حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: بعد التوقيع في بكين.. هل تهب العاصفة بعد شهرين؟!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

لم تكن مهلة الشهرين للانتقال الى الخطوة الحاسمة، وتتويج الاتفاق الموقع بين السعودية وايران برعاية صينية، باعادة استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات والقنصليات في كلا البلدين، من باب لزوم ما يلزم، بل من باب اختبار النوايا والوقوف على جدّية كل طرف، ومدى التزامه بالتفاهمات الممهدة للاتفاق الذي تم التوقيع عليه. 

من المفترض ان يتضمن قيام كل طرف بتفكيك ادوات التوتر المباشر

يمكن وصف هذه المهلة او فرصة الشهرين التي اتفق عليها الطرفان، بانها “خارطة طريق” من المفترض ان تسير في خطين متوازيين، وما فيهما من تعهدات وخطوات واجراءات، من المفترض ان يقوم بها كل طرف، بحيث يساعد على تعزيز الثقة والنوايا الجدية من اجل حلّ الخلافات والوصول الى النتيجة المستهدفة، عند المرحلة النهائية المقررة في اعادة تطبيع العلاقات. فعلى الخط الاول، من المفترض ان يتضمن قيام كل طرف بتفكيك ادوات التوتر المباشر، وتشكل ابرز الهواجس الامنية والاستراتيجية التي استخدمها كلا الطرفين في المرحلة السابقة، لتوجيه رسائل تعتبر تهديداً للامن القومي والوطني، في سياق المعركة المفتوحة بينهما. 

إقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: إيران بين المعارضة «المتعارضة» والنظام المأزوم!

وتحتل الازمة اليمنية اولوية واضحة في الرؤية السعودية لاهداف هذا الاتفاق، وهي تطالب الجانب الايراني بلعب دور واضح في المساعدة بوضعها على سكة الحل النهائي، وان توظف وتستخدم التأثير الكبير الذي تمتلكه على جماعة الحوثي، لتسهيل عملية التوصل الى اتفاق سلام واطلاق عملية حوار يمني – يمني، والمشاركة في ترتيب مستقبل دور اليمن في المعادلات الاقليمية، ومنع تحوله الى مصدر تهديد لأمن امدادات الطاقة والتجارة العالمية، انطلاقا من موقعه الجيوسياسي المشرف على باب المندب، الرابط بين البحر الاحمر والمحيط الهندي وبحر العرب. 

الجانب الايراني ينتظر من نظيره السعودي، خطوات عملية مقابلة

وقد لا يكون من باب الصدفة، التزامن بين الاعلان عن الاتفاق السعودي الايراني، وانطلاق المفاوضات بين الاطراف اليمنية في جنيف حول الاسرى والمعتقلين برعاية الامم المتحدة، والتي تستمر لاحد عشر يوماً، اذ من الممكن ان يكون الاعلان عن هذه المفاوضات ترجمة عملية لاولى الخطوات، على طريق تنفيذ الملاحق التفصيلية والتطبيقية لاتفاق بكين. في المقابل، فان الجانب الايراني ينتظر من نظيره السعودي، خطوات عملية مقابلة، وقد تكون محصورة في هذه المرحلة، بالاتهامات الايرانية للسعودية بدعم جماعات ايرانية معارضة، لعبت دوراً اساسياً في الاحداث الاخيرة التي شهدتها ايران، بعد اندلاع التظاهرات في ايلول الماضي، على اثر مقتل الفتاة مهسا اميني. وهنا، يتوقف الجانب الايراني على ما يعتبره دعما سعودياً، لجماعة مجاهدي خلق والجماعات الكردية الانفصالية، وجماعة جيش العدل البلوشي. 

ومن المطالب التي تضعها ايران على طاولة التفاوض، وتشكل جانباً من خارطة الطريق، ما يتعلق بالنشاط الاعلامي الذي تقوم به المؤسسات الاعلامية، التابعة او المموّلة من الجانب السعودي، او تلك التي تصنفها ايران في خانة الاعلام السعودي، مثل قناة ايران انترناشيونال، وضرورة وقف الحملات الاعلامية لهذه الوسائل، فضلا عن مطلب تفكيك قناة ايران انترنشيونال، التي بدأت بالانتقال من بريطانيا الى امريكا في الاسابيع الاخيرة.

 والتركيز الايراني على وسائل الاعلام، باعتبارها احدى ادوات المعركة، في الهجوم الذي تعرضت له في الاشهر الماضية خلال الحراك الشعبي الاعتراضي، وما لمسته منظومة السلطة في ايران، من دور فاعل ومؤثر لهذه الوسائل الاعلامية على الموقف الداخلي، في ظل عجز الاعلام الرسمي على تقديم سردية مقنعة ومقبولة من الشارع والمواطن الايراني. 

اما الخط الثاني الذي من المفترض ان يكون احد نتائج اتفاق بكين، يتعلق ويدور حول محور ازمة الثقة والعلاقة بين ايران والولايات المتحدة الامريكية، ومدى استجابة طهران لطمأنة المجتمع الدولي حول انشطتها النووية، خاصة في مدى التزامها بالتفاهم الموقع في الاسابيع الماضية، بينها وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي تم التوصل اليه في زيارة مدير الوكالة رافايل غروسي الى ايران. 

واذا ما كانت الرياض تنظر الى التعاون الايراني مع المجتمع الدولي في الموضوع النووي، مدخلاً اساسياً يساعد على تكريس وتثبيت الاتفاقيات الثنائية، وتكفيك مصادر القلق وتقليق الهواجس، فان طهران ايضا تدفع باتجاه تسريع كسر الجمود القائم والمسيطر على هذا المسار، وقد ابدت على لسان اكثر من شخصية مسؤولة في النظام، رغبتها في العودة الى طاولة التفاوض، وتحديدا مع الولايات المتحدة الامريكية.

يبدو ان الادارة الامريكية، لا ترسل مؤشرات على امكانية الانتقال السريع الى مسار التفاوض النووي، وانها تدفع باتجاه تفكيك طاولة التفاوض الى عدة طاولات

في المقابل، يبدو ان الادارة الامريكية، لا ترسل مؤشرات على امكانية الانتقال السريع الى مسار التفاوض النووي، وانها تدفع باتجاه تفكيك طاولة التفاوض الى عدة طاولات، ومن المتوقع ان تشهد المرحلة المقبلة او الشهرين المقبلين، حراكاً واضحاً على خط التفاوض بين واشنطن وطهران حول ازمة المعتقلين لدى الطرفين، وان هذا الملف يعتبر الحلقة الاسهل في امكانية التوصل الى نتائج حوله، ويسمح لايران بالحصول في المقابل على قرار امريكي، بتحرير بعض اموالها المجمدة في اكثر من دولة، ولعل الضوء الاخضر الذي منحته واشنطن للعاصمة العراقية بغداد، باطلاق نحو نصف مليار دولار من الاموال الايرانية، التي تقول طهران انها اصبحت في حدود 18 مليار دولار، مؤشر ايجابي على المغريات الامريكية لايران لاتخاذ خطوة حاسمة باتجاه طاولة التفاوض.

والخيار الامريكي بالذهاب الى تعدد طاولات الحوار مع طهران، يترك باب العودة الى الدبلوماسية مفتوحاً، ويسمح للادارة الامريكية في تكثيف جهودها لضبط ردّ الفعل الاسرائيلي الرافض لاي تسوية، تسمح لايران بالاحتفاظ بقدراتها النووية المتقدمة، ويهدد باللجوء الى عمل عسكري منفرد ضد المنشآت النووية الايرانية، بغض النظر عن تداعياتها على المنطقة التي لا ترغب فيها واشنطن، خاصة وان مستوى التصعيد الاسرائيلي قد يتصاعد في المرحلة المقبلة، نتيجة ما تشعر به من صدمة بسبب الاتفاق السعودي الايراني، الذي احبط مشروع تل أبيب، في بناء تحالف اقليمي في مواجهة ايران وطموحاتها.

السابق
رحيل الممثل إغناسيو لوبيز تارسو.. أسطورة السينما المكسيكية والعالمية!
التالي
استفسارات عن بلدية الخيام قبيل الإنتخابات!