حسن فحص يكتب ل«جنوبية»: عندما تقدم المعارضة الايرانية «خدمات إسرائيلية»!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

قد يكون النظام الايراني من اكثر الانظمة محل حسد، لان لديه معارضة تتبرع بتقديم خدمات مجانية له، في اشد الاوقات صعوبة وتعقيدا، ومن المفتنرض به ان يكون حريصا، وهو كذلك، على بقاء هذا المعارضة واستمراريتها، خاصة عندما تهب لنجدته، وتقدم له المسوغات للاعمال والاجراءات وعمليات القمع والتضييق، التي يمارسها ضد خصومه في الداخل.

هذه المعارضة جعلت النظام الايراني يعيش حالة من الارتياح الشديد

هذه المعارضة، جعلت النظام الايراني يعيش حالة من الارتياح الشديد، من الخطوة التي قام بها نجل الشاه السابق رضا محمد بهلوي بزيارة تل ابيب، للمشاركة باحتفالات ذكرى الهولوكوست، واللقاء مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والصلاة الى حائط البراق، لانها – اي هذه الزيارة – قدمت لطهران خدمة مجانية، لتأكيد روايتها عن المعارضة الايرانية، الساعية للاطاحة وتغيير النظام الاسلامي، خاصة وان اجهزة النظام والدولة، دأبت على اتهام المعارضة، بالعمل والتنسيق والتآمر مع اسرائيل، لضرب النظام وتقسيم ايران، من خلال اللعب على العصبيات القومية، وتفتيت المكونات الايرانية الى شعوب تسعى للانفصال والانقسام.

في الشكل، تأتي زيارة رضا بهلوي في توقيت دقيق، وبعد سلسلة تحركات قام بها الاخير، لتكريس او فرض نفسه زعيما لكل حركات المعارضة للنظام في الخارج، والتي دفعته لتقديم تنازلات امام المعارضة الانفصالية وتحديدا الكردية، المتهمة اساسا بتنفيذ اجندة اسرائيلية ضد النظام، وهي خطوة اثارت استياء والدته الامبراطورة فرح ديبا، التي لم تتردد في اعلان موقفها السلبي، من الخطوات التي يقوم بها نجلها، من اجل تقديم نفسه كمركز ونقطة التقاء وتجمع لمعارضة الخارج، واستعادة موقعه واعادة احياء الملكية من جديد على حساب النظام الاسلامي.

تأتي زيارة رضا بهلوي في توقيت دقيق وبعد سلسلة تحركات قام بها الاخير لتكريس او فرض نفسه زعيما لكل حركات المعارضة للنظام في الخارج

الاستقبال الذي حظي به بهلوي في تل ابيب، كشف عن مستوى النظرة التي تتعامل بها اسرائيل مع هذا الضيف، والدور والهدف المطلوب منه في معركتها مع طهران، وهي نظرة لا تتجاوز مفهوم الاداة التي تستخدمها، بانتظار انتهاء الفائدة منها، اي استنزافها، ومن ثم البحث عن اداة اخرى، اذا لم تستطع التوصل الى حلول مع طهران، تكون قادرة على الحد من مصادر القلق الوجودي، الذي يشكله التهديد والتحدي الايراني في الداخل وفي الاقليم على حد سواء.

لم تكلف الحكومة الاسرائيلية نفسها، عناء توفير آلية دبلوماسية تعترف بموقع الضيف، والرهان على مستقبله السياسي، واوكلت مهمة استقباله لوزيرة الاستخبارات والامن في الحكومة، امعانا في الدلالة على الجهة التي يرتبط هذا الضيف، من دون الحرص على منحه اي صفة او اعتبار دبلوماسي ورسمي، من خلال تكليف وزارة الخارجية في ذلك.

ثم ان اللقاء الذي جمعه مع نتنياهو في مبنى المحرقة التذكاري، يبدو انه جرى في “المطبخ” او مكان خدمة الضيوف، وكان بعيدا عن اي بروتوكولات، وهو اجراء يوحي بعدم جدية الطرف الاسرائيلي، في اعطاء هذه الزيارة بعدا اكثر مما تحتمل، اي ان الضيف لا يمثل مشروعا اسرائيليا ليكون بديلا عن النظام في طهران، وان تل ابيب تسعى من وراء الدعم الذي تقدمه لجماعات المعارضة، وحتى لنجل الشاه، ايصال رسائل لطهران ومسؤوليها، بانها تملك نفوذا داخل هذه الجماعات، وقادرة على استخدام هذه الاذرع، على غرار ما تفعل طهران مع اذرعها في الاقليم وداخل فلسطين.

وعلى الرغم من الجدل الداخلي، بين اقطاب النظام والمجتمع السياسي الايراني، حول مآلات استمرار العداء مع اسرائيل، والاثمان والكلفة الباهضة التي تدفعها ايران والشعب الايراني، جراء سياسة العداء المعلنة، الا انه جدل بيقى داخل البيت الايراني، ويرعاه وينظمه النظام ومؤسساته، لان العداء بين طهران وتل ابيب عداء وظيفي، قد يتنهي او يتراجع الى حالة من المساكنة، بعد ان يتمكن كلا الطرفين من رسم حدود وابعاد حصصه ودائرة نفوذه في الاقليم، من دون الاخذ بعين الاعتبار لمصالح دول هذه المنطقة وشعوبها، واستمرار امنها والاثار السلبية.

البراغماتية العقائدية والقادرة على تليين حدة الايديولوجيا باستطاعتها التسويق لرواية السلطة متى ما اقتضت المصالح احداث تحول جوهري في المواقف

وفي هذا السياق، لا يعاني اي متابع كثير عناء، لمعرفة حقيقة الموقف الايراني من هذا العداء مع تل ابيب، وعلى الرغم من البعد الايديولوجي والعقائدي الذي اتصف به هذا العداء، والمسار التراكمي الذي بدأ منذ انتصار الثورة عام 1978، الا ان البراغماتية العقائدية والقادرة على تليين حدة الايديولوجيا، باستطاعتها التسويق لرواية السلطة، متى ما اقتضت المصالح احداث تحول جوهري في المواقف. من هنا لا تستبعد او لا تسقط منظومة السلطة من احتمالاتها او تصوراتها، امكانية الذهاب الى نوع من المساكنة والمسالمة بين ايران الاسلامية واسرائيل الصهيونية، الا انها ترى ان هذا المسار قد يستغرق وقتا، بحيث تكون تل ابيب، مطالبة بتغيير سلوكها اتجاه ايران ومصالحها اولا، وحلفاء ايران ومصالحهم في الاقليم ثانيا، في مقابل ان تعمد هي ايضا لاعتماد هذا السلوك. ولا تعتقد هذه الاوساط القريبة من موقع القرار ان هذا المسار سيكون سريعا، بل قد يستغرق بعضا من الوقت او السنوات، يمارس خلاله الطرفان، اختبار نوايا وجدية بعضهما البعض الاخر، في الانتقال الى مرحلة جديدة على طريق هذا التعايش.

ان يذهب النظام الى تسوية او تسويات مع اي طرف اقليمي، سواء عربي او تركي او اسرائيلي، فهو يذهب اليه وله من منطلق المصالح الاستراتيجية او الوطنية او مصالح بقائه واستقراره والضرورات الموضوعية الجيوسراتيجية او الجيوسياسية، وعندها تسقط كل الابعاد او المحددات الايديولوجية والعقائدية، لان دورها سيكون وظيفيا. وقد سبق ان ذهب النظام عام 1988، الى سلام مع نظام صدام حسين، بعد حرب استمرت 8 سنوات، وعداء ايديولوجي عميق، كان الموقف في طهران حينها يأخذ بعد غيبيا وإلهيا. والامر نفسه ينطبق الى حد كبير، في التعامل مع الموضوع الاسرائيلي. اما ان يذهب معارض ايراني الى من يعتبره النظام عدوا في هذه المرحلة، فهذا ما لا يمكن ان يترجم، خوفا او يفرض على النظام اعادة حساباته، في التعامل مع المعارضة او التحديات والتهديدات الخارجية. فما فعله بهلوي ليس سوى محاولة لردم هوة، عمرها اكثر من اربعين عاما من الغياب والتغيب الاختياري، لادراكه العجز الموضوعي الذي يعاني منه في تقديم مشروع بديل للنظام القائم، على غرار ما فعل قبله زعيم منظمة مجاهدي خلق مسعود رجوي، حين تحالف مع صدام حسين، وشارك الى جانبه في الحرب ضد ايران والنظام، ما جعله على المستوى الشعبي مصنفا عدوا للايرانيين، وليس فقط للنظام والسلطة ورجال الدين. وقد لا تبتعد حالة بهلوي عن رجوي في الذهاب الى تل ابيب، اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه اسرائيل في محاصرة ايران اقتصاديا وسياسيا، وتضعها دائما في دائرة التهديد، فهذا السلوك الاسرائيلي قادر على اعادة ترميم الموقف الشعبي للنظام، امام الاستهداف الداخلي وتحويل اي حليف ايراني لاسرائيل عدوا.

ما فعله بهلوي ليس سوى محاولة لردم هوة عمرها اكثر من اربعين عاما من الغياب والتغيب الاختياري لادراكه العجز الموضوعي الذي يعاني منه في تقديم مشروع بديل للنظام القائم

وقد حدث ان سألت احد السياسيين والمفكرين الايرانيين بعد خروجه باجازة قصيرة من السجن، وكان الكلام حينها يدور عن امكانية حصول هجوم او ضربة امريكية لايران، على خلفية البرنامج النووي وحرب 2006 في لبنان، فما كان منه ان قال متناسيا انه سجين هذا النظام بسبب افكاره ومعارضته “انا على استعداد لاذهب الى الحرب واخسر اذني الثانية بعد ان خسرت الاذن الاولى في حرب صدام”.

السابق
الحلبي يبحث موضوع الامتحانات الرسمية.. ما مصيرها؟
التالي
الاتفاق السعودي الايراني.. مقاربة جديدة للمنطقة العربية والشرق أوسطية