حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: الأجدى أن نبني الجمهورية.. قبل انتخاب رئيسها

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يشكل الاسبوع الاول من آب، موعدا دستوريا لافتتاح المهلة الدستورية لانعقاد جلسات مجلس النواب، بهدف انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتنعقد الاجتماعات والمفاوضات وتقام التفاهمات وتعقد التسويات وتتبارى الرهانات، لتزكية مرشح من هنا وآخر من هناك، فيما تنشط اجهزة الاعلام المرئي والمسموع اضافة للصحافة المكتوبة والمواقع الالكترونية، لتلميع صورة مرشح هنا، او تبديد رصيد او تشويه صورة مرشح آخر هناك، ولذلك يبدو المشهد سرياليا مسرحيا، لا يعكس واقع لبنان وآلام شعبه وازمات مجتمعه وناسه، فالناس بمجملهم الى اي منطقة انتموا او طائفة اعتنقوا او اتجاه سياسي انحازوا اليه، يظهرون في واد آخر لا صلة له بوادي طباخي الرئاسة وطاولات مراهناتهم.

ما يزيد المشهد سريالية ان لا احدا من المرشحين المتداولة اسماؤهم، قد خرج الى الناس واطل الى الرأي العام معلنا رؤية وبرنامجا رئاسيا، يحدد خياراته السياسية

وما يزيد المشهد سريالية ان لا احدا من المرشحين المتداولة اسماؤهم، قد خرج الى الناس واطل الى الرأي العام معلنا رؤية وبرنامجا رئاسيا، يحدد خياراته السياسية وخططه الاقتصادية ومقارباته التنموية، لإدارة مرافق الدولة وتسيير المؤسسات والمرافق العامة، كما ما من احد من المسترئسين او الرؤساء المحتملين  قد اوضح لنا خطته لإعادة النهوض الاقتصادي في لبنان، وخيارات تصحيح مالية الدولة، وعجز الموازنة والدين المتراكم على الخزينة العامة.ما من احد من الرؤساء المحتملين  اوضح لنا ما هو موقفه الفعلي من سرقة اموال المودعين وكيفية استرداد قيمتها، او المح الى خطة لإعادة تأهيل القطاع المصرفي واصلاحه واخضاعه للقانون والتدقيق في سلوكه وخياراته، ومساءلته طبقا لقانون النقد والتسليف والمعايير الدولية المصرفية، وصولا لوقف الجريمة المتمادية في سرقة المودعين، وتوازيا مع السرقة ممارسة اعلى درجات العبث والوقاحة والكذب المفضوح…

معيار السيادة

ويصبح الموقف مأساويا وتراجيديا، حين يتم حصر النقاش والتداول بالأسماء، استبعادا او ترجيحا على قاعدة معيار وحيد و أوحد، وهو معيار انحيازات  الرئيس الموعود الى المحاور الإقليمية، فالنقاش اليوم هو هل يكون الرئيس العتيد ممانعا، ام نصف ممانع، او سياديا يدير ظهره لطهران ودمشق، ولا يلحق لبنان بسياسات الولي الفقيه، ليبقى جرما يدور في حلف الممانعة الممتد من طهران الى غزة.ومع ان استقلالية رئيس الجمهورية، وحرصه على سيادة لبنان واصراره على اخراج لبنان من محور الممانعة، وعلى الدفاع عن لبنان كوطن سيد على حدوده وداخل حدوده، حيث يعيش ابناؤه كمواطنين سواسية امام القانون في الحقوق والواجبات، مع الحرص على هذا المعيار السيادي الذي نعتبره ضروريا جدا ولازما لزوما وجوديا ، الا انه ليس كافيا وملبيا لمستلزمات المرحلة ولاحتياجات الناس وشروط التعافي والنهوض الاقتصادي.

معيار القيم الجمهورية

فبعد التجربة العونية الكارثية التي قوضت المعايير الدستورية  وانتهكت اصول اللعبة البرلمانية الديموقراطية، واعتاشت على خطاب نفاقي غرائزي مع اطراف أخرى، يؤجج العصبيات الطائفية، ويحرض على الخصام الاهلي، ويطلق العنان لعملية اقتسام الدولة بكل ما فيها  كغنيمة تتناهشها ذئاب الطوائف وتستبيح الاموال والاملاك والمؤسسات العامة، اصبح مطلوبا على المستوى النظري ان يعاد تأكيد معايير جمهورية ملزمة، يتحدد من خلالها سلوكُ الرئيس العتيد واداؤه، وتكون شروطا لتأييده واختياره…

اصبح مطلوبا على المستوى النظري ان يعاد تأكيد معايير جمهورية ملزمة، يتحدد من خلالها سلوكُ الرئيس العتيد واداؤه، وتكون شروطا لتأييده واختياره

المعيار الجمهوري الاول 

ان رئيس الجمهورية هو راس الدولة يسهر على احترام الدستور ويمارس دور الحكم، ويترفع عن المحاصصة السياسية والطائفية، ويمارس صلاحياته من أجل المصلحة العامة، وليس من اجل حزب او طائفة او عائلة او قريب او نسيب، ولذلك لا معنى لكل نظرية الرئيس القوي  الذي لم يمارس قوته إلاّ لاغتصاب الدستور وتخريب التقاليد والاعراف الديموقراطية، فرئاسة الجمهورية يتوجب ان تكون حصناً للدفاع عن حدود الدولة ومعناها، وعن الدستور و روحيته، ولرعاية تسييرٍ كفوءٍ وفعالٍ للسلطات كافة، وادارة آليات التعاون والفصل بينها، فلا يكون للعهد قضاته ولا للرئيس، كل رئيس قائدَ جهازٍ امني، او صندوقَا اسودا لتمويل حاشيته، فالأمن والدفاع والادارة والقضاء هي هياكل دولتية ومهنية، تلتزم القانون ولا تُستَتْبَعُ من مسؤول مهما علا شأنه، ورئيس الجمهورية من واجباته أيضا تفعيل المرافق والمؤسسات العامة، وتأمين مصالح المواطنين اللبنانيين وحقوقهم، وليست من ادواره ان يكون حاجز فرض خوة واقتطاع جعالة، واستيفاء حصة من كل اجراء يحتاج الى توقيع رئاسة الجمهورية، ورئاسة الجمهورية ليست منبرا للدفاع عن سياسات دول اجنبية، بحجة احلاف ومحاور او بوقا لمهاجمة الشرعيتين العربية والدولية، أو دمية تتستر وتغطي انتهاك القانون الدولي، او تبرر وتسهل عمليات الجريمة المنظمة.

رئيس الجمهورية هو راس الدولة يسهر على احترام الدستور ويمارس دور الحكم، ويترفع عن المحاصصة السياسية والطائفية، ويمارس صلاحياته من أجل المصلحة العامة، وليس من اجل حزب او طائفة

المعيار الجمهوري الثاني

هو العفاف الدستوري، والتسليم التلقائي بالنظام الديموقراطي البرلماني، وهذا يعني التزاماً بالصلاحيات المنوطة بالموقع الرئاسي، فلا يرضى الرئيس العتيد بأقل من صلاحياته، ولا يسعى لأكثر من صلاحياته، ولا يلجأ الى لوي عنق الدستور وتزييف بنوده من أجل نفوذ اضافي او تغطية لارتكاب احد من حاشيته او مقرب من بطانته. 

  المعيار الجمهوري الثالث 

ان رئاسة الجمهورية ليس بابا لتحقيق الثروة، لا ببيع مراسيم التجنيس ولا بتلزيم تعهدات الدولة لشركات الاقرباء والحلفاء، وان امتناع رئيس الجمهورية واهل بيته وانسبائه عن ممارسة الاعمال والتعهدات والالتزامات مع الدولة، هو التزام اخلاقي ووطني وقانوني لمنع الفساد والتربح من السلطة،  والاثراء غير المشروع، وينطبق هذا المعيار على الرئيس وعائلته وابنائه وانسبائه وسائر العاملين معه وفي كنفه…

رئاسة الجمهورية ليس بابا لتحقيق الثروة، لا ببيع مراسيم التجنيس ولا بتلزيم تعهدات الدولة لشركات الاقرباء والحلفاء

 معيار استمرار الحياة والعيش في لبنان

من الواضح ان عجلة الانهيار تتفاقم وتجتاح كل مقومات عيش اللبنانيين في وطنهم، ومن الواضح ايضا انه بعد مضي ثلاثة سنوات على انفجار الازمة، فأن منظومة الفشل والفساد والارتهان للخارج ليست بوارد اجتراح حلول للازمة، او القيام بإصلاحات ضرورية وبديهية من اجل وضع لبنان على بداية سكة التعافي والنهوض الاقتصادي.

يوبخ التقرير الجديد ثاني للمرة الثانية هذا العام، السياسيين الذين يمثلون المنظومة الحاكمة في لبنان

فقد اورد  تقرير للبنك الدولي منذ ايام قليلة ” يحتاج الشعب اللبناني إلى مساعدة فورية، والأهم من ذلك ، صنع سياسة مسؤولة من قبل قيادتهم. ويقترح التقرير سلسلة من التدابير والسياسات لتلبية الاحتياجات الفورية للسكان مع تنفيذ إصلاحات متوسطة وطويلة الأجل، ويوبخ التقرير الجديد ثاني للمرة الثانية هذا العام، السياسيين الذين يمثلون المنظومة الحاكمة في لبنان، بعد أن اتهمهم في يناير كانون الثاني “بتدبير” الإنهيار الإقتصادي الكارثي للبلاد من خلال قبضتهم الاستغلالية على الموارد.ويعتبر تقرير البنك الدولي ان “الشعارات السياسية حول قدسية الودائع جوفاء وانتهازية. في الواقع، فإن إساءة استخدام السياسيين لهذا المصطلح أمر قاس”.

يتساءل البنك الدولي عن مدى تلبية السلطات، لاحتياجات التمويل من خلال ما يطلق عليه مخطط بونزي، وهو نوع من الاحتيال الذي يضمن دفع للمستثمرين الحاليين من أموال مستثمرين جدد

ويتساءل البنك الدولي عن مدى ” تلبية السلطات، لاحتياجات التمويل من خلال ما يطلق عليه مخطط بونزي، وهو نوع من الاحتيال الذي يضمن دفع للمستثمرين الحاليين من أموال مستثمرين جدد”.ويتضح من تقارير البنك الدولي ان الازمة المصرفية هي “نتاج فعل اجرامي واحتيالي مقصود”، وتتشابه البونزي سكيم اللبنانية مع فضيحة مادوف في اسواق المال الاميركية، والتي كانت مجال احكام قضائية فدرالية اميركية…فهل يلتزم رئيس الجمهورية المرتجى بتحويل جريمة /البونزي سكيم اللبنانية/ الى قضاء نزيه مستقل ومنصف، يحكم ويدين ويسترجع الحقوق كما فعلت المحكمة الفدرالية الاميركية، في بلاد الرأسمالية العالمية وراس النظام الاقتصادي الحر.المعايير الواردة اعلاه هي معايير الحد الادنى لاستعادة الجمهورية، وأقل شروط قيام دولة القانون والمؤسسات، وبدون هذه المعايير لا وجود لدولة اصلا، ولا قيامة لجمهورية لبنانية!

وفي ظل هذا الغياب، هل يبقى  الشعب اللبناني بحاجة الى انتخاب رئيس للجمهورية حقا!؟ وهل انتخاب رئيس الجمهورية في هذا الواقع يشكل ضرورة لبنانية، تمس حياة الناس وكرامتهم وخبزهم وصحتهم وتعليم اولادهم ومستوى دخلهم ومعيشتهم؟! اليس الاجدى ان نسعى لبناء الجمهورية قبل انتخاب رئيسها؟!والسؤال الاكثر وضوحا ما نفع انتخاب رئيس لجمهورية ودولة، اصبحت الدولة والجمهورية فيها اطلالا نبكي على دوارسها بدل ان نتربى في رحابها؟!

السابق
الهرمل «تنتفض» على فوضى السلاح المتفلت.. و«حزب الله» يلتف!
التالي
هل اعلن ميقاتي وصول الدولار الى الـ٦٠ الفاً؟!