حارث سليمان يكتب لـ «جنوبية»: ثكنة في عباءة القداسة

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

قد لا يعنيني شخص رئيس الجمهورية, واحترم كل الناس، بما في ذلك اسماء المرشحين، ليس لي  مشكلة مع الشخص كائنا من كان، ولكن ما يعنيني هل هناك خطة لدرء الخطر الايراني؟… هل هناك خطة لمنع استمرار لبنان جرما يدور حول الهلال الشيعي! وتحالف الاقليات؟

الحصة الأكبر في الخريطة السورية ظاهرا، هي لنظام الاسد لكن حقيقة ما يجري هو احتلال ايراني _ روسي، وقد تمت على ساحتها ممارسة كل جرائم الحرب الموصوفة في القانون الدولي الانساني


 تحدثت سابقا عن مآلات الأزمة السورية،  وعبثية انخراط حزب الله وايران فيها منذ ثلاث سنوات، ويتبدى الوضع فيها اليوم انها اصبحت مأزقا لا مكسبا لمن يسيطر عليها. سورية اليوم هي ميدان لخمسة جيوش اجنبية مختلفة؛ ايران وميليشياتها، اميركا واكرادها، تركيا واسلامييها، واسرائيل وضرباتها، وروسيا وقواعدها، وليس في الافق اي حل لإعادة إعمارها أو وضعها على سكة حل سياسي عادل ومستدام.  الحصة الأكبر في الخريطة السورية ظاهرا، هي لنظام الاسد لكن حقيقة ما يجري هو احتلال ايراني _ روسي، وقد تمت على ساحتها ممارسة كل جرائم الحرب الموصوفة في القانون الدولي الانساني، وفي معاهدة جنيف للحروب، من استهداف المدنيين، الى ممارسة الحصار والعقوبات الجماعية الى سياسة التجويع والتطهير العرقي، وتهجير السكان بالقوة من منازلهم، واستهداف المراكز الطبية والمخابز، وعدم تحييد الفئات الضعيفة غير المقاتلة كالأطفال والنساء، وقصف المدن بقنابل محرمة دوليا.  وكان حزب الله رأس حربة في هذا المشروع!!! واسال ما هي تداعيات هذه الوقائع علينا؟ وماهي النتائج التي جنيناها في لبنان، سوى الانهيار الكامل في الاقتصاد والمال ونظام الخدمات والمرافق العامة؟! لولا تدخل ايران في سورية لسقط الاسد في نهاية سنة ٢٠١١ ولارتاح لبنان من معظم عذاباته!!

المشروع الايراني وهمي وابطاله عبثيون، ولم يتسبب الا بالخراب وقتل الناس والدمار


نقف اليوم امام استحقاق جديد هو؛ أي رئيس جديد ينبغي لنا ان نختار؟هل هو من  سيساهم في ابعاد لبنان عن استمرار انخراطه في المشروع الايراني؟ هذا المشروع الذي صار واضحا بعد سنوات من الكلام عن الهلال الشيعي، أنه منذ العام   2003 حتى اليوم يتم ضرب 27 مليون سني في مدنهم وتهجيرهم من قراهم، في منطقة تمتد من  اطراف البصرة الى الجيه وزوارق الموت في طرابلس وشمال لبنان!… تختلف المبررات وتتعدد الأطراف في هذه الحروب، لكن طرفا واحدا فقط هو حاضر دائما في كل هذه الصراعات، انه ايران!!! 
لكن المشروع  الايراني وهمي وابطاله عبثيون، ولم يتسبب الا بالخراب وقتل  الناس والدمار… سواء في اليمن او العراق او سورية، بلغت ارقام الهدر التي قام بها تحالف  المالكي – ايران  وحدها في العراق 500 مليار دولار أميركي، والبعض يتحدث عن 800 مليار دولار ، وهذا رقم مالي كاف لإنماء كل المنطقة من ايران حتى الناقورة ولتحسين مستوى عيش شعوبها كافة…  

المشروع الايراني لن يحقق  اهدافه لأنه مشروع خرافة لا اساس له


المشروع الايراني لن يحقق  اهدافه لأنه مشروع خرافة، لا اساس له، حضر الى مكتبي قبل بلوغي سن التقاعد منذ أكثر من خمس سنوات، في كلية العلوم مسؤول طلاب حزب الله وسألني: لماذا لا تتعاطف مع حزب الله وتؤيد سياسته؟ أجبته  لان مشروعكم وهمي … تساءل كيف؟ .. قلت ؛ الا تدعون الى موالاة الفقيه الخميني او خامنئي لكي يقود الأمة الاسلامية ويوحدها … اجاب نعم .. سألته أيهم أهم وارفع منزلة؟ الامام علي بن ابي طالب ام الامامين الخميني او الخامنئي؟قال طبعا علي بن ابي طالب.. قلت حسنا هل استطاع الامام علي ان يوحد الامة وان يقنع اهل السنة بان يسيروا بقيادته؟ قال لا .. اجبته ما عجز عنه علي بن ابي طالب، هل سيقوى عليه خامنئي ونصرالله.. للقصة بقية والمجالس بالأمانات…اليوم تواجه نسوة ايران الحصن العقائدي لنظام ولاية الفقيه، والذي يتمثل ب “فرض الحجاب”، وتعري استبداده من غلالة القداسة التي يتحصن خلفها، لم و لن تصل ايران  الى شيء  في سوريا، وحزب الله لم ينجح الا  بتوريد ابناء الشيعة الى سوريا لكي يقتلوا، ويكونوا ابناء الفتنة بعد ان كانوا ابطال المقاومة… وبالنتيجة ادخل الى لبنان مليون ونصف لاجئ سوري سني ينظرون بغضب الى دمار بلدهم وغدا يتكشف كيف سيترجم هذا الغضب ؟ الطبقة السياسية افلست اخلاقيا وقيميا في لبنان، كما افلست كل نظم الاستبداد في الدول العربية، هي تحكم ليس لأنها لديها ما تقدمه لشعوبها من حلول ومشاريع، بل فقط لانها اكثر بطشا وعنفا من منافسيها.

الازمة في لبنان ازمة ثقافة سياسية، المواطنون في لبنان لا يحتاجون الى قادة ابطال، فكل ولاء  لزعماء ابطال، هو وهم غرائزي لإنسان مذعور

  والمنظومة الحاكمة في لبنان تتجه الى الزوال، آجلا ان لم يكن عاجلا!! الازمة في لبنان ازمة ثقافة سياسية، المواطنون في لبنان لا يحتاجون الى قادة ابطال، فكل ولاء  لزعماء ابطال، هو وهم غرائزي لإنسان مذعور، فهم يرسلون اولادنا تارة للموت في مغامراتهم, وتارة للهجرة بسبب استحواذهم على فرص العمل. اليوم آن اوان اقفال كل كلام عن ابطال زعماء. يسقط الزعماء الابطال عندما يتحرر اللبناني كل لبناني من الخوف، نريد سياسيين مدراء، كل واحد منهم يتولى ملفا يديره ينجح به او ينصرف، هكذا تدار الدول والشعوب لا معصومين ولا حكام ملهمين؛ فقط مديرين. ما فعلته العصابة اللبنانية المافيوية المارقة غير مسبوق في التاريخ، لقد استولوا على جنى اعمار ثلاثة اجيال من اللبنانيين ؛جيلنا وجيل ابائنا وجيل احفادنا، الغريب في سلوكهم امرين؛ الاول انهم يسرقون ولا يخجلون بعد ان يُفتضَحون، الثاني انهم يسرقون ويريدون الاستمرار بالسرقات فلا يتوقفون او يرعوون، لذلك فان رئيس الجمهورية المناسب يجب ان يكون مديرا ولبنانيا ونزيها فقط، ليس زعيما ولا بطلا، ولا يحمل على جبينه لا ملامح قداسة، ولا يختزن في عقله مكامن الهام او نبوة،  ولا في ارثه مهجة شهيد، يداه ليست ملطخة باية دماء، وجيوبه وحساباته المالية لا تحمل شكا او شبهة او فعل ارتهان.

ما فعله الايراني والاسلام السياسي بكل اشكاله، حتى اليوم، هو تأخير اندماج المنطقة  بالعالم وبالحداثة لسنوات، وذلك عبر افتعاله الازمات والترويج لثقافة القطيعة مع العالم واستعداء البشرية في العالم المتقدم

يعرف لبنان كمقيم في وطن، ويعرف العالم والعصر مسافرا او متابعا…  ما فعله الايراني والاسلام السياسي بكل اشكاله، حتى اليوم، هو تأخير اندماج المنطقة  بالعالم وبالحداثة لسنوات، وذلك عبر افتعاله الازمات والترويج لثقافة القطيعة مع العالم واستعداء البشرية في العالم المتقدم؛ تارة باسم الدين وتارة باسم العفة والتدين، وطورا دفاعا عن نبينا الذي لن يؤذيه احد بعد 1500 سنة من وفاته، و مرارا أخرى باسم اليسار والشمال والجنوب. لكن كل ذلك لن يوقف التحاق المنطقة  بالحداثة.ولبنان الناهض من ازمته هو جزء من حداثة العالم وقيمه الجديدة والا لا نهوض له مجددا!! هذا مسار يرسمه الرأسمال العالمي بدأب، واستمرار بسبب حاجته الى توحيد اقتصاد السوق، والعولمة التي قد تتعثر هنا او هنالك ستلغي كل هذه البهلونيات شئنا ام ابينا، ومشاريع الحرب ستنتهي وهمية وستظهر انها مؤقتة، ولن تلغي الناس وهم حقائق على الارض وما يزالون؟

التدثر بعباءة الولي الفقيه الدينية، نموذج “دولة الثكنة في عباءة القداسة الدينية” هو ذاته في ايران واسرائيل، والنموذجان في طور النهاية، والايام حبلى بالتطورات


الجديد على الصعيد العالمي هي الحرب الروسية الاوكرانية، والتي استعادت لغة وخنادق الحرب الباردة، بين الشرق الروسي والغرب الاميركي الاوروبي، وخلقت ازمة طاقة على المستوى العالمي، وغلاء في اثمان الغذاء العالمي، في هذا الصراع ثمة على المدى الزمني المتوسط خاسران هما؛ الاول اتجاهات اوروبا الاستقلالية، ومحاولات المانيا وفرنسا لبناء فضاء محايد وسلمي بين اميركا وروسيا، اما الخاسر الثاني فهي روسيا نفسها ومكانتها العالمية، التي ستنخفض عسكريا واقتصاديا الى المرتبة السادسة او السابعة بعد اميركا والصين واليابان والهند والمانيا، التوازن الدولي سيذهب الى عالم متعدد القطبية على رأسه اميركا والصين.

المشروع الصهيوني المرتكز على اقامة ثكنة عسكرية، في عباءة أصولية دينية هي الصهيونية، لم يعد مشروعا منسجما مع العصر الجديد وقيمه، لذلك تحاول اسرائيل تجديد نفسها وتأهيلها لتنتسب للعالم الجديد الذي يتكون، وهو في طور الولادة، السلام مع الفلسطينيين هو مشروع انقاذ مستقبل دولتها، مشروع ولاية الفقيه يذهب الى الموت والاحتضار، لأنه لم يبق منه سوى عسكرة المسلمين الشيعة في وجه كل الدنيا، والتدثر بعباءة الولي الفقيه الدينية، نموذج “دولة الثكنة في عباءة القداسة الدينية” هو ذاته في ايران واسرائيل، والنموذجان في طور النهاية، والايام حبلى بالتطورات.

إقرأ أيضاً : حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: الإنتظام الدستوري.. إسقاط رهبة العنف

السابق
تبادل سجناء وأصول مجمّدة بين أميركا وإيران
التالي
الساعيات الى الحرية.. «عدوّات لدوادت»!