التغيير بين «الممانعة» و«المقاومة».. والوهم!

17 تشرين

خطّ التغيير وما زال، صفحات لا حصر لها من تاريخ البشر، الذي زخر بالثورات و الانتفاضات رفضاً لواقع معيّن.

تأتي مقاربة التغيير من منظور عملانيّ لتطرح على العموم إشكالية حول انطلاقته أي حول ما إذا كان ينطلق من الذات أو من خارجها بمعنى من محيطها


من الطبيعي وأيضاً البديهي، أن ينظر كلّ مجتمعٍ إلى التغيير من زاويته الخاصة، التي تتناسب مع ثقافته. كما لا يخفى وجود تناقض داخله، على مستوى هذه الرؤية، سواء كان واضحاً أو خفيّاً، نتيجة ما تنطوي عليه ثقافته العامة من ثقافات فرعية.
تأتي مقاربة التغيير من منظور عملانيّ، لتطرح ، على العموم، إشكالية حول انطلاقته، أي حول ما إذا كان ينطلق من الذات أو من خارجها ، بمعنى من محيطها.
بالرغم من أن تناول هذه الإشكالية، يلزمه الكثير من الشروحات و المقاربات المتعددة الأبعاد، إلا أن واقعنا المعاش، يفرض ضرورة التطرّق إلى مسألة التغيير، ولو بإيجاز وافٍ، نظراً لما اختبرناه وما زلنا، من أزمات تحاصر حياتنا وتهدّدها على الصعد كافة، الاجتماعي و الاقتصادي و التربوي و الصحي… بكلام أدقّ، وإزاء ما نواجهه من أزمات، يتبدّى التغيير إنقاذاً و مصيراً.
وبالعودة إلى مسألة انطلاقة التغيير، يتجلّى، بشكل أولي، مبدأ أساسيّ مؤدّاه، أنه في حال لم يكن هناك أي تحولٍ يبدأ من الذات، لا يمكن تحقيقها، أي تحقيق هذه الانطلاقة. بمعنى آخر، يشكّل تغيير الفرد لذاته، أرضية صلبة تؤسس لاحقاً لأي تغيير منشود.
تقودنا ملاحظة ما يجري في مجتمعنا ، إلى مسألة بالغة الدقة و شديدة الخطورة، تتمثل في مقاومة الفرد نفسه لتغيير ذاته أو أفكاره. وكأن هناك شيئاً كامناً و خفيّاً، يمنعه من التفلّت من واقعه الكدر والتفكير بتغييره. وهذا ما يذكّرنا بالمقاومة التي تقطع الطريق أمام التداعيات الحرّة، لمن يخضع إلى جلسات التحليل النفسي. بتعبير آخر، يجد الفرد نفسه أسيراً للخوف من تغيير ذاته. و يعود السبب في ذلك، إلى ما تلقّاه من تنشئة غرست في رأسه ما هو “لاعقلاني” و “فوضويّ” و”أسطوريّ” و “سحريّ” و “وهميّ” ، و حجّمت تفكيره و أطّرته و جعلته عاجزاً، و دفعته أخيراً إلى التكيّف القسري مع الواقع، الذي ما لبث أن تحوّل إلى تكيف آليّ من جراء التعوّد. و هذا ما يحاكي الإدمان على المخدرات، بحيث يطلق الانقطاع عنها شعوراً بالألم باللامان . بتعبير آخر، يؤدي الانقطاع عن الواقع المعتاد، إلى إطلاق الخوف عند الفرد، نتيجة الخلل الذي ينال من عملية التكيّف الآلي.

تتجلّى خطورة أخرى متمثلة في أن الفرد لا يظهر أي حاجة إلى التغيير وهو يلجأ إلى إنكارها


وتتجلّى خطورة أخرى، متمثلة في أن الفرد لا يظهر أي حاجة إلى التغيير، وهو يلجأ إلى إنكارها. و يعدّ الإنكار، وكما هو معروف، أوالية نفسية دفاعية، يستخدمها الفرد لحماية ذاته من الشعور بالقلق والخوف. وبناءً عليه ، يمكن القول أن الفرد ينكر حاجته إلى التغيير، لأن اي محاولة لذلك تطلق لديه الشعور بعدم الأمان، والخوف ممّا سيأتي.
ومن هذا المنطلق، يتبدّى العجز عن التغيير والخوف منه وهماً لا أكثر. بتعبير آخر، يتوهّم الفرد أن ما هو عليه الآن هو الأفضل، و لن يستطيع نيل ما هو “أحسن” منه. لذلك نراه يدخل في حالة جمود أو “بلوكاج” أمام فكرة التغيير، فيظهر و كأنه متسمّر أمام شاشة اللاتغيير و “مفتون” بها. كما يقبع طفل أمام شاشة التلفاز حين يشاهد فيلمه أو مسلسله المفضّل من “الكرتون”.
وإذا ما قاربنا مسألة التغيير بشكل أوسع، أي من منظور خارجي و بعيد عن العالم الداخلي للفرد، تتبدّى عوامل كثيرة نذكر منها، على سبيل المثال، ما أطلقه الانفتاح الهائل للمجتمعات على بعضها البعض، نتيجة التطور و القضايا الجيوسياسية. وحيث شكّل الانكفاء أو التموضع في اتجاه العصبيات والإيديولوجيات القومية و الدينية والإتنية، ردّة فعلّ حاسمة خوفاً على الهوية الإيديولوجية أو الدينية أو غيرهما. و تباينت بذلك المواقف التي اتخذتها المحتمعات من التغيير بحسب واقعها.
ولسنا هنا في صدد طرح العوامل الخارجية، التي تحثّ على التغيير، إلا أنه كان لا بد من اختيار انفتاح المجتمعات على بعضها البعض، كمحدّد لأنه يعكس ،أكثر فأكثر ، جدلية التغيير بين الارادة الداخلية و التأثير الخارجي.

يبدو أن “مقاومة” أو “ممانعة” التغيير تعكس إلى مدى كبير طبيعة المجتمع العاجز والسلبي نتيجة وقوعه فريسة لوَهم الخوف من التغيير


وبالعودة إلى واقعنا اللبناني، يبدو أن “مقاومة” أو “ممانعة” التغيير، تعكس إلى مدى كبير طبيعة المجتمع العاجز والسلبي، نتيجة وقوعه فريسة لوَهم الخوف من التغيير. وهنا، يفرض السؤالان الآتيان نفسهما : ماذا لو استطاع اللبناني تخليص نفسه من هذا الوهم، و ماذا لو أثبت لنفسه ولغيره أنه قادر على أن يشكّل نموذجاً أو مثالاً، أو حتى رمزاً للانتفاضة على واقع يسلب من الفرد إنسانيته؟!

السابق
خاص «جنوبية»: كارلوس غصن مجدداً امام القضاء.. بعد مذكرة توقيف فرنسية جديدة!
التالي
بالصور: رسالة مربوطة بقرني رأس ماعز من الجيش الإسرائيلي لرعاة مزارع شبعا!