة من دواوين الجواهري، وقد نشرتها في كتابي “الجواهري في العيون من أشعاره”، وتضمّ 73 بيتًا، من البحر البسيط.

يقول في مطلعها:
شوقًا “جلالُ” كشوقِ العينِ للوسنِ … كشوقِ ناءٍ غريبِ الدَّارِ للوطنِ
شوقًا إليكَ وأنتَ النُّورُ مِنْ بَصَري … وأنتَ مِني مَحلَّ الرُّوحِ في البدنِ

ثم يبدأ الجواهري نقده للمعارضة، التي تطالبه بالغناء حينها، ولاسيّما بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في 22 أيلول / سبتمبر 1980:

منْ ذا أغنّي أأشتاتًا موزّعَةً … على التمزّقِ والثَّاراتِ والإحَنِ
أمْ صابرينَ على ضيمٍ ومَسكنةٍ … صبرَ الحمارِ على مرأًى مِن الأُتُنِ
أمِ “الطلائعَ” مَزعومينَ شَفَّهُمُ … وجدُ التِّجارِ بسوقِ الرِّبحِ والغَبَنِ
أمِ “الرَّبيطَ” كعيْرِ الحيِّ في وتَدٍ … مِن المهانةِ لا يُرضى لمُمتَهَنِ

إلى أن يقول:
فهل ترانيَ “مِزمارًا” يُثار به … لهوُ الخلائفِ مِن أعقابِ “ذي يَزَنِ”
تبًّا لهمْ، أفلا ثاروا ليطربَهُمْ … شدوُ الرَّصاصِ ولحنُ الصَّارمِ اللَّدِنِ
فمن يَطِحْ منهمُ في غيرِ معترَكٍ … فلا سَقتْ قبرَهُ صَبّابةُ المُزَنِ
ومن يَعِشْ ليناغي سمعَهُ نغمٌ … فلْيُصْغِ سمعًا إلى مُستنقعٍ نَتِنِ
نَقُّ “الضَّفادعِ” يُغنيهِ ويُؤنِسُهُ … وإنه مِن هُتافِ الثَّائرينَ غَني

​وحين نشرت القصيدة كاملة، كان المفكّر الماركسي عامر عبد الله يتغنّى ببعض أبياتها، وطلبها منّي كاملة. وظلّ القيادي الشيوعي عبد الرزاق الصافي يمزح مع الطالباني ويردّد: “هذي اللّي تريدها… ورطتنا بهجاء الجواهري”، ولكن للأمانة كان الجميع معجب بالقصيدة، حتى وإن احتوت نقدًا لاذعًا، ربّما لم يستطع أحد أن يعبّر عنه، باستثناء الجواهري بحروفه المشرئبة، خصوصًا كان ثمة التباسات في مواقف المعارضة من اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، ولاسيّما من استمرارها وتباعد المواقف بشأنها، خصوصًا بعد الانسحاب العراقي من الأراضي الإيرانية، وتوغّل القوّات الإيرانية في الاراضي العراقية.

الجواهري والطالباني ونجاح العطّار

ثلاثة كنّا ننتظر لنستقل المصعد الكهربائي في فندق الشيراتون: نجاح العطّار وجلال الطالباني وعبد الحسين شعبان، وقد انتبه الطالباني إلى ذلك، وبسرعة بديهته وخفّة دمه وطرافته، اجتذبني إلى جانبه واقتربنا من الدكتورة نجاح العطار، فقال لها: رُبّ صدفة خير من ألف ميعاد، وحسب ما تقول أغنية عراقية “سبحان الجمعنا بغير ميعاد”. هل صدفة أن نلتقي نحن الثلاثة هاهنا، أم ثمة ما يشدّنا ويربطنا؟ وقبل أن تجيب العطّار أكمل جملته، فقال: ثلاثتنا نحبّ الجواهري ونعشق أشعاره وولاؤنا للرئيس حافظ الأسد.

وبرقيّ أخلاقها ورفعة مكانتها ورشاقة ثقافتها ابتسمت العطار، واستكملنا الحديث عن الجواهري الذي كان ثلاثتنا قادمًا لزيارته، والذي كان حبل الوصل وزاد المائدة في كل لقاء معها أو مع جلال الطالباني. وهكذا استمرّ تواصلنا في الحديث عن الجواهري، وكأننا نستكمل حديثاً سابقاً.

وقد روى لنا الطالباني كيف أقنع الجواهري على أن يعتمر غطاء الرأس (الطاقية) الذي اشتهر به، وذلك بعد لقائهما في مدينة ميونيخ (ألمانيا الاتحادية حينها) 1964، كما جرت الإشارة إليه.

واسترسل الطالباني في روايته أنه كان يزوّد الجواهري بأعداد من غطاء الرأس بين فترة وأخرى. وكانت جميع الطاقيّات مطرّزة بالعربي أو بالكردي أو بالإنكليزي بكلمة “كوردستان”، ومنذ ذلك الحين لم يشاهَد الجواهري دونها. والجواهري كان يعي ذلك، فيناكف صاحبه أحياناً بأنك أردت أن تلبسني طاقية “الكرد”، واليوم تحاول أن تلبسني طاقية “معارضتكم.. وكلها كلاوات بكلاوات”، وذلك بعد رسالته التي أشرت إليها والتي تمخّضت عن قصيدة “ماذا أغني..”.

كانت تلك المصادفة التي جمعتنا في دمشق، قبل ما يزيد عن أربعة عقود من الزمن، حيث تألّق الطالباني وهو يردّد على أسماعنا ما كتبه الجواهري، وحين توّقف عند أحد الأبيات أخرج دفتراً صغيراً من جيبه ليعيد القراءة، وكأنه يؤدي امتحاناً مدرسياً لا يريد أن يخطئ فيه، وهو يعرف مكانة الجواهري ولغته لدى السيدة العطّار وكاتب السطور، بل إنه كان يريد أن يتبارى معنا على طريقته الشائقة في التحديّ.

الجدير بالذكر أن الجواهري كان ضيف العطّار في أواخر العام 1978، حين كانت الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة والإرشاد القومي والإعلام، قد وجهت دعوة إليه لزيارة دمشق، وذلك في أجواء التقارب السوري – العراقي، حيث أقيمت حفلة تكريميّة كبرى له في سينما الحمراء، ألقى فيها الجواهري قصيدته الشهيرة “دلفتُ إليكِ”، التي نظمها في دمشق وأكملها في بغداد. وفيها أطلق على السيدة العطار لقب “ريحانة الأدب المصفّى”.
ويقول في مطلعها:

دلفتُ إليك يفضحني لغوبي … ويسخر من شبابي والمشيبِ
يجرر بالذُّبالة من سراجي … ويخنق ما عهدت من اللهيبِ


يظل المرء مهما أخطأته … يدُ الأيام طوع يدُ المُصيبِ
كأن العمر ينضج في إناء … بعيد الغور شفّاف الثقوب

وقد ظلّت صداقة الجواهري والكتب والثقافة، هي حلقة الوصل بيني وبين الدكتورة العطار، لتصبح صداقة مديدة، وهي صداقة أعتزّ بها، جامعها الثقافة والفكر والأدب، وبكل ما هو أنيس وجليس، ولم تكن زيارتي لدمشق لتكتمل دون زيارة الدكتورة العطّار، حتى حين أصبحتْ نائباً لرئيس الجمهورية العربية السورية منذ 23 آذار/ مارس 2006 وإلى اليوم، فقد كنت في كل مرّة أزورها في قصر الضيافة في أبو رمّانة.
كما كانت صداقة الجواهري والكتب والثقافة أيضًا، هي التي تجمعني مع الطالباني، بغضّ النظر عن تباعد المواقف والاجتهادات السياسية، فكنت أزوّده بما يصدر عنّي، لاسيّما بما له علاقة بالجواهري، وأشرت إلى كتابي “الجواهري في العيون من أشعاره” وكتابي “بعيدًا عن أعين الرقيب – بين الثقافة والسياسة”، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1995، وكتابي “الجواهري: جدل الشعر والحياة”، ط1، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، وهي الكتب التي سلّمتها له باليد. أمّا طبعة الكتاب الأخير، ط2، والتي صدرت عن دار الآداب، بيروت، 2009، فقد أرسلتها له، وكان قد أصبح رئيسًا للجمهورية.

عوضًا عن الخاتمة

يقول الطالباني أنه لا يستطيع الاستغناء عن الجواهري، فشعره الزاد الذي يتغذّى منه، ليس فقط لأنه شاعر كبير وقف مع قضيّتنا العادلة، وحقوقنا المشروعة، بل لأنه حكيم أيضًا، وحين تبدر بعض الأحكام أو الاعتراضات أو اللّوم على بعض مواقف الجواهري من بعض أصدقائه ومحبّيه، أو لا يتمنى بعضهم أن تكون قد صدرت عنه، كان الطالباني ينبري بالدفاع عنه، فقد كانت علاقته به علاقة وجدانية روحانية، وهي علاقة الأستاذ بالتلميذ، والشيخ بالمريد. ويعتبر الطالباني، بحماسته المعهودة، أن الجواهري ظاهرة لا تتكرّر، وحتى بعض القصائد التي كتبها الجواهري في ظرف خاص ولا يرغب في استعادتها أو حتى ضمّها إلى دواوينه، كان الطالباني يعتبرها قصائد خالدة، لأنها تصدر من رجل خالد، خارج دوائر التصنيف لغويًا وجماليًا وإبداعًا.

وكنت قد أشرت إلى ذلك في حواراتي مع الجواهري، في لحظة مراجعة وتأمّل، حين قلت له، أن النقد الذاتي قوة وشجاعة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون في الجبل الشامخ ثمة مغارات أو انحناءات أو انكسارات أو حتى كهوف، لكنه يبقى مع ذلك جبلاً شامخاً واضحاً للعيان، يراه المرء من بعيد بعلوِّه وكبريائه، فلا يهم أن يكون ثمة نواقص وأخطاء وتناقض في ظاهرة الجواهري، شاعراً وحالة شعرية وإنساناً.. ولعلّ ذلك ينطبق على جميع المبدعين الكبار، وبالتالي فنحن بشر خطّاؤون، على حدّ تعبير فولتير.

قال لي الطالباني في أحد المرّات، أن كتابي “الجواهري في العيون من أشعاره”، يضعه قرب وسادته، ولديه أكثر من نسخة، غير تلك التي أهديتها له، فهو معه في حلّه وترحاله، يستعين به دائمًا، ويتغنّى به لشعريته وشاعريته. لذلك فإن إقامة تمثال له في السليمانية، وإطلاق اسمه على أحد شوارعها المهمة، وهو الشارع الذي يتجمّع به الصبايا والشباب، إنما هو جزء من الوفاء للشاعر الكبير وللشعر وللمواقف الإنسانية، كما ذكر ذلك في مقابلة مع برهان الشاوي.

ملحق النص الكامل لقصيدة حمار عيسى:

حمار عيسى

في هذه القطعة الشعرية يمازح “الجواهري” صديقه الأستاذ جلال الطالباني. على أثر حديث مملّح بينهما، وقد نشرت في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1966.
[عدد الأبيات في الأصل: 9 – وهي من البحر البسيط]

شوقًا “جلالُ” وكمْ بثٍّ وجَدْتُ بهِ… عنْ كربِـهِ تَستَرِقُّ الـرُّوحَ تَنفِيسا
أَلفيْتُ قَلبيَ ما اشتدَّ العناءُ بهِ… بالذِّكرياتِ مِن الأحبابِ مَأنُوسا
لقدْ حبَبتُكَ حُبًّا لا يَليقُ بهِ… حُبُّ المُجاراةِ تَمويهًا وتَدلِيسا
أقْصِدْ “جلالُ” ولا تُسرِفْ، وكنْ حَكَمًا …عدْلًا يُميِّزُ شِرِّيـرًا وقِـدِّيسا
كنْ خَيزَرانًا طرِيًّا لا لكاسرِهِ… هشٌّ وليسَ خشيبَ العودِ مَأْيوسا
“حمارُ عيسى” فُويْقَ النَّجمِ مَربَطُهُ!… فإنْ تمثَّلتَ فاذْكُرْ مُمتَطى عيسى
ولا تُفكِّرْ بمنْ همْ دونَ حافِرِهِ ..!… إنَّ “الحمارَ ” لمَظلومٌ إذا قِيسا
فإنْ تُبالغْ تَجِدْ مِنّا ذوي نَصَفٍ… لا يَخلطونَ معَ “الرّحمنِ” إِبليسا
وإنْ تُزاحِفْ بـ “جحشٍ” صادِ أَرنبَةً! … نَزحفْ عليكَ بِجحشٍ صاد “طاووسا “

محاضرة ألقيت في معهد العلمين للدراسات العليا – النجف الأشرف في الندوة التي نظمتها مؤسسة بحر العلوم الخيرية ومؤسسة الرئيس جلال الطالباني، بمناسبة الذكرى السادسة لرحيله، في 4 تشرين الأول / أكتوبر 2023.
ونشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، تحت عنوان “ما قصة قصيدة حمار عيسى؟”.

السابق
بـ«حاملة طائرات».. رسالة أميركية لإيران و«حزب الله»!
التالي
«جس نبض» بالنار بين «حزب الله» واسرائيل..ونيران غزة «تُهمد» الوساطات الرئاسية!