قراءة ناقدة لكتاب «الإنتظام العربي العام»: هل العرب مأزومون؟

كتاب وجيه قانصو
كثيرةٌ هيَ البواعثُ التي تدفعُنا، نحنُ العربَ، إلى تغيير واقعِنا في آنِنا هذا، بيدَ أنَّ أشدَّ هذه البواعث وأكثرَها إلحاحًا علينا هو «الواقعُ» نفسُه. وإذ تتبدَّى ضرورةُ تغيير «الواقع» من طبيعتِه، أو ذاتِه، من جِهة، ومن طبيعةِ وجودِه في حيِّزِه الزَّمكانيِّ، بلُغةِ آينشتين، من جهةٍ ثانية، فإنَّ الحُكمَ على «واقعِنا» بالفَشلِ، وعلى الجانبِ السِّياسيِّ منه على وجه التَّخصيص، يبقى حُكمًا مَغلوطًا منطقيًا، إذ أنَّ إطلاقَ حُكمٍ بالـ «فشل» يلزَمُ عنه، بالضَّرورة المنطقيَّة، وجودُ قابليَّةٍ حقيقيَّةٍ للـ «نجاح» عندَ الكيانِ الذي نُطلقُ عليهِ حُكمنا. وبالتَّالي فإنَّ السُّؤالَ عن «واقعِنا» لا يكونُ بـ: «هل هو مأزومٌ أم غيرُ مأزوم؟»، وإنَّما السُّؤالُ هو: «هل يُعقلُ ألَّا نكونَ مأزومين؟». بعبارةٍ مُغايرةٍ؛ «هل لنا قابليَّةَ ألَّا نُؤزَم أزمتَنا المُعاصرة؟».

انطلاقًا من هذا السُّؤال، أو ما يُعادلُه، كانَ كِتابُ الدَّكتور وجيه قانصو؛ «الانتظامُ العربيُّ العام»، الذي يستهل فيه بسردٍ وافٍ، على إيجازِه، لتطوُّر مفهوم السُّلطة وجدليَّة العِلاقة بين الدِّيني والسِّياسي عندَ الغَرب وفي «المَجال العربي» قبلَ الإسلام، ثُمَّ ينتقلُ، في الفصل الثالث من أصلِ تسعة، إلى تناولِ نُبُوَّةِ مُحمَّد بوصفِها «حدثًا تأسيسيًّا» انبثقَ من «الواقع» و«المجال» العربيين و«نقلَ مِنطقة الحجاز وجوارها إلى نظامٍ اجتماعيٍّ وبناءٍ سياسيٍّ مُختلفَيْن عن أيِّ وجودٍ عربيٍّ سابق».

النبوة حدث تأسيسي

ويعرضُ الدَّكتور وجيه قانصو في الفصل الثالث كِتابه «الانتظام العربي العام» مسيرةً سياسيَّةً موجزةً للنُّبُوَّةِ بوصفِها «حدثًا تأسيسيًا» نقلَ «منطقة الحجاز وجوارَها إلى نظامٍ اجتماعيٍّ وبناءٍ سياسيٍّ مُختلفَيْن عن أي وجودٍ سابق». وممَّا تناولَه قانصو في عرضِه للنُّبوَّة، أو لشخصيَّةِ النِّبيِّ على وَجهِ التَّخصيص، إضافةً إلى تقريرِه أنَّ الإسلام نجحَ «في إشغال القبيلةِ العربيَّةِ بالفتوحات ضِدَّ الأقاليم والسُّلالات الحاكمة ببلاد العرب».

وفي مَعرِضِ تقريرِه لسِماتِ شخصيَّةِ النَّبيِّ بوصفِه قائدًا سياسيًّا، إذ جازَ الوَصف، يقولُ قانصو: «تبيَّنَ أنَّ مُحمَّد كان يَسعى وراء هدف إمَّا تدمير قُريش أو اعتناقِها الإسلام»، ولذلك «شَنَّ مُحمَّد حربَه على قُريش عامدًا مُتعمِّدًا»، فالنَّبيُّ بحسب قانصو «هُو الذي شاء شَنَّ الحرب على قُريش (…) ولم يَكُنْ مُتوقَّعًا منه عزمَه على القتل بدون تأنيب الضَّمير ولا عواطف»، بعدَ أنْ «جُبَّتْ» «أواصِرُ القُربى مع قُريش (…) ولم يعودوا سوى كُفَّار مآلُهم جهنَّم وعذاب الله». ويُقرِّرُ قانصو أنَّ النَّبيَّ رأى أنَّ «العمل العسكري بات الخيار الوحيد الصالح لهداية العرب ومِن ثُمَّ إصلاحِهم».

يقولُ قانصو: «تبيَّنَ أنَّ مُحمَّد كان يَسعى وراء هدف إمَّا تدمير قُريش أو اعتناقِها الإسلام»

بِدايةً، إنَّ الفَصلَ بين الشَّخصيَّة السِّياسيَّةِ لمُحمَّد وبين شخصيَّتِه النَّبويَّة غيرُ جائزٍ بالصُّورةِ التي أجراها الدَّكتور قانصو في كتابِه. فصحيحٌ أنَّ دِراسةَ الجانب السِّياسي في شخصيَّةِ الرَّسول هو أمرٌ ضروريٌّ ومُلِحٌّ، إلَّا أنَّ هذه الدِّراسةَ لا يُمكنُ أن تكون بافتراضِ القطيعة بين الجانبَيْن؛ النَّبوي والسِّياسي. ولكن حتَّى لو سلَّمنا بهذه القطيعة فإنَّ دراسةَ حروبِ الرَّسول، أو ما سُمِّيَ بالمَغازي، لا يُمكنُ أن تبدأ منْ لحظةِ المَعركة، بل يجبْ أن تُرجَعَ إلى أسبابِها ومُبرِّراتِها، وعلى أساسِ هذا يُمكنُ الحُكمُ على مَشروعيِّتِها وتقريرُ البادئ بالحرب.

وحتَّى لو أخذنا بما قالَه قانصو من أنَّ المراحل الأولى من تاريخ الإسلام في مكَّة لم يَشهدْ عُنفًا مِن قِبلِ قُريش إلَّا بعدَ أن بدأ الرَّسول بنقدِ الوثنيَّة وآلهةِ قُريش بصورةٍ واضحة. لكن هذا لا يعني، بالضَّرورة، أنَّ النَّبيَّ تركَ مكَّة لأنَّه يئسَ مِن إيمان قُريش بدعوتِه، وإلَّا فما معنى انتظارِه ثلاث عشرةَ سنة؟ ثُمَّ ما معنى الخروج بعد موتِ أبي طالب وخديجة؟ ثُمَّ ما معنى أن يُهاجرَ المُسلمون من مكَّة؟ وما مُبرِّرُ الآية التي تقول: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (الأنفال/ 30)؟ إنَّ في هذه الآيةِ تقريرٌ واضحٌ على المزاج الذي صارتْ إليه قُريش حيثُ صارَ قتلُ الرَّسول أمرًا مُحتملًا على الأقل. ونتيجةً لهذا المُناخ الذي راحَ يتَّخذُ طابعًا عُنفيًا يطالُ النَّبيَّ والمُسلمين، خرجَ النَّبيُّ والمُسلمون من مكَّة إلى المدينة، إضافةً إلى المُبرِّرات السِّياسيَّة التي قدَّمها قانصو لتبرير الهجرة.

غزوات مبررة

وما الغزواتُ التي كانَ يقصدُ النَّبيُّ فيها استهدافَ قوافل تجارة قُريش، مثلَ وُدَّان أو بدر، إلَّا نوعٌ من أنواع الحرب الإقتصاديَّة ضِدَّ قُريش. ولا يُمكنُ أن تُعَنوَنَ تحتَ عُنوان «الاعتداء»، وإنَّما هي في أقلِّ الامور استردادٌ لأموالِ المُسلمين المُهاجرين التي «أُخرِجوا» منها.

كما أنَّ ادَّعاءَ أنَّ مشروع، أو هدف مُحمَّد، هو أحدُ اثنَيْن؛ تدميرُ قُريش أو دخولُها الإسلام، هو ادِّعاءٌ لا تُؤيِّدُه الوقائعُ التَّاريخيَّةُ التي كانت أثناءَ وبعدَ «فَتْحِ مكَّة». فهو لم يُدمِّرْ قُريشًا ولم يُجبرْها على اعتناق الإسلام، بدليل أنَّ بعضَ المَكِّيين الذينَ عُرفوا بـ «المُؤلَّفةِ قُلوبُهم»، مثل صفوان ابن أُميَّة، ظلَّ مُشركًا بعدَ الفتح، ولم يُسلِم إلَّا بعدَ معركة حُنَيْن التي كانت بعدَ حوالي شهرٍ من الفَتْح. وفي شروطِ النَّبيِّ لتأمين النَّاس؛ لم يَشترطِ النَّبيُّ إسلامَ أحدٍ حتَّى يأمَنَ من القتل، وإنَّما كُلُّ ما اشترطَه النَّبيُّ على النَّاس هو ألَّا يُقاتلوا المُسلمين الفاتِحين فقط.

إقرأ أيضاً: الأديب اللبناني محمود نون يرحل كما عاش..بصمت!

لم تَكُنْ شخصيَّةُ النَّبيِّ مُحمَّد على الصُّورةِ التي قدَّمها قانصو في كِتابه والتي توحي بروحٍ إستبداديَّةٍ وديكتاتوريَّةٍ عندَ مُحمَّد، حتَّى لو أنَّ هذا يُعدُّ مُبرَّرًا في المَنطِق السِّياسيِّ الحديث، والميكيافيللي على وجه التَّخصيص. وتأسيسًا على أنَّ النُّبوَّةَ حدثٌ تأسيسيٌ، كما قرَّرَ قانصو، فإنَّ المَطلوب هو إعادةُ تشكيل صورةِ النَّبيِّ تشكيلًا مُتِّسقًا مع القُرآن من جهة، ومع الحِسِّ، أو المَنطِق، التَّاريخي من جهةٍ أَوْلى. والأهمُّ هو إعادةُ تشكيلِها تشكيلًا مُتحرِّرًا من المُدوَّنةِ الفِقهية التي لا تَني تُعيدُ تقديمَ النَّبيِّ بما يتناسبُ معَ مَصالحِها الشَّخصيَّة التي لا تني بدورِها تُعارضُ روحَ الإسلام ومشروعَه.

ثورة على الذات

لا حاجةَ بِنا، نحنُ العربَ، إلى كبيرِ إجهادٍ لأنفسنا في الإجابةِ عن سؤال: «هل نحنُ مأزومون؟» يطرحُ قانصوه مسائل ومُشكلاتٍ ليست مُهمَّة وحسب، بل هي أساسيَّة وتأسيسيَّة يُقوَّمُ بها مصيرُنا المَعنوي، ورُبَّما الماديُّ، على هذه الأرض. إذ لا خروجَ لنا مِن جحيمِنا العربيِّ إلَّا باتَّخاذِ موقفٍ واضحٍ وحاسمٍ من هذه المُشكلات، مؤسَّسٍ على التقدُّمِ الفِكري والعِلمي الذي بلغه الإنسانُ من جهة، ومُدركٍ لتطوُّراتِ السَّقف المَعرفي للإنسان من جهةٍ أخرى.
فالإسلام، بعدَ النَّبيِّ، هو تأويلٌ لنصٍّ دينيٍّ مُقدَّس على عكسِ السِّياسة التي لا يُمكنُ أن يكونَ لها نصٌّ مُقدَّس. ويُمكننا، في مَعرِضِ البحثِ عن التَّعريفات، أن نطرَحَ سؤالًا حولَ هذه المَفاهيم الثَّلاثة، الدِّين والسِّياسة والثَّورة، مفادُه: ماذا نُريدُ، نحنُ الإنسان، من كُلٍّ منها؟

أمَّا السِّياسة، التي تُرادُ لذاتِها، فهي أسلوبٌ للوصولِ إلى السُّلطة والبقاء فيها بعدَ ذلك. وبحسب العَرض الذي عَرَضَه قانصوه لتطوُّر مفهوم السُّلطة في الغرب من كونِها في خِدمة الفضيلة إلى كونِ الفضيلة نِتاجًا للسُّلطة، وعندَ المُسلمين من كونِها في خِدمة الدِّين في فترةِ الخِلافة الرَّاشدة إلى كونِ الدِّين، أو التَّأويل الفِقهي والعَقَدي على وجه الدِّقَّة، نِتاجًا للسُّلطة والسِّياسة التي بدأت مع معاوية ابن أبي سفيان.

هل كانتِ الانتفاضات العربيَّة التي عُرفتْ بـ «الربيع العربي» ثورةً على السُّلطة أم ثورةً على الذَّات؟

أمَّا الثَّورة، بحسب ما عرضَه قانصوه، فقد تحوَّلتْ بعدَ الثَّورة الفرنسية من كونِها عَوْدًا إلى الأصل إلى كونِها خلقَ حالةٍ جديدة. وقد طرحَ قانصوه سؤالًا أساسيًا مفادُه: هل كانتِ الانتفاضات العربيَّة التي عُرفتْ بـ «الربيع العربي» ثورةً على السُّلطة أم ثورةً على الذَّات؟

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أزمتنا، بحسب ما عرضَها قانصوه في كتابِه، تحتاجُ بالدَّرجة الأولى ثورةً على الذَّات قبل الثَّورة على السُّلطة التي لم تزلْ بدورِها كيانًا مُنفصلًا عن المُجتمع بدل أن تكونَ نتاجًا لتطوُّر علاقاتِه وشبكات انتاجِه. وانطلاقًا من حقيقةِ أنَّ الثَّورة، بحسب قانصوه، «لا تُحقِّقُ أهدافَها منذ لحظةِ ظهورِها، بل لحظة الإدراك أنَّنا لم نعُد بحاجةٍ إليها»، يُمكننا أن نقول أنَّنا نحنُ العرب لم نشهدْ أيَّةَ ثورةٍ في عصرِنا الحديث لأنَّنا لم نزلْ بحاجةٍ مُلحَّةٍ لثورةٍ حقيقيَّةٍ على ذاتِنا ثُمَّ على من فسدَ من طُغاتِنا. وهذا يتطلَّب، كما قرَّرَ قانصوه، «تحريك مسارات متعددة، وفي مقدتها: إطلاق ورشة اجتهادية-تأويلية لتحرير النص الديني من فرضيات ومسبقات المؤسسة الفقهية [و] تكثيف التضامنات المدنية داخل المجتمع [و] بناء المجال السياسي [و] التأسيس للحرية بصفتها قيمة مركزية وجوهرية لأي انتظام عام [و] تعزيز التفكير والممارسة العقلانيين» لتحويل مشكلة الدين والدولة والمجتمع في العالم العربي من «أزمة مدمِّرة إلى جدلٍ خلَّاق».

السابق
وقطر ايضاً تحذر رعاياها!
التالي
التحرش يتمدد ويطال فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة في صيدا!