دخل التاريخ مرتين عند انتخابه واستقالته..وفاة البابا بنديكت السادس عشر «المحبوب والمثير للجدل»!

بعد صراع مع المرض، توفي اليوم البابا السابق بنديكت السادس عشر عن 95 عاماً، وهو الذي دخل التاريخ مرتين: عندما أصبح أول بابا ألماني منذ وفاة أدريان السادس وعندما قدم استقالته المفاجأة. كان يحظى بشعبية ومحط جدل وانتقاد أيضا.

واعلن مدير الإعلام لدى الكرسي الرسولي في الفاتيكان ماتيو بروني ان البابا المستقيل الألماني بنديكت السادس عشر  الذي فاجأ تنحيه العالم بأسره عام 2013، توفي صباح السبت عن 95 عاما.

وقال في بيان “يؤسفني أن أعلن أن البابا توفي اليوم عند الساعة 9,34 في دير في الفاتيكان. وسيتم الإعلان عن مزيد من المعلومات في أقرب وقت ممكن”.

وفي عام 2005 أصبح “يوزف أَلويسيوس راتسينغر” أول ألماني يجلس على الكرسي البابوي بعد نحو خمسة قرون من وفاة البابا أدريان السادس، آخر بابا ألماني على رأس الكنيسة الكاثوليكية، والذي توفي عام 1523. لكن راتسينغر استقال في الـ 28 من فبراير/ شباط 2013، ليدخل التاريخ بذلك أيضا. وخلال فترة “بابويته” كان يؤكد دائما على الحاجة إلى العقل والروحانية، وأهمية الكنيسة الكاثوليكية في عالم مستنير حديث.

تولى يوزف راتسينغر منصبه وأصبح بابا الكنيسة الكاثوليكية بعد مرور 60 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية والهولوكوست والقضاء على النظام النازي في ألمانيا. وعلاوة على ذلك ينحدر البابا بنديكت السادس عشر من بلد مارتن لوثر، الذي قسم الكنيسة الغربية. كما ألقت فضائح الكنيسة الكاثوليكية بظلالها على فترة ولايته.

بعد يومين من المداولات انتخب مجلس الكرادلة يوزف راتسينغر، صاحب الـ 78 عاما، ليجلس على الكرسي الرسولي ويصبح بابا الفاتيكان الجديد خلفا للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني. خرج راتسينغر إلى شرفة كنيسة القديس بطرس في روما في التاسع عشر من أبريل/ نيسان 2005 ليعلن انتخابه ويقول للمحتشدين في ساحة الكنيسة “لقد انتخبني الكرادلة، أنا عامل بسيط متواضع في كرمة الرب”.

كاهن.. أستاذ جامعي.. بابا

بنديكت السادس عشر كان شخصية محافظة، ومع ذلك فاجأ أتباعه ومنتقديه إلى حد كبير، لأنه كان شديد التقوى وحريصا على التعلم. وبما أنه كان دائما يشدد على أهمية رعاية الكهنة، شعر بالانزعاج من الأزمات العديدة التي عصفت بالكنيسة الكاثوليكية أثناء جلوسه على كرسي البابا.

ولد يوزف أَلويسيوس راتسينغر لعائلة متدينة في السادس عشر من أبريل/ نيسان عام 1927 في بلدة ماركت بولاية بافاريا جنوب ألمانيا، حيث كان والده شرطيا. وفي عام 1944 حينما كان في السابعة عشرة من عمره أجبر على الالتحاق بالجيش. وبعد انتهاء الحرب التحق بالجامعة لدراسة اللاهوت مثل شقيقه الأكبر منه بثلاث سنوات غيورغ. وكلاهما تم ترسيمهما كاهنين عام 1951.

في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي أصبح يوزف راتسينغر أستاذا في علم اللاهوت ويحظى باحترام كبير. وبعد أن أصبح قريبا من رئيس أساقفة كولونيا، يوزف ريشارد فريننغز، شارك البروفسور راتسينغر في مجلس الفاتيكان الثاني بين عامي 1962 و1965 والذي تولى العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم الحديث.

إقرأ ايضاً: 2023..«وباء الفراغ» ينتشر و«اللاءات» تتكاثر!

الاحتجاجات الطلابية عام 1968 أثرت على راتسينغر بشكل كبير، فبعد التفكير في مزيد من الأفكار الإصلاحية، عاد إلى قراءة أكثر تقليدية للكاثوليكية. في عام 1977 تم تعيينه رئيسا لأساقفة ميونيخ وفرايزينغ وبعد ذلك بمدة قصيرة ارتقى إلى كاردِينال.

وبعد نحو أربع سنوات استدعاه البابا يوحنا بولس الثاني إلى روما ليتولى منصب رئيس مجمع عقيدة الإيمان. وكان يميل إلى اتخاذ مواقف محافظة متشددة حين يتعلق الأمر بتعاليم الكنيسة وقضايا تتعلق بالإصلاح مثل دور المرأة والمسكونية.

بهجة الكاثوليك في ألمانيا

ابتهج واحتفل الكاثوليك في ألمانيا لانتخاب يوزف راتسينغر بابا للفاتيكان عام 2005، وعنونت صحيفة بيلد الشعبية الواسعة الانتشار صفحتها الأولى بما يعني حرفيا “نحن البابا”، وهو ما يفهم من معناه أيضا “البابا منّا نحن” الألمان. لكن كانت هناك انتقادات أيضا لانتخاب راتسينغر، حيث رأى البعض أنه متقدم جدا في السن ليتربع على الكرسي الرسولي، فيما شعر آخرون بالقلق من أن خطه المحافظ سيعيق دفع عملية الإصلاح إلى الأمام.

من الناحية السياسية، كانت فترة ولاية البابا بنديكت السادس عشر التي دامت ثماني سنوات، مرحلة انتقالية. ولكنه كان يتجاوز دور المرحلة الانتقالية ويسعى لترك بصمته الخاصة. كما عين أكثر من نصف الكرادلة الذين انتخبوا خلفه، البابا فرانسيس، في مارس/ آذار 2013.

كان البابا بنديكت السادس عشر يدعو دائما إلى حوار حيوي بين الدين والمجتمع الحديث. كان أول بابا يجري مقابلة تلفزيونية، وكان ينشر أفكاره عبر تغريدات على تويتر والكتب والمحاضرات. وجادل بأن المفهوم الوضعي للعقل والقانون لا يكفي، فهو على حساب الإنسان، وأكد أن “الله ليس شيئا غير منطقي يتعارض مع العقل”. وأصر على أن التدين يجب ألا ينحصر في الحياة الشخصية فقط.

وكثيرا ما كان يكرر إيمانه بأن الكنيسة الكاثوليكية يجب أن تقود العالم المسيحي، وهو ما كان ذلك يزعج البروتستانت. ولم يبذل أي جهود للتقارب بين الكنيستين.

كما تعرض بنديكت السادس عشر للانتقاد بسبب مساعيه لإعادة دمج أخوية القديس بيوس العاشر المحافظة جدا في الكنيسة، بدافع الخوف من تعميق الشرخ في الكنيسة الكاثوليكية. لكن مساعيه تلك فشلت بنهاية المطاف في إعادة هؤلاء. كما رحب بالإنجيليين، الذين أداروا ظهرهم لكنيستهم بسبب رسامة النساء. بالإضافة إلى ذلك حافظ على علاقات وثيقة مع الكنيسة الأرثوذكسية.

لكن علاقاته مع الديانات الأخرى كانت أحيانا متوترة، فعلى سبيل المثال محاضرته التي ألقاها عام 2006 في ريغنسبورغ في ألمانيا وتضمنت  اقتباسات خاطئة عن الإسلام، أثارت غضب كثيرين في العالم الإسلامي . لكنه فيما بعد  دعم الحوار بين رجال الدين المسيحيين والمسلمين .

“مصيبة” الاعتداء الجنسي

كما أن فضيحة  التستر على الاعتداءات الجنسية على القاصرين من قبل رجال الكنيسية لعقود في العديد من البلدان مثل إيرلندا والولايات المتحدة وأستراليا وبلجيكيا وحتى ألمانيا، ألقت بظلالها الثقيلة على فترة ولاية بنديكت السادس عشر. وقد اتهم المنتقدون الكنيسة بالابتعاد عن العدالة عبر الاكتفاء بنقل الجناة والتستر على جرائمهم.

وحتى البابا نفسه حاول أن يلقي الضوء على هذا الظلم ويمد يده للضحايا السابقين، حيث التقى بعضهم على انفراد في الخارج. ووصف الاعتداءات الجنسية بـ “المصيبة” وقال إنها سببت “ألما كبيرا”. كما فرض بعد ذلك إرشادات أكثر صرامة لتدريب الكهنة.

وبعد استقالته تم الكشف عن المزيد من حالات الاعتداء الجنسي في الكنيسة الكاثوليكية، وهو ما دفع خليفته البابا فرانسيس إلى عقد قمة في الفاتيكان في فبراير/ شباط 2019 لمعالجة المشكلة.

وفي عام 2012 هزت تسريبات الفاتيكان الكنيسة الكاثوليكية، حيث سرب باولو غابريلي، كبير الخدم الشخصيين للبابا وثائق وأوراق سرية تتعلق بالبابا ومقربين منه. وتم سجنه إثر ذلك لفترة وجيزة ثم جرى الإفراج عنه بعدما عفا عنه البابا.

فاجأ البابا بنديكت السادس عشر العالم بتقديم استقالته  عام 2013، وهو ما أحدث صدمة لدى الكثيرين من الكاثوليك حول العالم. فرغم أنه كان يبدو منهكا في الأشهر الأخيرة حيث كان قد بلغ الخامسة والثمانين، كان معظم الناس يتوقعون أن يبقى في منصبه حتى آخر حياته كما فعل سابقوه.

وفي آخر يوم له كبابا غادر الفاتيكان على متن مروحية بيضاء، حيث تم نقله إلى القصر البابوي في قلعة غاندولفو.

وبعد شهرين، عاد إلى روما حيث انتقل إلى دير بسيط على حافة حدائق الفاتيكان. في العام التالي شارك في العديد من القداديس الكبيرة التي أقيمت في كاتدرائية القديس بطرس وساحتها. ومن حين لآخر كان يُجري مقابلات أو يلقي محاضرات.

تناولت المقالات التي نشرها في أعوام 2018 و 2019 و 2020 المناقشات الجارية في الكنيسة وأثارت حفيظة البعض. ففي إحدى المقالات مثلا أشار إلى أن حركة الاحتجاج الطلابية عام 1968 أدت إلى تحرر من القيم الأخلاقية، معتبرها مسؤولة جزئيا عن حالات الاعتداء الجنسي في الكنيسة الكاثوليكية.

ورغم تقاعده، فضّل البابا الفخري بنديكت السادس عشر ارتداء قبعة بيضاء، كما يفعل الباباوات الحاكمون. واستمر المقربون منه في مخاطبته بـ “الأب المقدس”. كان هذا التعايش بين البابا المتقاعد والبابا الذي في الخدمة ظرفا تاريخيا غير عادي لم يخل من التحديات.

بعد استقالته زار البابا الفخري بنديكت السادس عشر بلده ألمانيا مرة واحدة فقط، حيث سافر إلى ريغنسبورغ في يونيو/ حزيران 2020 لتوديع شقيقه غيورغ، الذي كان يحتضر، والصلاة عند قبر والديه. وقد توفي شقيقه بعد عشرة أيام من الزيارة عن عمر ناهز الـ 96 عاما، ولم يتمكن بنديكت السادس عشر من حضور الجنازة ومراسم دفن شقيقه.

السابق
لزوجة الجماعات وخشونتها : التوتر الحيوي والمستدام
التالي
منيّر لـ«جنوبية»: 2023 عام الحسم والتسويات!