تمجيد العنف «إقصاء» العدالة…

القضاء المحكمة الجعفرية

التستّر على العنف يغذي الأوهام التي تدفع بالفرد إلى الشعور بالخزي والضعف، سيّما في حال اعتقد أنه لم ينل حقّه كضحية. كما يولّد لديه نزعة ثأر تصبح مع الوقت، نهجاً معتمدا لديه في مسار حياته. و يعدّ التعمّد في التستّر على العنف و طمس فعله، استراتيجية أو سياسة مزدوجة الغاية. تتمثّل الغاية الأولى في حماية المجرم، و تكمن الثانية في دفع الضحية إلى الثأر لتصبح بعد ذلك المجرِم بسبب لجوئها إلى “العنف”. وفي هذه الحال، تنقلب الآية، ويصبح المجرم ضحية، وتتحوّل الضحية إلى مجرمٍ. و يصبّ كلّ هذا ، من دون أدنى شك، في مصلحة “مافيات” أو “زمر” سياسية تعمل على رهن المجتمع أو حتى البلد ، و تتحكّم بمصيره، و تقود شعبه إلى هلاك مؤكّد لصالح حسابات هي بعيدة كل البعد عن المصالح المشروعة والوطنية.
وتتبدّى المسألة الأكثر خطورة، في أن من يستبيح العدالة و ينتهكها يصبح هو نفسه منقذاً أو بطلاً في نظر من يؤيده أو يواليه. و يعدّ هذا مآلاً طبيعياً لعملية “أدلجة” منظّمة عمدت إلى تكريس ثقافة العنف. و إذا ما لاحظنا أكثر هذه المسألة، سنجد أن تجذّر هذه الثقافة، كان قد سبقه مسار طويل من غرس الشعور بالاضطهاد وكراهية الآخر في نفوس الأفراد، ليمهّد بعد ذلك إلى جعلهم عدوانيين و عنيفين.
من الطبيعي أن يؤدي التستّر على العنف إلى إزالة الطابع الإجرامي عنه، ليصار إلى “تبييضه” بهدف شرعنته. كما هي الحال في عملية “تبييض الأموال”. بمعنى آخر، يتاح للعنف غير المشروع فرصة لتبرير وجوده. كما يأتي اضفاء صفة القدسية عليه ليشكّل التهديد الأكبر للمجتمع. وفي هذه الحال تسقط صفة الجريمة عن المجرم، و يتحول بذلك إلى منقذ و بطل و حتى منتصر. وما يبدو جليّاً أن هناك سياسة خبيثة تتعمّد إعطاء هوية خاطئة للعدالة و صورة مشوّهة عنها لكي تفقدها مضمونها الحقيقي و تفرّغها من وظيفيتها المتمثّلة، أولاً و أخيراً، في تجذرّ الحق و إحقاقه ليصار بعد ذلك إلى تكريس الوعي الحقوقي والقيمة الانسانية في المجتمع.
وإذا ما قاربنا تكريس ثقافة العنف من منظور نفسيّ، لوجدنا أن اللاوعي يشكّل مادة دسمة تدخل في صناعتها. بحيث يتمّ توظيف كلّ ما يحويه من رواسب راكمتها تنشئة مجتمعية متخلفة استدخلت قيم العنف والاستقواء على الآخر في نفوس أفرادها و غذّت أوهامها وصولاً إلى تمجيدها، وذلك في سبيل تحويل هؤلاء إلى “آلات” قتل ونبذ.
وفيما يتعلّق بالعدالة، فمن الملاحظ أن هناك سياسة مقصودة تسعى إلى إسقاط المعنى الواقعي عنها، أي إلى إنكار وجودها في الواقع، و ربطها فقط “بالسماء”. بمعنى آخر، إن العدالة الوحيدة الموجودة هي فقط عدالة السماء. و يؤدي ذلك ،حكماً، إلى احباط لدى الأفراد فبدلاً من أعطائهم الدافع للمطالبة بها والسعي الى تحقيقها، فعليهم انتظار السماء لتعوّضهم عن الظلم الذي لحق بهم!….
ويؤدي المشهد السياسي، أحياناً كثيرة، و بحسب ما تقتضيه مصلحة واضعي سيناريوهاته أو مخرجيه، دوره الرئيسيّ في طمس العدالة “مفاهيمياً” و القضاء عليها “ممارسةً”. و حتى و إن وجد هؤلاء أنفسهم مكرَهين على المجاهرة بالعدالة، فإنهم يطرحونها من في سياق يتناسب فقط و إيديولوجيتهم اي تحويلها الى مفهوم خاص بفئة او جماعة وليس مفهوما عاما يعني المجتمع او الشعب. و من هذا المنطلق، تتحوّل السياسة من حاضنة للعدالة إلى “قاتلة” لها.
وبما أن العدالة تعدّ قيمة اجتماعية، فإن مقاربتها تطرح أيضاً تناولها على المستوى الفردي. من الملاحظ أن العدالة تكتمل في الفرد نفسه قبل المؤسسات. و يعود السبب في ذلك إلى تلقّيه تنشئة تعلي من شأنها و تعزّز قيمها. لذلك نراه لا يسعى فقط، إلى إظهارها ، وإنما أيضاً إلى توكيد ذاته بهدف تكريسها. ومما لا شك فيه، تؤّدي التنشئة القائمة على العدالة و احترام الاختلاف مع الآخر و السلام دوراً رئيسياً في بناء شخصية سويّة . بينما تحوّل التنشئة القائمة على تمجيد العنف أفرادها إلى عدوانيين و أيضاً “لا أسوياء” على المستوى النفسي.
يعدّ تمجيد قيمّ العنف نهجاً يحاول تكريسه رجال دين أو ساسة تمادوا في انتهاك القيم الانسانية و تمعّنوا في “تسخيفها” في عقول مواليهم و إفراغها من جوهرها في سبيل إضعاف ثقتهم فيها و تعزيز تماهيهم مع أنماط عنفية لتحويلهم إلى “مجرمين”.

أخيراً، تتبدّى خطورة تكريس ثقافة العنف في كونها تعيد احياء ما يسمّى “بشريعة الغاب” بعد القضاء على وعي المجتمعات سواء تمّ ذلك باسم السياسة أو الدين أو الاثنين معاً. و يعود السبب في ذلك إلى كونهما يشكلان أرضية خصبة لابتكار التحليلات و التأويلات، أو الفتاوى التي تبدع في إقصاء المنطق وتقويضه.

السابق
بعد تحرك البيطار.. هذا ما طلبته السفارة الاميركية من السلطات اللبنانية!
التالي
عام على «تعليق» الحريري.. قراءة في الأخطاء والخطايا و«حسن النية»!