الشهادة من الدين إلى الحرية.. مهسا أميني «تُضيء » شمعة «زد» الأولى!

مهسا اميني

جسّدت انتفاضة الجيل الجديد “زد” في إيران، والتي برز فيها الدور الأكبر والتأثير الأقوى لشاباتها، رمزية نضال ضدّ ما تم اعتباره “سيستاماً”، أو نظاماً قمعياً تمادى في انتهاك الحريات العامة و كذلك الشخصية، تارة بحجة الحصار والمؤامرة الخارجية وطوراً باسم الدين، وغيرها من الحجج، التي لم تعد تقنع جيلاً، انفتح على المجتمعات المعاصرة.
وقبل مقاربة انتفاضة “زد”، التي حدثت عقب موت مهسى أميني من زاوية سوسيو – تحليلية، يتبدّى التطرّق إلى موضوع الحرية أمراً ضرورياً، حتى وإن كان موجزاً وسريعاً، كونه يسهم في فهم أكبر لأهميتها في حياة الإنسان. كما يلقي المزيد من الضوء على الدافع الرئيسيّ، الذي وقف خلف ما جرى، منذ عام، على الساحة الإيرانية.

يكتسب مفهوم الحرية بُعداً كونياً باعتباره لصيقاً بالطبيعة البشرية وملازماً لوجودها

يكتسب مفهوم الحرية بُعداً كونياً، باعتباره لصيقاً بالطبيعة البشرية وملازماً لوجودها. ويعود السبب في ذلك، إلى أن العقل البشريّ يرفض القيود التي تكبّل حريته في المكان والزمان. لذلك سعت الشعوب، على مرّ التاريخ، إلى المطالبة بالحرية، و نيلها حتى لو كلّفها ذلك حياتها. ومن هذا المنطلق، فهي تعدّ أحد مكوّنات الهوية الإنسانية، ولا يمكن الفصل بينها وبين الإنسان. و قد لا يكون تقطيعها أو تجزئتها، إلاّ محاولة لإعدامها والغائها. وعندما يسعى أي نظام إلى تقطيع أوصالها والتمثيل بها كجثة، إن صح التعبير، فهو مجرم بامتياز.
إلا أن هذا، لا يعني أن تتفلّت الحرية من قيودها العقلانية التي وضعت، في الأساس، لكي تحميها و تجنّبها، من أن تتحوّل إلى محدّد أو عامل، يسهم في تشويه الطبيعة البشرية، ويحمل معه مآلاً كارثية، بعد أن كانت أوالية لرقيّها وتقدّمها، فلا حرية دون مسؤولية.

هذا لا يعني أن تتفلّت الحرية من قيودها العقلانية التي وضعت في الأساس لكي تحميها و تجنّبها من أن تتحوّل إلى محدّد أو عامل يسهم في تشويه الطبيعة البشرية

وبالعودة إلى انتفاضة الجيل الجديد “زد” في إيران، فإن مقاربتها من زاوية سوسيو اجتماعية، قد تساعد على توضيح الأواليات أو الميكانزمات التي حرّكتها و أطلقتها، ممّا يسهم في تقديم صورة أكثر وضوحاً، عن حدث أعطى للحركات التحررية منحى جديداً.
لم تكن انتفاضة “زد”، سوى ترجمة عملانية لتحوّل حصل في العمق، على مستوى النظام الثقافي الإجتماعيّ، ويتجلى في سحب السلطة التي أعطيت على مدى أعوام طويلة إلى المرأة/الأم، و تسليمها إلى الولد/ الإبن، أي إلى الجيل الجديد. لقد شكّل هذ التحول أرضية خصبة، أسّست بدورها وفيما بعد، لتحول آخر أكثر عمقاً وراديكالية.
و إذا ما تناولنا العلاقة بين هذين الجيلين، لوجدنا تكاملاً وليس تناقضاً، على مستوى الرؤية والمواقف تجاه النظام أو المجتمع. بالنسبة إلى الجيل الأول، وهو جيل الأم، فإنه لم يتنازل عن حريته، ولم يتوانَ عن المطالبة بها، بل تمسّك بها ومارسها بما يتناسب مع الواقع. أما فيما يتعلق بالجيل الجديد الشاب الحالي، فهو يطمح إلى الحصول على الحريات العامة من حرية تعبير واتخاذ القرار غير مكتف بالحرية “الضيقة” وراض عنها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن صراع بين جيلين، وإنما عن امتداد. لقد راكم الجيل القديم ما راكمه من سعي من أجل الحرية، و “حفر” و مهّد الطريق أمام الجيل الجديد الذي استطاع أن ينتفض و يذهب إلى آخر المطاف في المطالبة بالحرية. ووضع بذلك النظام أمام تحدّ جديد. وما جرى هو أن هذا الجيل ترصّد، إن صح التعبير، الفرصة المناسبة، وانتظرها لكي يثور على سيستام اجتماعي ضيّق عليه الخناق، وحاصره بين جدران الخوف و العقاب، ويثأر منه. وكأن هذا النظام أعطى من تلقاء نفسه، ومن دون علمه، السلاح الذي استخدمه الشباب في انتفاضته ضدّه!…

راكم الجيل القديم ما راكمه من سعي من أجل الحرية و “حفر” و مهّد الطريق أمام الجيل الجديد


وأتى عامل خارجيّ ليكمل مهمة التغيير، الذي حصل على المستوى الثقافي الاجتماعي وتجلّى، كما أسلفنا، في نقل السلطة من الأم إلى الولد، فعزّز أكثر إنطلاقة هذه الإنتفاضة. وهو يتمثّل في الإنفتاح على العالم، عبر وسائل التواصل الإجتماعي، بحيث تعرّف هذا الجيل، على كلّ ما يجري من انتفاضات وثورات وتحولات، على مستوى حرية التعبير. وما كان من السلطة الإيرانية إلا أن لجأت إلى إيقاف الانترنت، قدر استطاعتها، منعاً للتواصل بين الشباب الايراني و بين الخارج، وحجباً للتأييد الخارجي الكبير لانتفاضته.
لقد بيّنت هذه الانتفاضة لدى “زد”، حماساً قوياَ تخطّى حواجز الخوف. ومن الملاحظ أن هذا الجيل امتنع عن الأخذ في حساباته، أي اعتبار سواء لموقف السلطة السياسية نفسها، التي بادرت إلى القمع، أو لنظرة من يعرَفون بالمحافظين. وقد تجاوز هذا الحماس حدود العقلانية، نتيجة اندفاعه نحو نيل حريته. و لا يخفى من أن السعي إلى الحرية في ظلّ نظام إجتماعي قمعي، يفترض تجاوز كل الخطوط الحمراء، ولا يأبه بها!..
بناءً على ما سبق، أظهرت المقاربة السوسيولوجية لانتفاضة “زد”، عاملين رئيسيّين متناقضين لكن متكاملين، الأول هو نقل السلطة إلى الجيل الجديد، والثاني هو الانتفاح على العالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذا لا يعني أن هذه المقاربة كافية، لفهم أواليات وقفت خلف الانتفاضة.

لا يمكن الحديث عن مقاربة سوسيولوجية لما حدث في أيران، من دون تناول ما جرى فيها من ناحية نفستحليلية ، لأن ذلك يسهم في إظهار أواليات نفسية، قد تكون أساسيّة وهامة، بمعنى أنها أدت دورها في انطلاقة الإنتفاضة التي قرّرت السلطة قمعها بكل ما أوتيت من وسائل، باعتبارها تشكّل تهديداً لهويتها الذكورية الدينية، المؤسّّسة بدورها لهويتها السياسية.
و تفرض المقاربة النفستحليلية، التعرّض أولاً إلى البنية النفسية للشخصية الإيرانية التي تأثرت، مثل أي بناء نفسي، بطبيعة النظام الاجتماعيّ الثقافيّ، الذي يحيطها و يتحكّم بها. وتتكوّن هذه البنية من جزئين عريضين متناقضين، خفيّ و علنيّ. ينطوي الجزء الخفيّ على الحرية المعطاة ضمن الإطار الضيق فقط، أي في المنزل. وأما بالنسبة إلى الجزء الثاني، أي العلني، فإنه يحوي الرقابة الصارمة على الحرية على مستوى الشارع. وهنا، يمكن الحديث عن إنشطار يصيب الأنا. بتعبير آخر، يجد الأنا نفسه منشطراً، فهو حرّ ضمن المنزل و “معتقل” في الشارع في الوقت عينه. و في هذه الحال، يضيع الأنا بين شطرَيه، ويحاول جاهداً إعادة تموضع هويته، بما يتناسب مع استقراره النفسي. ويدفع هذا الواقع بالشاب أو الشابة الإيرانية، إلى اختبار معاناة نتيجة صراع نفسي، بين حرية شخصية معترف فيها، إلا أنها مسجونة بين جدران المنزل. و هي تأبى البقاء محاصرة، وتسعى إلى تخطيها، والإنطلاق منها نحو الشارع من جهة، و تخاف من جهة أخرى من الاقتصاص الذي قد يودي بالحياة.
ويذكرنا هذا، بالتأكيد، بنظرية فرويد، الذي يقول أن المكبوت يعود لينتقم. بتعبير أدق، فإن الحرية الأسيرة بحجة الدين أو الاجتهادات والفتاوى، تسعى إلى الإنتقام، وتعمل بالتالي على التحرر من قيودها.
لا بدّ كذلك من أن نأخذ بعين الاعتبار “عقدة الخصاء”، في هذه المقاربة النفستحليلية وأهميتها، حيث أن هذه العقدة تجلّت بقوة، من خلال قمع النظام الايراني الذكوري للمظاهرات عموماً، و سيما مظاهرات الشابات اللواتي رفعن الحجاب وعمدن إلى قصّ خصل من شعرهنّ. وكأن ما جرى، قد عمل فعله عمل على إيقاظ “عقدة خصاء”، يعاني منها “سيستام” ذكوري. ولا يخفى على أحد، أن المظاهرات التي قام بها عدد كبير من النساء والشابات، الرافضات لارتداء الحجاب، هي أشبه بعملية استفتاء حول ارتداء الحجاب نفسه.
وعلى هذا النحو، يمكن الحديث عن موقفين ، فالأول يمثل السلطة التي تتمسّك ب”عقدة الخصاء”، لأنها تخشى التحرر منها لتجنّب الشعور بالضعف والحرمان من قوتها. أما بالنسبة إلى الموقف الثاني، أي موقف الجيل الجديد “زد”، فيظهر في عدم خوفه من تلك العقدة، وهو يناضل من أجل التحرّر منها. ويعود السبب في ذلك إلى أنه لا يشعر بحاجة إلى حمايتها. كما يرى في ذلك، إنقاذاًً لمجتمعه من الخوف المترتّب عن الاستبداد.
عكس ما جرى في إيران، بعد موت مهسى أميني، حراكاً اجتماعياً شبابياً من نوع جديد بين الأجيال، حمل معه بدوره رؤية جديدة للحياة، و سعى لإقامة نظام ديمقراطي. ولم يكن ما حصل إلا تعبيراً عن رفض لواقع اجتماعي و سياسي أيضاً، من قبل جيل انتفض لحريته وإنسانيته. ولا يخفى أنه تمت محاصرة هذا الحراك، لأنه شكّل تهديداً وجودياً للنظام الحالي.

عكس ما جرى في إيران بعد موت مهسى أميني حراكاً اجتماعياً شبابياً من نوع جديد بين الأجيال، حمل معه بدوره رؤية جديدة للحياة


كشفت انتفاضة الشباب “زد” صراعاً وجودياً، بين “سيستام” موت، تواطأ مع الاستبداد ضد ذاته وتماهى معه، وما لبث أن تحول إلى مجرم من جهة، ومن بين “سيستام” يمثل الحياة، اخترق حاجز الخوف و تواطأ مع حريته وكرامته، بحيث حوّل الشهادة من أجل الدين، إلى شهادة من أجل الحرية.
ويبقى السؤال ، هل يمكن للدين أن يحافظ على نفسه، من دون وجود الحرية؟!

السابق
إجتماع صيداوي في منزل سعد: تحريم الاقتتال في عين الحلوة وأي خروج عنه سيواجه باللازم
التالي
الفنان التشكيلي يوسف عون.. تفكيك الجسد كهندسة للروح!