تاريخ النهضة في جبل عامل.. تجديد الحوزات وبروز رجال دين مصلحين (1)

صورة عامة عن عمامة شيخ شيعي
سجّل التاريخ في مطلع القرن العشرين نهضة أدبية علمية شهدها جبل عامل، كانت صدى لصوت النهضة العربية التي شهدتها مصر وبلاد الشام في ظلّ الحكم العثماني والانتداب الفرنسي لاحقا، وقد كان لتلك النهضة رجالاتها ايضا الذين نبغوا وتعلّموا ثم علّموا وكتبوا وألّفوا، وبذلوا الغالي والنفيس، وبعضهم تحمل الاضطهاد والسجن، ولم يفتّ كله من أعضادهم، ونجحوا بالنهاية في بعث النهضة وتوريثها للاجيال اللاحقة. وينشر موقع جنوبية على حلقات ملفّا يحاكي هذه الحقبة ويسبر أغوارها، لا سيما منها ابراز شخصيات كان دورها حاسما في بعث تلك النهضة، لم يجر ذكرها مطلقا في كتب التاريخ التربوية، ولو انه جرى المرور على نشاطها السياسي الادبي لماما في عدد من المؤلفات التي بقيت قاصرة عن إيفاء هؤلاء حقوقهم.

أدت حملة والي عكا أحمد باشا الجزار على جبل عامل (جنوب لبنان) عام 1781 م المدعومة بآلاف من جنود الانكشارية التركية الى احتلال كامل البلاد بعد مقتل زعيم جبل عامل الشيخ ناصيف النصار في معركة مارون الراس غير المتكافئة عددا وعدة، وكان مع الشيخ النصار حوالي 500 مقاتل مسلحين ببنادق قديمة، وقعوا فريسة سهلة للمدفعية التركية وللقناصين المسلحين ببنادق انكليزية حديثة. 

وكانت الحياة الثقافية والعلمية هي الضحية الثانية لتلك الحملة، فبعد ان احرق جنود الجزار القرى ودمّروا الدساكر ونهبوا المنازل، شُحنت مكتبات جبل عامل إلى عكا على ظهور الجمال، وكانت أعظم حادثة، إحراق تلك الكتب بما فيها من مؤلفات ومخطوطات نفيسة، كمكتبات آل الأمين في شقرا، وكتب آل سليمان في مزرعة مشرف، وآل خاتون في جويا، التي جعلها الغازون وقوداً لأفران عكا سبعة أيام متوالية، وبعض هذه الكتب اشعل في ساحات عكا احتفالا بالنصر المزعوم كما اكدت المصادر التاريخية. 

الحوزات والمدارس الدينية 

في نهاية القرن التاسع عشر، تغيّر واقع الحال وبدأت مرحلة جديدة، فقد استأنف طلبة العلوم الدينية التوجه نحو النجف لاكمال تحصيلهم الدراسي وتكونهم تحت اشراف تلامذة “مرتضى الأنصاري”، ولما عاد هؤلاء الطلبة إلى جبل عامل كانوا يشرعون بفتح مدارس لنشر هذه العقيدة. 

ومن بين العلماء العامليين الدارسين في النجف، بالامكان أن نذكر أولاً: الشيخ عبد اللّه نعمة (1804 ـ 1886م) الّذي فتح عند عودته مدرسة في “جُبَاع” وهي القرية التي كان الشهيد الأول قد بنى فيها مدرسته. 

بعد ان احرق جنود الجزار القرى ودمّروا الدساكر ونهبوا المنازل، شُحنت المكتبات من جبل عامل إلى عكا على ظهور الجمال 

بعده جاء الشيخ موسى شرارة (1851 ـ 1886)، الّذي كان بدوره ذهب عام 1871م إلى النجف للدراسة متابعاً دروسه مع محمّد كاظم الخرساني ومحمّد طه نجف وغيرهما،وفتح مدرسة دينية في بنت جُبيل ساهمت في تكوين عدد مهم من العلماء العامليين المشهورين، من بينهم السيّد محسن الأمين، وكان الشيخ شرارة قد اعتنق أثناء إقامته في النجف أفكارا جديدة، لذلك فقد قام بتجديد المجالس الشعرية والأدبية مستلهماً هذه التجربة من المجالس والحلقات العراقية.  

أما السيد حسن يوسف مكي (1844 ـ 1906م) فقد تميّز فيما بعد من بين العلماء العامليين. وبعد أن أمضى عشرين عاماً في النجف فتح في النبطية مدرسة ضمت نحو مائتي طالب. 

كما نجحت جهود السيد علي محمود الأمين (1860 ـ 1906م) الّذي كان هو الآخر قد أقام عشرين عاماً في النجف وبنى مدرسة دينية في شقراء سنة 1893م وضمت 400 طالب.  

وفي مدينة النجف نفسها فانّ علماء عامليين اشتهروا بسعة المعرفة، من بينهم السيد نجيب فضل اللّه (1874 ـ 1917م) الّذي قضى هناك تسع سنوات ودرس فيها. 

رجال دين مجددون 

وفي جيل تلامذة هؤلاء الأساتذة ظهر لاحقا ثلة من رجال الدين المثقفين الذين ساهموا من موقعهم المتقدم بنهضة دينية اصلاحية وتجديدية حاكت النهضة العلمية وواكبتها ابرزهم، السيد محسن الأمين (1867 ـ 1952م)، الذي ألّف كتبا عنت بشرح العقائد الشيعية وكتب في التاريخ الشيعي وجدّد المجالس الحسينية وكان احد المصلحين الملهمين واستقر في دمشق في حي الخراب الشيعي وأسس مدرسة للناشئة وكان من رجالات الثورة ضدّ الفرنسيين، والسيد عبد الحسين شرف الدين (1873 ـ 1957م) الذي اشتهر بمؤلفه العقائدي المراجعات، وهو لعب دورا سياسيا بارزا عندما قاوم الانتداب الفرنسي بداية الى جانب الزعامات الزمنية والدينية منذ عام 1920، ثم عاد واعترف بدولة لبنان الكبير وشكر الدولة التي اعترفت بالمذهب الشيعي واسست المحاكم الشرعية الجعفرية، وكان الشيعة يتبعون قبلا المحاكم الشرعية السنية، ومن العلماء المؤثرين ايضا الشيخ حسين مُغنية (1863 ـ 1940م) الرئيس الديني في جبل عامل، وتولى أيضاً رئاسة جمعية العلماء العامليين التي تأسّست عام 1928م. 

بعض رجال الدين المتزمتين أهدروا دم الشيخ محسن شرارة الذي نادي باصلاح مناهج الحوزات الدينية 

ومن رجالات النهضة الدينية ايضا الشيخ محمّد شرارة وابن عمه الشيخ محسن شرارة (1901 ـ 1946م) وهذا الأخير هو الوحيد الّذي شغل بدوره مناصب دينية في مسقط رأسه بنت جُبيل، ونادى باصلاح الدراسات الدينية في حوزات النجف العراقية عبر سلسلة من ثلاث مقالات نُشرت في مجلة العرفان خلال صيف 1928م بعنوان “بين الفوضى والتعليم الصحيح”، فأثارت تلك المقالات ضجة كبرى، حتى ان بعض رجال الدين الشيعة المحافظين المتزمين أهدروا دمه، لانهم يعتبرون ان منهج الدراسة الحوزوية مقدسا، وان لا بديل عن كتب مراجع السلف المؤسس كالمفيد والطوسي والانصاري والأخوند الخرساني وغيرهم، وان محاولة جعل دراسة الاصول والفقه تقوم على النسق الجامعي الحديث هي بدعة تستوجب العقاب.

السابق
«عورات» نواب السلطة تتكشّف سياسياً وأخلاقياً..وجنبلاط يُحذّر من «مغامرات» نصرالله!
التالي
هذا ما جاء في أسرار الصحف المحلية