الحركة الثقافيّة – أنطلياس تنعي الشاعر محمود نون: منبر حوار وسجال حرّ ومسؤول

محمود نون

تنعي الحركة الثقافيّة – أنطلياس رئيس “حركة الريف الثقافيّة” ( بعلبك)، الأستاذ محمود نون، الشاعر والقاصّ والمعلّم والمثقّف الناشط. فعندما أسّس نون هذه الحركة ووضع “الريف” في منتصف عبارة “الحركة الثقافيّة”، كان يؤسّس عن سابق وعي وتصميم لمفهوم ” الجيو – ثقافة “، الثقافة المدركة موضعتها الميدانيّة وشروطها ومستلزماتها في إطار البيئة البقاعيّة الشاسعة من لبنان،وهي بيئة درجت سياسات الدولة اللبنانيّة المتعاقبة على التعامل معها كطرف ناءٍ إزاء مركزيّة حاسمة تمثّلها العاصمة بيروت.

“حركة الريف الثقافيّة” حاولت أن تمخر بأنشطتها المتنقّلة في كل قرى البقاع مسافات كبرى جاعلةً من الريف الواسع الرجاء وعاءممكناً لاستقبال نمطٍ غير معهود من الأنشطة الثقافيّة والتفاعل معها، انتقاماً فكرياً راقياً وتمرّداً تنموياً على واقع الإهمال والعزل الذي عاناه الريف وترسّخ في الأذهان على طول المراس.

حركة “جوّالة ” انضمّت بهذا السلوك الوطني الملتزم إلى زميلاتها الثقافيّة اللبنانيّة الفاعلة،النادرة، بعكس ما يُشاع ويُظن، وبهذا كان لحركتنا الثقافيّة – أنطلياس موضع المثالٌ أو القدوة كما كان الأستاذ نون لا يتوانى عن التصريح العلني، بدءاً من اسمها وصولاً الى كل مواقفها الفردية والمشتركة التي لم تنقطع على مدى عقود رغم المسافات الفاصلة.

ولعلّ محمود نون، المربّي والمعلّم، المطّلع على مشروع تجميع المدارس الذي لم يرَ النور التربوي، قد استوحى منه نموذج عمله الثقافي الذي صاغ به وحدة وطنيّة موسّعة غير رسميّة المظاهر لا يمكنها أن تطمس فعاليّتها بالعمق: منبر حوار وسجال حرّ ومسؤول وملتزم وجريء لمتعطّشين له، ومن غير أن يغفل بأن له خصوماً وأعداء ويستهين بمدى قدرتهم على عرقلة مسيرته الحضاريّة!

لقد مارس محمود نون ورفاقه الثقافة كمعركة ناعمة انطلاقاً من بعبك، ورمزيّتها في المهرجانات الفنيّة التي زرعت رؤىً جديدة أراد أن يحاكيها ولا يتنازل عنها، ثقافة حديثة شاء أن يبني بها وحدة عاتية على التصدّع، مستدامة.

هذه هي القيمة الإضافيّة لعمل “حركة الريف الثقافيّة” التي كانت مسيرتها الراقية معبّدة بالإنتصارات على معوّقات راسخة، ثقافيّة – اجتماعيّة. لذا، لم ـتـنلما تستحقه من الاهتمام الإعلامي على الرغم من إنجازاتها بالعمق. بهذا الفخر، وبهذا الحزن، نودّع زميلنا الكبير بكل المقاييس الثقافيّة والوطنيّة اللبنانيّة والإبداعيّة، الأستاذ محمود نون.                                      

السابق
«سيدة الجبل»: لنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيمه داخلها
التالي
دولار السوق السوداء.. هكذا أقفل مساءً