تاريخ النهضة في جبل عامل: محمد علي الحوماني.. «مالئ الدنيا وشاغل الناس»(8)

(الصورة اعلاه من اليمين: الشاعر محمد علي الحوماني والسيدان الشقيقان عبد الرؤوف وعبد الحسين الامين). سجّل التاريخ في مطلع القرن العشرين نهضة أدبية علمية شهدها جبل عامل، كانت صدى لصوت النهضة العربية التي شهدتها مصر وبلاد الشام في ظلّ الحكم العثماني والانتداب الفرنسي لاحقا، وقد كان لتلك النهضة رجالاتها ايضا الذين نبغوا وتعلّموا ثم علّموا وكتبوا وألّفوا، وبذلوا الغالي والنفيس، وبعضهم تحمل الاضطهاد والسجن، ولم يفتّ كله من أعضادهم، ونجحوا بالنهاية في بعث النهضة وتوريثها للاجيال اللاحقة. وينشر موقع جنوبية على حلقات ملفّا يحاكي هذه الحقبة ويسبر أغوارها، لا سيما منها ابراز شخصيات كان دورها حاسما في بعث تلك النهضة، لم يجر ذكرها مطلقا في كتب التاريخ التربوية، ولو انه جرى المرور على نشاطها السياسي الادبي لماما في عدد من المؤلفات التي بقيت قاصرة عن إيفاء هؤلاء حقوقهم.

انه الشاعر العاملي محمد علي الحوماني مالىء الدنيا وشاغل الناس في لبنان والعالم العربي، لان نتاجه لم يقتصر على الشعر والأدب، ونشاطه لم يقتصر على التربية والتعليم وهو الذي ربّي اجيالا وساهم في تأسيس اكثر من مدرسة وعلّم فيها.

ولد في حاروف (قضاء النبطية – لبنان) في العام 1898م، وتلقى أولى دروسه في بيته على يد أبيه وأخيه، ثم انتقل إلى النبطية ودرس في مدرستها الابتدائية. بعدها تابع دراسته في مدرسة السيد حسن يوسف مكي في النبطية والتي كانت تعرف بالمدرسة الحميدية. وفي تلك المدرسة كانت باكورة شعره وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.

اقرأ أيضاً: تاريخ النهضة في جبل عامل: الجعفرية والعاملية تنتصران على الكتاتيب (6)

بعدها تردّد الحوماني على العلّامة المرجع السيد محسن الأمين في بلدة شقرا الجنوبية فدرس عليه علوم اللسان وبعض نظريات المنطق، هاجر إلى النجف عام 1922 كي يدرس علوم المنطق والبلاغة واللغة، وعندما عاد بدأ حياته بممارسة مهنة التدريس في مدرسة قريته بادئ ذي بدء ومن ثم في مدرسة قرية شقرا، وبعدها في المدرسة الأميرية في النبطية. كما تولّى تدريس مادة الأدب العربي في “كلية التربية والتعليم” في طرابلس، ومتدّ نشاطه التربوي الى الخارج، فتولّى التدريس في كل من اربد والسلط في الأردن، كما في الجامعة العلمية في دمشق.

صحافة الثورة

بعد التدريس عمل الحوماني في مجال الصحافة، فأسس مجلة «العروبة»، التي كان تعنى بالمواضيع العلمية والأدبية واللغوية ما لبثت أن توقفت بسبب مواجهة رجال الدين لها آنذاك، كما عمل مع بعض المفكرين على اصدار مجلة “الأمالي” وبعدها مجلة “مع الناس” عام 1947. وكثيرة هي الصحف اللبنانية والعربية التي نعمت بقصائده ومقالاته. وكانت للحوماني مع السياسة صولات وجولات، ومع المجتمع شؤون وشجون حتى غدت أمور السياسة والمجتمع جزءا من روحه وخاطره.

ثار بشعره ونثره ضدّ الاقطاع والواقع الاليم، فتعرّض لاعتداء في مدينة صيدا على أيدي مجموعة من جلاوزة الاقطاعيين الذين أوسعوه ضربا بالعصي.

امتدّ نشاطه التربوي الى الخارج، فتولّى التدريس في كل من اربد والسلط في الأردن، كما في الجامعة العلمية في دمشق

وجّه الحوماني بعد هذه الحادثة برقية الى المفوض السامي الفرنسي الكونت دي مارتيل ومما جاء فيها:”لا تحسب يا سيدي الكونت أن في بلادك فقط شعبا حياّ يمعن في تنمية أدمغة رجاله للتفكير، وتنمية أناملهم للتحرير. ففي بلادنا الآمنة بوجودكم فيها أيضا شعب يجتهد في تنمية أدمغة رجاله واناملهم…ان أدمغة مفكري قومك واناملهم تتضخم ببطء وخلال عشرات السنين تحت سماء الثقافة العالمية الحرة، وأما ادمغتنا واناملنا فتتضخّم بسرعة فائقة…تحت العصي والنبابيت…”

وقد لاقى هذا الحادث ردود فعل متعاطفة لدى المفكرين والأدباء.فقد بعث اليه الأديب مارون عبود قائلا:”آلمني جرحك وعزّاني أنه نبيل، ففي سبيل الاصلاح والتهذيب دمك المهراق، ليكن النبي مثلك الأعلى، وحسبك الامام الشهيد قدوة… شفى الله المعتدين من مرضهم المزمن، وأنت سليم معافى، يقويك الاضطهاد، ويجعل قلمك حديدا لا يلين…”

أما الشاعر الياس ابو شبكة فقد استنكر الحادث باسلوب طريف: “في حين كانت الأقلام تستنكر الاعتداء عليك بالأساليب التقليدية، كنت اصغي الى أصوات فرح وابتهاج تتصاعد من اعماق نفسي…لأن المكروه الذي حلّ بك حمل اليّ بشرى…فقد أيقنت خيرا أننا اصبحنا في عهد العصا، اذن في المراحل الأخيرة من مراحل الاقطاعية…”

في المنفى المصري

أصدر ديوان شعر “فلان” الذي هاجم فيه السلطة الحاكمة في لبنان، فأبعد الشاعر سنوات عن ارض الوطن فاستقر في العراق أولا ثم انتقل الى مصر ومكث فيها عشر سنوات متتاليات.وكتب في مجلات وصحف عربية متعددة منها: الرسالة، والمقتطف، والهلال في مصر، والساعة في العراق، والمدينة المنورة في الحجاز.

في القاهرة أسّس ندوة أدبية كانت تعقد أسبوعيا سماها “الأصفياء”، وكان أعضاؤها أدباء وشعراء يلقون أبحاثا في السياسة والاجتماع.

واتخذ شعر الحوماني ونتاجه الادبي والصحفي الحوماني وجها ثائرا ضدّ الاستعمار الأجنبي وضدّ الصهيونية، وزار اوروبا وأفريقيا وأميركا والصين والهند، وقد تركت رحلاته في نفسه انطباعات وخواطر عبّر عنها في كتاباته بأسلوب جميل.

أسس مجلة «العروبة»، التي كان تعنى بالمواضيع العلمية والأدبية واللغوية ما لبثت أن توقفت بسبب مواجهة رجال الدين لها

ومن شعره الذي يحاول فيه ان يبث الوعي روح الوعي وروح الارادة والعزيمة وينتشله مما يتخبط فيه من الجهل والأمية والفساد قوله:

“إذا ما احتفت برجال العلوم بلاد فبشّر بعمرانها

وإن خذلت أمة ساهرا عليها،فانذر بخذلانها”

ترك مصر عام 1961م، وعاد إلى الوطن، ثم لم يلبث أن توفي في الحادي عشر من نيسان 1964م ودفن في حاروف.

قال فيه أمير البيان شكيب ارسلان:”نهنأ بما أتاك الله من قريحة عاملية وشعر عذب رائق وبيان يجمع بين أبدع الخيالات وأصدق الحقائق

وعبد الرحمن شهبندر احد قادة الثورة السورية وصفه بالقول:”غني عن القول أن السيد الحوماني بما له من القصائد الغر الصادرة من أعماق النفس، والكلمات البليغة الرافلة بأثواب الشعور لم تحبك أوراقا بين جلدين يدعوها ديوانا، بل ألّف ركنا في بناء المجد العربي الباذخ. انه أحد الملهمين الذين يوحون الى الشعب أصول العقيدة بالنفس والايمان بالوطن…”

ثار بشعره ونثره ضدّ الاقطاع والواقع الاليم، فتعرّض لاعتداء في مدينة صيدا على أيدي مجموعة من جلاوزة الاقطاعيين الذين أوسعوه ضربا بالعصي

خلّف نتاجا أدبيا غزيرا قارب الأربعين كتابا، غالبها في الشعر والأدب.

برز من بناته ثلاث كريمات هنّ سلوى وبلقيس وأميرة، جميعهنّ أديبات مميزات.

كبرى بناته سلوى هي أديبة وشاعرة وصحافية، لها العديد من الإصدارات الأدبية.والوسطى بلقيس تخصصت في فن القصص، ولها كتب مطبوعة.

أما الصغرى أميرة فهي شاعرة وموسيقية، عملت على إحياء الفولكلوراللبناني، ولها مئات القطع الموسيقية والشعرية في الإذاعة اللبنانية.

إقرأ أيضاً : تاريخ النهضة في جبل عامل : أدباء وشعراء جنوبيون كرّسوا حياتهم للتربية والتعليم(7)

الشيخ محمد علي الحوماني
السابق
السلطة والشعب.. بين التواطؤ و«الحكم الإلهي»!
التالي
«انخفاض ملحوظ» بأسعار البنزين والمازوت.. ماذا عن الغاز؟