تاريخ النهضة في جبل عامل(4): «العرفان» تنقل ثقافة العامليين الى بلاد العرب 

احمد عارف الزين
سجّل التاريخ في مطلع القرن العشرين نهضة أدبية علمية شهدها جبل عامل، كانت صدى لصوت النهضة العربية التي شهدتها مصر وبلاد الشام في ظلّ الحكم العثماني والانتداب الفرنسي لاحقا، وقد كان لتلك النهضة رجالاتها ايضا الذين نبغوا وتعلّموا ثم علّموا وكتبوا وألّفوا، وبذلوا الغالي والنفيس، وبعضهم تحمل الاضطهاد والسجن، ولم يفتّ كله من أعضادهم، ونجحوا بالنهاية في بعث النهضة وتوريثها للاجيال اللاحقة. وينشر موقع جنوبية على حلقات ملفّا يحاكي هذه الحقبة ويسبر أغوارها، لا سيما منها ابراز شخصيات كان دورها حاسما في بعث تلك النهضة، لم يجر ذكرها مطلقا في كتب التاريخ التربوية، ولو انه جرى المرور على نشاطها السياسي الادبي لماما في عدد من المؤلفات التي بقيت قاصرة عن إيفاء هؤلاء حقوقهم. 

صدرت أولى الوسائل الصحافية في المنطقة سنة 1857 في بيروت، وأصدرها خليل الخوري؛ وكانت حديقة الأخبار، وهي أسبوعية إخبارية ليست بذات ميول سياسية خاصة بل كانت الجريدة الرسمية في الولاية، إلا أن الصحافة قفزت قفزة كبيرة إلى الأمام بعد عودة الدستور سنة 1908، فأنشئ ما يقارب 100 مطبوعة جديد في تلك السنة، مما رفع عدد الجرائد والمجلات إلى 350 تصدر باللغة العربية في أنحاء الدولة العثمانية، وبعد ذلك بسنة ظهر في جبل عامل مجلتان هما المرج والعرفان.  

العرفان سفيرة العامليين الى بلاد العرب  

مؤسس مجلة العرفان الشيخ أحمد عارف سليل أسرة معروفة في جبل عامل اشتهرت بتاريخها السياسي والعلمي والأدبي، مما أثر كثيراً في نشأته وتكونه الفكري والعلمي.  

اقرأ أيضاً: تاريخ النهضة في جبل عامل.. تجديد الحوزات وبروز رجال دين مصلحين (1)

 ولد الشيخ أحمد عارف الزين سنة 1884م في قرية شحور قضاء صور، ختم القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين ثم انتقل إلى صيدا حيث دخل مدرستيها الرشيدية الرستمية، والمدرسة اليسوعية ثم انتقل إلى النبطية قاصداً مدرستها الأهلية وذلك لتطور مناهجها الدراسية والتي كان قد اسسها رضا بك الصلح كما فصّلنا في مقال سابق، ثمّ تتلمذ فيها على يد المؤرخ والأديب محمد جابر آل صفا، وبعدها انتقل إلى مدرسة النبطية الدينية التي تأسست سنة 1892م على يد العلامة الكبير السيد حسن يوسف مكي بعد عودته من النجف الأشرف حيث تتلمذ فيها ايضا عدة أساتذة منهم الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر، كما تتلمذ في صيدا على يدي أستاذيه الشيخين محي الدين عسيران ومنير عسيران. 

تم تأسيس مطبعة العرفان في صيدا، واستحصل الشيخ أحمد عارف الزين على إذن من الحكومة العثمانية بإصدار مجلته الشهرية، وظهر العدد الأول في 5 شباط 1909، وكانت المواضيع قليلة في العدد الأول ومقتصرة على التربية والتعليم للشيخ الصيداوي المتأدب محمد علي حشيشو ومواضيع القضاء والتاريخ والأخلاق صاغها المحامي سليمان مصوبع، كما تضمن العدد الأول شرح لخطة المجلة وأقسامها من قبل ناشرها الشيخ أحمد عارف الزين.  

تمكن الشيخ احمد عارف الزين من اطلاق مجلة العرفان عام 1909 وكتب معه في العدد الأول شخصان فقط، لتصبح بعد سنوات سفيرة جبل عامل الى بلاد العرب

وهكذا، بثلاثة رجال مثقفين فقط، هم رجلا دين متأدبين (الشيخان الزين وحشيشو)، وحقوقي واحد (المحامي مصوبع)، انطلقت المجلة في عددها الأول، لتصبح بعد سنوات وعقود من انطلاقتها صحيفة مرموقة ذاعت شهرتها وانتشرت في العشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الفائت حتى بلغت الآفاق واصبح لقبها سفيرة جبل عامل الى بلاد العرب، وكتب فيها عشرات الكتاب والشعراء والمبدعين والمؤرخين وكبار رجال الدين من جميع العالم العربي والإسلامي، ونذكر منهم: المرجعان الدينيان اللبنانيان السيد محسن الأمين وعبد الحسين شرف الدين، والشيخان شريف ومنير عسيران، إضافة للثالوث العاملي الشيخان سليمان ظاهر أحمد رضا والمؤرخ محمد جابر آل صفا، والصحافي كامل مروة الذي أسس جريدة الحياة اللبنانية فيما بعد، والشيخ محمد جواد مغنية، والشيخ حبيب آل إبراهيم، والمؤرخ حسن محسن الأمين، والشاعرة زهرة الحرّ وابن عمها الشاعر نزار الحر، ومن العراق الاديب الشاعر معروف الصافي والاديب محمد رضا الشبيبي والشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشيخ علي الشرقي، ومصطفى غلاييني من بيروت، والشاعرة اللبنانية العاملية المقيمة في مصر زينب فواز، والشيخ إبراهيم اليازجي من سوريا، وعضوا المجمع العلمي العربي في دمشق أديب التقي وعيسى اسكندر المعلوف، والمؤرخان سليم الخوري ومحمد جميل بيهم، ومن مصر محمد عبد المنعم خفاجي ووالمفكر الاسلامي الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار واحمد حسن الباقوري وابراهيم الدسوقي، وأحمد التبريزي من ايران.

وبعد وفاة الشيخ المؤسس وظهور جيل جديد من العلماء والمفكرين، كان من جملة من كتب على صفحاتها مقالات وارسل نصوصا ادبية وقصائد علماء مفكرين كان لهم اثر كبير في تجديد الاسلام الشيعي، وهم: الامام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسن الامين والسيد هاني فحص.   

الاصلاح الاجتماعي والتربوي 

كرس الشيخ الزين جهوداً كبيرة للإصلاح الاجتماعي ظهرت بوضوح على صفحات مجلة العرفان منذ مرحلة مبكرة من صدورها، فقد عدّ كل وسيلة اجتماعية من مدرسة أو كلية أو ناد أو جمعية أو صحيفة قادرة على أن تكون صلة وصل بين المصلحين وأفراد مجتمعهم، من هنا دعا الشيخ الزين أبناء وطنه وأمته إلى تأسيس النوادي الأدبية والعلمية وإنشاء الجمعيات لتحقيق التطور والتقدم الاجتماعي والعمل على تحرير المرأة عن طريق توعيتها تعليمها اسوة بالرجال، وكذلك تحديث الاساليب التربوية لتصبح اكثر علمية، دون الخروج عن مبادىء الدين والاخلاق. 

اقرأ أيضاً: تاريخ النهضة في جبل عامل: رضا الصلح باعث النهضة ومحركها(2)

وفي موازاة المجلة، أصدر أحمد عارف الزين جريدة أسبوعية مؤلفة من ثماني صفحات من الحجم الكبير سماها جريدة جبل عامل، إلا أنها لم تدم أكثر من سنة نظراً للمشاكل المادية وضغط الرقابة، وظهر منها بالتحديد 43 عدداً فقد توقفت عن الصدور شهراً ونصف الشهر في أثناء السنة 1912 بعد أن حكمت السلطات العثمانية على مديرها بتهمة القدح والذم، وقد ساهمت العرفان وجريدة جبل عامل في إيجاد رأي عام في هذه المنطقة التي لم تنتشر فيها إلى ذلك الحين أية مطبوعة، وكانت معالجة الشؤون اليومية، بالإضافة إلى ذلك، أفضل وسيلة لتعويدهم على قراءة الصُحُف ولجعلها مرجعاً لهم.  

دعا الشيخ الزين أبناء وطنه وأمته إلى تأسيس النوادي الأدبية والعلمية وإنشاء الجمعيات لتحقيق التطور والتقدم الاجتماعي والعمل على تحرير المرأة 

وكان الشيخ احمد عارف الزين قد شارك في عدد من الجمعيات السرية مثل جمعية العهد وجمعية الإصلاح وجمعية الشبيبة العربية، وكان مندوبا لـجمعية الثورة العربية في نواحي مدينة صيدا، ورئيس لجنة الدفاع عن فلسطين، حكم عليه بالسجن عدة مرات في عهد السلطة العثمانية، كما تم اعتقاله عدة مرات بسبب مناهضته للانتداب الفرنسي، وفي عام 1925 اعتقل بتهمة مناصرة الثورة السورية، وأحرقت مكتبته ومطبعته وسجن غير مرّة . 

وبعدما توفي الشيخ أحمد عارف الزين عام 1960 انتقلت إدارة العرفان إلى نجله القاضي نزار حتى عام 1981 وبقيت تصدر بشكل متقطع رغم أفول عصرها الذهبي مع صدور مئات المطبوعات في لبنان ثم افولها نهاية القرن العشرين بسبب طغيان الاعلام المرئي والمسموع، وقد واكب صدور العرفان في السنوات الاخيرة الحفيد الاستاذ فؤاد الزين الذي سلّم إدارة المجلة في السنوات الأخيرة الى لأديب الراحل الدكتور عبد المجيد الحرّ حتى توقفت عن الصدور لأسباب مادية عام 1996. 

السابق
انخفاضٌ في سعر البنزين.. ماذا عن المازوت والغاز؟
التالي
حسن فحص يكتب لـ «جنوبية»: إيران«تفاوض» نفسها!