حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: هل إقترب «الإتفاق الصغير» بين طهران وواشنطن؟

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

ان يصف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، المفاوضات الدائرة خلف الكواليس وبطريقة مباشرة وغير مباشرة، بين الادارة الامريكية والنظام الايراني، سواء في اروقة الامم المتحدة في نيويورك، بين روبرت مالي ومندوب ايران محمد سعيد ايرواني، او في العاصمة العمانية مسقط بين مندوبين عن واشنطن، ومسؤول ملف المفاوضات الايراني علي باقري كني، بانها مفاوضات قد “تقبل بها” تل ابيب، لانها لا تشكل اتفاقا ضخما، بل هي حسب وصفه، ستؤدي الى “اتفاق صغير” يمكن التعايش معه على العكس من اتفاق عام 2015. هذا الموقف الاسرائيلي المستجد، يأتي بعد سلسلة من المواقف التصعيدية لنتنياهو، هدد فيها الى امكانية المبادرة للقيام بعملية عسكرية بشكل منفرد، ومن دون غطاء او موافقة او حتى مشاركة امريكية، في حال عقدت واشنطن صفقة كبيرة وشاملة، حول البرنامج النووي مع طهران. 

اقتراب طهران وواشنطن من “الاتفاق الصغير” ترجم باللقاء الذي استضافته ابوظبي والذي جمع مساعد وزير الخارجية الايرانية باقري كني، مع نظرائه من دول الترويكا الاوروبية

هذا التغيير او التراجع التكتيكي في الموقف، لا يعني ان تل ابيب او نتنياهو، قد انتقل الى الجهة المؤيدة، او الموافقة على اتفاق ايراني امريكي حول النووي، بل يكشف ويؤكد في الوقت نفسه، ان ما يجري التفاوض حوله، لا يتعدى نوعا من التفاهمات المحدودة، التي تسمح بتجميد مسار التطور في الانشطة النووية الايرانية، بانتظار ما يمكن ان تسفر عنه مرحلة اختبار النوايا من نتائج، قد تأخذ الامور الى مستويات متقدمة، تتضمن مختلف الملفات الاشكالية، التي تشكل مصادر قلق لواشنطن والمجتمع الدولي، تكاد تتفق جميع الاطراف المعنية في هذه المفاوضات، ان الامور لن تذهب سريعا، باتجاه اتفاق يسمح باعادة احياء الاتفاق النووي لعام 2015، على الاقل بالنسبة للجانب الامريكي، الذي يحاول ويسعى لعقد اتفاق اوسع واكثر شمولا، لا يقتصر على الجانب النووي وانشطة تخصيب اليورانيوم، وتوسيع صالات اجهزة الطرد المركزي وتطويرها، بل يطمح لجر الجانب الايراني، لوضع البرنامج الصاروخي ودوره الاقليمي على طاولة التفاوض، والتي من المفترض ان لا تبقى بطريقة غير مباشرة، وبالتالي الانتقال الى التفاوض المباشر بحيث يساعد على تطوير هذا المسار، لبحث العلاقات الثنائية بين الطرفين، واعادة العلاقات بينهما وينهي القطيعة التاريخية.

إقرأ ايضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: الانتخابات البرلمانية الايرانية..إنما «للإنفتاح» حدود!

 ولعل المؤشر الابرز على ما يمكن تسميته اقتراب طهران وواشنطن من “الاتفاق الصغير”، هو اللقاء الذي استضافته العاصمة الاماراتية ابوظبي، والذي جمع مساعد وزير الخارجية الايرانية باقري كني، مع نظرائه من دول الترويكا الاوروبية (المانيا وفرنسا وبريطانيا) الشريكة في مجموعة 5+1، وهو لقاء من المفترض ان يؤسس لمرحلة جديدة من الحوار بين هذه الاطراف، بعد مرحلة من التصعيد الاوروبي غير المسبوق في الاشهر الاخيرة، على خلفية مركبة ترتبط بالتورط الايراني، في دعم العملية العسكرية الروسية ضد اوكرانيا، وايضا على خلفية اعمال القمع التي مارسها النظام ضد المحتجين، والحراك الشعبي الذي اندلع بعد مقتل الفتاة مهسا اميني، على يد شرطة الاخلاق في ايلول 2022. ووصلت الى حد محاولة البرلمان الاوروبي، كسر كل جسور التواصل مع طهران، عندما طرح ادراج مؤسسة حرس الثورة الاسلامية، على لائحة العقوبات وتصنيفه جماعة ارهابية.

 توزيع الوساطة بين ابوظبي مع الاوروبيين، والحرارة التي تشهدها القناة العمانية، خاصة بعد زيارة السلطان هيثم بن طارق الى طهران، وما سبقها من زيارات ايرانية الى مسقط، لم تقتر على الجانب الدبلوماسي والنووي التفاوضي، انما قد تكون اخذت  طابعا امنيا وعسكريا، في الزيارة التي قام بها مطلع هذه السنة الجنرال محمد باقري، قائد اركان القوات المسلحة، كلها تحمل على الاعتقاد، بان الاقتراب من تفاهم بات في متناول يد جميع الاطراف.

اميركا تعتمد مع ايران سياسة النفط مقابل الغذاء عبر وضع الارصدة الايرانية المجمدة في بنك عمان المركزي ومنه تسدد المشتريات الايرانية!

واذا ما كان الجدل حول ابعاد هذا “الاتفاق الصغير”، تدور حول بنود محددة، تشمل تبادل المعتقلين في السجون الايرانية من حاملي الجنسية الامريكية، مقابل ان ترفع واشنطن الحظر، عن بعض الارصدة المالية الايرانية المجمدة في البنوك الخارجية، خاصة في العراق وكوريا، وبغض النظر عن حجمها، فانها لن تذهب الى طهران مباشرة، بل ستوضع في حساب البنك المركزي العماني، الذي سيتولى مهمة تسديد بدل المشتريات الايرانية، من دواء وغذاء من الاسواق العالمية، وهو اجراء يعيد الى الذاكرة، آلية النفط مقابل الغذاء، التي فرضت على العراق خلال تسعينيات القرن الماضي عندما كان محاصرا, في المقابل، من المفترض ان تعمد الى عدة خطوات، تتعلق بالانشطة النووية، في مقدمها وقف عمليات التخصيب في مستويات 60 في المئة، بالاضافة الى توسيع تعاونها مع الوكالة الدولية، والسماح بمزيد من عمليات التفتيش، وتوسيع دائرتها بحيث تشمل كل المنشآت المشكوك بها. هذه الصيغة من التفاهم بين الطرفين، الايراني والامريكي، والتي تحظى بقبول من الاطراف الاخرى، تسمح لكلا الطرفين الخروج من مأزق السقوف العالية، التي وضعاها كشرط لاعادة التفاوض.

السلطة الايرانية تخدر معارضي الاتفاق: بالقول انها تسعى الى عقد اتفاق بأقل قدر من التنازلات وافضل واكثر انصافا للحقوق الايرانية

وفي هذا السياق يشكل كلام المرشد الاعلى للنظام السيد علي حامنئي، مؤشرا واضحا على جدية ورغبة ايران في اتمام هذه الصفقة، والتفرغ لاعادة ترميم اقتصادها المأزوم، وايضا تعطيها فرصة للمناورة تحت السقف، الذي وضعه المرشد الذي اكد رفضه لاي اتفاق، يؤدي الى تكرار تجربة عام 2015، والتي الزمت طهران بتفكيك اجهزة الطرد المركزي، وتخريب بعض المنشآت كمفاعل اراك للماء الثقيل، خاصة وان الحكومات الايرانية، ملزمة قانونا وبناء على ما اقره البرلمان اواخر عام 2021، بالعمل على تطوير الانشطة النووية السلمية. هذه الضيغة او الالية للتفاهم، تسمح للنظام وقوى الدولة العميقة فيه، ان تبتعد عن دائرة الحرج الداخلي، وان لا تذهب الى اتفاق شامل لا يتضمن شروطا اعلى سقفا، من الشروط التي تضمنها اتفاق 2015، خاصة وان احد اهم ما يدعيه المعارضون لهذا الاتفاق، انهم يسعون لعقد اتفاق بأقل قدر من التنازلات وافضل واكثر انصافا للحقوق الايرانية.

السابق
الرئاسة على طاولة «التفاوض الدولي»..وخلاف حكومي «شرس» على التعيينات الأمنية!
التالي
قوارب الموت تفجع السوريين مرة جديدة..فقدان 141 مهاجراً قبالة اليونان!