الطريق إلى رئاسة الجمهورية (2): كميل شمعون.. من «فتى العروبة الأغر» إلى «بطريرك المارونية السياسية»!

أعد الكاتب السياسي ياسين شبلي، على أبواب نهاية العهد، سلسلة مقالات خاصة ينشرها "جنوبية" على حلقات، عبارة عن بروفايل للرؤساء السابقين منذ الإستقلال وحتى اليوم، مع الظروف السياسية التي رافقت وصول كل منهم إلى الحكم، وطريقة ممارستهم لمهامهم وظروف مغادرتهم الموقع.

“النمر” ، “الملك”، “البطريرك السياسي”، كلها ألقاب حاز عليها من قِبل أنصاره ومريديه، الرئيس الثاني للجمهورية كميل نمر شمعون، الذي بدأ عهده في عام 1952 ك “فتى العروبة الأغر” خلفاً للرئيس المستقيل تحت ضغط الشارع بشارة الخوري، الذي واجه معارضة سياسية وشعبية شاملة، تمثلت بالجبهة الإشتراكية الوطنية بقيادة “صانع الرؤساء” كمال جنبلاط، الذي قال كلمته الشهيرة يومها “قلنا لذاك زل فزال وقلنا لهذا كن فكان”، والذي إنتهى بحرب أهلية وإنزال عسكري أميركي في بيروت.

 ولد كميل نمر شمعون مع بداية القرن العشرين، في بلدة دير القمر المارونية الشوفية ليس بعيداً عن دار المختارة، دارة آل جنبلاط والزعامة الدرزية التي أنجبت كمال جنبلاط رفيقه في الجبهة المعارضة لبشارة الخوري، ومن بعدها خصمه السياسي نظراً لإختلاف المنطق بين الشخصيتين بالرغم من الجوار المناطقي، حتى سرت عبارة توجز علاقتهما الملتبسة تقول بأن “كمال وكميل يتفقان في المنطقة ويختلفان في المنطق” .

كان وجهاً معروفاً في الأوساط البريطانية حيث عمل كوزير مفوض – سفير بلغة هذه الأيام – للبنان في بريطانيا في العام 1944 ومن ثم مثَّل لبنان لدى هيئة الأمم المتحدة عام 1948

درس كميل شمعون الحقوق وتخرج سنة 1923 وتدرج في مكتب إميل إده، بدأ حياته السياسية نائباً عام 1934 وأنتخب بعدها 7 مرات حتى وفاته عام 1987، ومن ثم وزيراً بدءاً من العام 1938، ليشارك بعدها 7 مرات أيضاً – ما حكاية الرقم 7 مع الرئيس شمعون ؟ –  في الحكومات المتعاقبة لفترات طويلة  حتى وفاته، حيث كان يومها وزيراً للمالية. بعكس بيئته المارونية لم يكن كميل شمعون فرنسي الهوى، بل كان هواه بريطانياً أي في الجانب الآخر المعاكس  كسلفه بشارة الخوري، وهذا ما قد يكون زكاه بعد إستقالة بشارة الخوري، التي ترافقت مع تغييرات في كل من مصر وسوريا، ليكون ثاني رئيس للجمهورية في لبنان، خاصة وأنه كان وجهاً معروفاً في الأوساط البريطانية حيث عمل كوزير مفوض – سفير بلغة هذه الأيام – للبنان في بريطانيا في العام 1944، ومن ثم مثَّل لبنان لدى هيئة الأمم المتحدة عام 1948.

حفل عهد شمعون بالكثير من الإنجازات الداخلية وبناء بعض المؤسسات وتطوير أخرى

أنتخب كميل شمعون في 23 أيلول عام 1952، أي بعد شهرين بالتمام والكمال من التغييرات التي حصلت في مصر، وجاءت بالضباط الأحرار إلى السلطة ب “قبة باط” أميركية يومها، كما أفاد مايلز كوبلاند في كتابه الشهير “لعبة الأمم” من ضمن الصراع الأميركي – البريطاني على المنطقة. أنتخب شمعون بدعم من الجبهة الإشتراكية الوطنية، التي ما لبث أن إختلف مع زعيمها كمال جنبلاط حول بعض السياسات  الداخلية، ولكن هذا الخلاف لم يكن ليعطل الحياة السياسية، حيث حفل عهد شمعون بالكثير من الإنجازات الداخلية وبناء بعض المؤسسات وتطوير أخرى، كمثل القصر الجمهوري الحالي في بعبدا، ومطار بيروت ومصرف لبنان ومدينة كميل شمعون الرياضية، ومرفأ طرابلس والجامعة اللبنانية والمستشفيات الحكومية، ومصالح المياه وغيرها من الإنجازات التي تحسب له، والتي سمعنا الكثير عنها من المعمرين الذين عاشوا تلك الأيام، والذين لطالما كانوا يترحمون على عهده ، وهذا شهادة للحقيقة والتاريخ. 

اتهم شمعون من قبل المعارضة في العام 1957 بالتلاعب بالإنتخابات النيابية كما فعل سلفه بشارة الخوري حيث أسقط قادة المعارضة طمعاً بتجديد ولايته

  مع صعود نجم جمال عبد الناصر وشعاراته القومية التي دغدغت مشاعر المسلمين اللبنانيين، بدأ الخلاف يتسع  وكانت ذروة الخلاف مع شمعون هي حرب السويس 1956  حينما رفض الرئيس اللبناني قطع العلاقات مع الغرب وخاصة بريطانيا وفرنسا على خلفية العدوان الثلاثي على مصر، ومن ثم تأييد شمعون لمحور “حلف بغداد” الذي أقامته أميركا من ضمن سياستها لإحتواء المد الشيوعي في المنطقة العربية، إنتهت حرب السويس بخروج بريطانيا من المنطقة وحلول الولايات المتحدة مكانها، وفي ظل تصاعد التوترات والثورات والإنقلابات، جاءت الوحدة المصرية – السورية لتزيد التوترات في لبنان، خاصة وأن شمعون أُتهم من قبل المعارضة في العام 1957 بالتلاعب بالإنتخابات النيابية، كما فعل سلفه بشارة الخوري حيث أسقط قادة المعارضة طمعاً بتجديد ولايته – وهي لوثة كل رئيس ماروني – وهو ما رفضته قوى المعارضة بقيادة كمال جنبلاط، ليأتي إغتيال الصحافي المعارض نسيب المتني في أيار 1958، ليشعل فتيل الحرب الأهلية التي عرفت فيما بعد بثورة 58، التي إنتهت بنزول قوات المارينز في بيروت ضمن إطار عملية “الخفاش الأزرق”، بعد أن إستدعاها الرئيس شمعون بعد الإنقلاب الدموي في العراق بيوم واحد، لينتهي عهد شمعون بإتفاق أميركي – مصري، على إنتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب وليخسر شمعون رهانه على التجديد.  

على عكس سلفه بشارة الخوري، لم يعتزل العمل السياسي بعد خروجه من القصر، بل أسس حزب الوطنيين الأحرار ومارس السياسة من خلاله نائباً ووزيراً وشخصية مارونية بارزة

لكن كميل شمعون وعلى عكس سلفه بشارة الخوري، لم يعتزل العمل السياسي بعد خروجه من القصر، بل أسس حزب الوطنيين الأحرار ومارس السياسة من خلاله نائباً ووزيراً وشخصية مارونية بارزة، خرجت من الرئاسة أقوى مما دخلت فبات يلقب ب “البطريرك السياسي للموارنة”، فأسس عام 1968 الحلف الثلاثي مع رئيس حزب الكتائب بيار الجميل ورئيس حزب الكتلة الوطنية ريمون إده، في مواجهة حكم النهج الشهابي المتمثل يومها بالرئيس شارل حلو، وفاز الحلف في الإنتخابات النيابية ما سمح بعد عامين، بالإطاحة بمرشح  النهج الشهابي يومها إلياس سركيس، وفي بدايات الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975، برز أسمه كأحد الداعمين لمنح شركة الصيد البحري بروتيين حق الصيد في المياه اللبنانية، الأمر الذي تسبب بإضطرابات معادية من قبل الصيادين اللبنانيين في صيدا، قتل على إثرها الزعيم الشعبي معروف سعد، هذه الحادثة التي تعد الشرارة الحقيقية للحرب الأهلية.

شارك كميل شمعون في الحرب عبر الميليشيا التي أقامها تحت إسم نمور الأحرار

شارك كميل شمعون في الحرب عبر الميليشيا التي أقامها تحت إسم نمور الأحرار، كما ترأس عام 1976 الجبهة اللبنانية التي مثلت الجناح السياسي لليمين المسيحي يومها. قيل الكثير عن علاقات كميل شمعون بإسرائيل، التي يقال أنها بدأت إبان أحداث 58، بحسب وثائق سرية خاصة بجهاز الموساد، سمحت إسرائيل بنشرها في وقت سابق من هذا الشهر تزامناً مع الذكرى الأربعين للإجتياح الصهيوني للبنان، حيث تم إرسال طائرة بالإتفاق مع حكومة شاه إيران لنقل السلاح من إسرائيل إلى لبنان، ومع بدايات الحرب الأهلية وصلت أول شحنة سلاح من إسرائيل في منتصف نوفمبر 75،  وكانت من نصيب مقاتلي شمعون الذين يطلق عليهم في الوثائق الإسرائيلية إسم “الشمعونيين”، لتتواصل الشحنات – المدفوعة الثمن ولو بسعر التكلفة كما يقال – بعدها لتكون من نصيب كل من مقاتلي شمعون ومقاتلي كل من أمين وبشير الجميل. كما أيد شمعون الرائد سعد حداد في إقامة ما كان يسمى بدايةً “الجدار الطيب” مع إسرائيل الذي تحول بعدها إلى إقامة علاقات عسكرية  تمثلت بجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل، الذي قاده أنطوان لحد بعد موت سعد حداد، الذي ما لبث أن إنهار مع تحرير جنوب لبنان عام 2000. 

كان كميل شمعون ذو شخصية قوية وعنيدة وحازمة رجل سياسي واقعي بإمتياز وصاحب تحالفات متغيرة يجيرها للوصول إلى هدفه

كان كميل شمعون ذو شخصية قوية وعنيدة وحازمة، رجل سياسي واقعي بإمتياز وصاحب تحالفات متغيرة، يجيرها للوصول إلى هدفه، تعرض في حياته  للعديد من محاولات الإغتيال نجا منها كلها، كما حفلت حياته السياسية بالكثير من النجاحات والإخفاقات التي كان يتقبلها ويستوعبها، لعل أقساها ما تعرضت له قواته في مجزرة الصفرا عام 1980، على يد ميليشيات حزب الكتائب بقيادة بشير الجميل تحت مسمى توحيد البندقية المسيحية، والتي أدت إلى إنتقال نجله داني إلى المنطقة الغربية من بيروت حيث “أعدائه” من السوريين والفلسطينيين ، ومع ذلك بلع كميل شمعون “الموس” كما يقال باللبناني، وتحولت هذه الواقعة وغيرها في حياته إلى “طرفة سوداء” ، ففي إجتماعات جنيف إبان إجتماعات الحوار اللبناني عام 1983، يقال بأن الرئيس شمعون كان كلما مر على حاجز كشف السلاح، يطلق الحاجز صفارته وتكرر الأمر عدة مرات من دون أن يكون مع الرئيس شيء معدني يدعو لذلك، فحبكت النكتة مع أحد الصحفيين المخضرمين وقال باللهجة اللبنانية ” هيدي المواس إللي بالعها الرئيس شمعون بحياتو”. 

كان الرئيس شمعون مالئ الدنيا وشاغل الناس، وشرب كأس السياسة حتى الثمالة حتى وافته المنية

كان الرئيس شمعون مالئ الدنيا وشاغل الناس، وشرب كأس السياسة حتى الثمالة حتى وافته المنية في السابع من آب عام 1987، وكان لا يزال نائباً في البرلمان ووزيراً للمالية، وكانت الليرة قد بدأت تتدهور أمام الدولار الأميركي، فكان أن طرح يومها رفع الدعم عن البنزين والقمح ، الأمر الذي عارضته الأطراف الأخرى لأسباب شعبوية وسياسية كيدية، إذ كان يكفي أن يطرح أي طرف من الأطراف المتصارعة أمراً، حتى ترفضه بقية الأطراف، حتى باتت هذه عادة لبنانية في الصراع السياسي يدفع ثمنها الشعب، والشعب فقط والدليل ما نحن عليه اليوم.  

إقرأ أيضاً : الطريق إلى رئاسة الجمهورية (1) بشارة الخوري.. تزاوج «الطربوش» العربي و«البرنيطة» الإنكليزية!

السابق
دون رقيب أو حسيب.. «التوك توك» يغزو لبنان
التالي
حزب الله «يهادن» باسيل حكومياً ورئاسياً..ولبنان يتسلم «عرض هوكشتاين»!