مشروع تطوير ميناء تشابهار بين التحديات والبدائل: هواجس إيرانية

ميناء تشابهار

علّقت طهران آمالاً واسعةً على مشروع تطوير ميناء تشابهار الإيراني، المُطلّ على خليج عمان، وبحر العرب. وتأمل طهران أن يُساعد الميناء في تحويل البلاد إلى بوابة إقليمية لاستقبال وتصدير البضائع في إطار ممرّ الشمال-الجنوب الذي يهدف إلى ربط روسيا، وبلدان آسيا الوسطى، بالمحيطات، وبمنطقة الخليج والشرق الأوسط. ويُعدُّ المشروع جزءاً من خطة أوسع تتبناها طهران، وتهدف للتحول إلى ممرّ أساسي من ممرات النقل والتجارة الإقليمية والعالمية. وفي إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية للمشروع، ورد ميناء تشابهار، وما يرتبط به من خطط، في برامج التنمية الخماسية، وأكّد أكثر من مسؤول إيراني ضرورة إنجازه، على رأسهم القائد الأعلى علي خامنئي. 

اقرأ أيضاً: المدرسة الناصرية والمدرسة الإيرانية: من دويِّ الهزيمة إلى دويِّ العزلة

وبذلت طهران جهداً لاستثناء المشروع من خريطة العقوبات الأمريكية، ونجحت في ذلك إلى حد كبير؛ حيث اتفقت مع الجانب الهندي حول انخراط جهات حكومية، أو مقربة من الحكومة الهندية في مشاريع لتنمية الميناء وتشغيله، بلغ مقدارها أكثر من 700 مليون دولار، على أن تمتلك الشركات الهندية حقّ تشغيل الميناء لفترة لا تقل عن عشرة أعوام. وكانت إيران بدأت عدة مشاريع لتطوير البنى التحتية، وإنشاء سكك الحديد، أُوكِلت مهمة إنجاز بعضها إلى شركات أجنبية. وذلك في ضوء ظروف بدت ملائمة لتطوير ممرّ تشابهار-سرخس، واحتلاله دوراً جيداً في سياق ممرّات التجارة الإقليمية، وكريدور الشمال-الجنوب. إلّا أن غالبية تلك المشاريع تجمّدت بفعل عدة مؤثرات، منها: تناقضات المصالح الداخلية، وتعارض المصالح الدولية بين شركاء إيران، كما بفعل انعدام السيولة بعد فرض العقوبات في 2018؛ ما جعل مشروع تشابهار أيضاً، معلقاً حتى إشعار آخر. وبالتزامن مع هذا التجميد، حدثت عدّة تطورات، منها: محاولات باكستان لتطوير ممرّات بديلة عبر مشروع ميناء غوادر الباكستاني، وظهور بوادر على عزوف الهند عن توافقاتها مع إيران بفعل العقوبات، وبفعل ميول إيران نحو إشراك الصين في تفاصيل المشروع، إلى جانب التغيير الذي حصل في أفغانستان، ونهاية حكم أشرف غني المقرب من الهند، لحساب طالبان التي تعتبر حليفة إسلام آباد. 

يشتمل هذا العدد من “مناظير إيرانية” على ترجمة لورقتين تُظهِران هواجس العقل الإيراني تجاه مشروع تشابهار بشكل خاص، وتجاه فكرة تحوُّل إيران إلى محطّة مهمّة ضمن الممرّ الشمالي-الجنوبي. وتكشف الورقتان مخاوف إيران من المشاريع البديلة. ويروي أحد النصّين محاولات باكستان لتفعيل ممرّ بديل للممرّ الإيراني، مُستفيداً من علاقاته مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان. بينما يناقش النص الثاني محاولات الهند العثور على ممرّات بديلة عن إيران، لنقل البضائع إلى روسيا، ويسرد أسباب عزوفها عن التعاون مع طهران. وكل ذلك في إطار نظرة نقدية، تنتقد الجانب الإيراني، وتقاعسه عن القيام بما عليه من خطوات. 

الورقة الأولى: “شبكة ترانس-أفغان لسكك الحديد” تتحدى تشابهار: هل سيتم تهميش إيران من ممرّات نقل البضائع الإقليمية؟

مع دخول العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا حيّز التنفيذ، تأثر عدد كبير من ممرّات نقل البضائع الدوليّة التي تمرّ عبر الأراضي الروسيّة بالعقوبات، تماماً مثل البنوك في هذا البلد. ومن أهمّ آثار تلك العقوبات، ذلك الذي نال الفرع الشمالي من مشروع الحزام والطريق الصيني، والذي يواجه مستقبلاً غامضاً في ظل العقوبات، وصمت الصين الرسمي إزاء التطورات. 

ومن جهة أخرى، فإن دول آسيا الوسطى، وخصوصاً أوزبكستان، باعتبارها دولاً محصورة في البرّ، لا تزال تبحث عن مداخل لتطوير ممرّات شحن دولية، من شأنها أن تربط هذه الدول بالبحار. وهذا هو الموضوع الذي استوعبت حكومة طالبان أهميته، ولذلك سعت عبر التعاون مع شركائها التجاريين في آسيا الوسطى إلى تفعيل ممرّات للوصول إلى نقاط على شطآن البحار.

شبكة قطارات ترانس-أفغان، وتغيير خريطة ممرّات نقل البضائع

يُعَدُّ مشروع تشييد شبكة “ترانس-أفغان” لسكك الحديد، من أهم المشاريع المشتركة بين أفغانستان وبلدان آسيا الوسطى، لتجاوز البرّ، والوصول إلى البحار. وهو مشروع طموح يربط شبكة سكك الحديد في أوزبكستان، بأهم موانئ باكستان، مثل: كراتشي، وغوادر، وميناء قاسم، وذلك عبر الأراضي الأفغانية.

وبعد عدة أشهر من عدم الاستقرار في أفغانستان غداة استيلاء تنظيم طالبان على الحكم في كابول، فإن بوادر نجاح التنظيم في تثبيت الاستقرار، دفعت البلدان الثلاثة نحو الاقتناع بأن الأوان قد آن لبدء تنفيذ هذا المشروع الطموح. ودفعت هذه القناعة مسؤولين من الدول الثلاثة إلى الاجتماع في العاصمة الأوزبكية طشقند في فبراير الماضي، من أجل التوقيع على عقد مشترك لبناء سكة حديد بطول 600 كيلومتر، تربط مزار شريف بمدينة بيشاور مروراً بالعاصمة الأفغانية كابول، كجزء من مشروع شحن البضائع بين أوزبكستان وباكستان.

وفي هذا السياق، فإن وزير الداخلية الباكستاني، ورئيس لجنة الاستثمارات الأجنبية محمد أفزار أحسن، أعلن أن هذا الطريق هو القناة الأقصر، والأمثل لربط بلدان آسيا الوسطى بموانئ باكستان، مشيراً إلى أن الكريدور المؤدي إلى باكستان بات يلفت انتباه الكثيرين باعتباره الطريق الأمثل للارتباط بالبحار، وأن مشروع “ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور” لسكك الحديد، يحمل معه تداعيات مهمة على مستقبل المنطقة.

وأكد الوزير الباكستاني في حدثة عن هذا المشروع الثلاثي، أن أفغانستان تمثل قلب آسيا، وأن القنوات التي تمر عبر الأراضي الأفغانية ستربط بلدان آسيا الوسطى، مثل: طاجيكستان، وتركمنستان، وأوزبكستان بجنوب آسيا، عبر باكستان، وبالشرق الأوسط، عبر إيران.

شبكة ترانس-أفغان لسكك الحديد، وأهميتها بين باكستان وإيران

يمكنُ فهم أهمية تشييد هذا الممرّ الجديد بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان، من خلال التدقيق فيما تحاول باكستان القيام به في أفغانستان؛ إذ تكشف الجهود الباكستانية عن المشهد الأوسع الذي يجري الإعداد له على مستوى ممرّات التجارة، وخطوط النقل في آسيا الوسطى. وتُعَدُّ إسلام آباد من أهم اللاعبين في أفغانستان، خصوصاً غداة هيمنة تنظيم طالبان على مقاليد الحكم في كابول؛ حيث أتاحت لها علاقاتها الجيدة مع تنظيم طالبان، لعب دور بارز في أفغانستان. كما أنها حاولت خلال الأشهر الماضية بذل المزيد من الجهود لتوسيع شرعيّة التنظيم ضمن المجال الدولي. وتبدو باكستان الآن، على أهبة الاستعداد لحصد ثمار استثماراتها السياسية في أفغانستان، لتكون لها يد فاعلة، لا في أفغانستان فحسب، وإنما من ورائها في آسيا الوسطى. 

في المقابل، لا تستطيع الهند التي كانت تربطها علاقات جيدة بالنظام السياسي الأفغاني قبل سيطرة طالبان، ممارسة الدور ذاته في ظل الحكم الأفغاني الجديد؛ إذ تحول علاقاتها السابقة الجيدة مع حكومة أشرف غني، دون انصهارها في علاقات جيدة مماثلة مع حكومة طالبان التي باتت أقرب إلى إسلام آباد. وامتدت تداعيات العلاقات الجيدة التي تربط باكستان بنظام الحكم الجديد في أفغانستان، إلى التأثير على نوعية العلاقات بين كابول ونيودلهي؛ حيث استطاعت إسلام آباد تغيير مسار المساعدات الهندية إلى أفغانستان على صعيد الصحة، والغذاء لكي تمر عبر باكستان وصولا إلى الأراضي الأفغانية، بدلاً من المسار الإيراني عبر ميناء تشابهار. وحتى القمح الذي كانت الهند تصدره إلى أفغانستان عبر إيران، بات الآن يمر عبر باكستان، ليؤدي ذلك إلى تغييب قناة النقل الإيرانية من خريطة الوصول إلى كابول.

وفي ضوء التنافس الكبير بين ميناء تشابهار الإيراني، وميناء غوادر الباكستاني على ضفاف مكران، تحاول باكستان الآن استغلال علاقاتها مع بلدان آسيا الوسطى، لاستخدام ورقة “الشحن إلى آسيا الوسطى” في سياق تنشيط ميناء غوادر، ودعمه في وجه البديل الإيراني. وعلى الرغم من أن الوزير الباكستاني حاول طمأنة الجانب الإيراني، حين أكد أن الاتصال الأفغاني بالشرق الأوسط سيكون عبر إيران، إلا أن السؤال الأهم في ضوء القرب الجغرافي بين الميناء الإيراني، وبديله الباكستاني (المسافة بينهما أقل من 120 كيلومتراً)، وفي ضوء البدء بتنفيذ خط ترانس-أفغان لسكك الحديد، بات الآن يتعلق بما هي الضرورة التي تدفع باكستان نحو مشاركة الأرباح مع الجانب الإيراني، والتخلي عن أجزاء من الحمولات المتاحة لها، لصالح ميناء تشابهار المنافس؟ وفي ظل هذا التساؤل الموضوعي، لا يبدو أن الوزير الباكستاني كان صادقاً في أقواله التي يرجح أنها جاءت في سياق المجاملات، لطمأنة الجانب الإيراني، وتحاشي ردود أفعال قوية من طهران.

إن ما هو واضح، أن تشييد خط ترانس-أفغان لسكك الحديد، وتنشيط ممرّ لاتصال آسيا الوسطى بالبحار عبر باكستان، يمثل تهديداً صريحاً لمشروع تشابهار الإيراني الذي تأجل ربطه بخطوط سكك الحديد لعدة أعوام، بفعل تقاعس الجانبين؛ الإيراني، والهندي. وذلك إلى جانب الظروف الناجمة عن العقوبات التي عملت على تهميش هذا الممر لصالح ممرّ باكستان البديل، كما عملت على عزل أفغانستان عن مشروع ممرّ تشابهار، وربطها بمشروع ميناء غوادر. ويعني ذلك كله، أن دخول مشروع ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور – غوادر حيز التنفيذ، عبر تشييد خط ترانس – أفغان، يمثل ضرراً بالغاً للمشروع الإيراني، ويؤدي إلى خسائر جمة لتطلعات إيران على صعيد ممرّات الشحن والارتباط. 

هل يدخل مشروع خط ترانس – أفغان حيز التنفيذ؟

على الرغم من التهديد الذي يمثله مشروع شبكة ترانس-أفغان لسكك الحديد، لمشاريع الشحن والطموحات الإيرانية على صعيد نقل البضائع، إلا أن السؤال الأهم هو ما إذا كان مثل هذا المشروع المنافس، سيدخل حيز التنفيذ، أم سيبقى مجرّد طموح؟ وللردّ على هذا السؤال، يجب أخذ بعض المؤثرات بعين الاعتبار: 

أولها؛ أن كلاً من باكستان وأوزبكستان وأفغانستان، تعاني من مشكلات مالية كبيرة، تجعلها في عداد البلدان المعوزة، والبعيدة كل البعد عن البلدان ذات المكنة الاقتصادية. ولذلك فإنها ستواجه صعوبات جمة في تأمين رؤوس الأموال اللازمة من أجل إنجاز هذا المشروع. إلّا أننا يجب ألا ننسى الدعم الذي قدمته البلدان العربية الغنية لباكستان وأفغانستان على مدى العقود الماضية لتحقيق نمط خاص من التنمية التي تهدف إلى وضع البلدين في موقع قريب من المنظومة العربية. وتمثّل هذا الدعم في جزء منه بقيام بلدان عربية ببناء المساجد، والمدارس، والمستشفيات، وبعض المشاريع العمرانية، والبنيوية في باكستان؛ ما كان يصبُّ في صالح تحقيق غايات اقتصادية وسياسية، تخدم المصالح العربية في هذين البلدين. وقد تدفع العلاقات المتوترة بين طهران وكثير من هذه البلدان العربية، العرب نحو إعادة الكرّة، وتوفير السيولة اللازمة لإنجاز مشروع ترانس – أفغان، بغية إضعاف مكانة إيران في خريطة قنوات الاتصال الإقليمية.

ويتمثل المؤثر الثاني؛ بمستوى أمن الطريق، وحيثياته الطوبوغرافية؛ فالخريطة الجغرافية تظهر أن ثمة عقبات جغرافية، وطبيعية، متمثلة في الجبال والطرق الوعرة، تُصعِّب مسار إنجاز المشروع الذي تنشده الدول الثلاث: باكستان وأفغانستان وأوزبكستان. ثم إن نشاط أذرع فعالة من تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في جنوب أفغانستان وشمال باكستان، من شأنه أن يضع عقبات أمنية كبيرة على طريق إنجاز هذا المشروع. 

وفي المحصلة، لا يتوقّع المراقبون إنجاز هذا الطريق في المدى القريب، وهذه النقطة بالذات تمثل فرصة كبيرة ربما تكون الأخيرة من نوعها لإيران، من أجل دعم وتفعيل مشروع تشابهار، عبر تطوير البنى التحتية اللازمة، قبل أن تتمكن باكستان من وضع اللمسات الجوهرية الأخيرة على مشروع ميناء غوادر، وربطه بقنوات الاتصال الإقليمية، لجعله محطة نهائية للارتباط مع آسيا الوسطى، والقضاء على آمال المشروع الإيراني الطموح.

الورقة الثانية: الهند تتخلى عن الممر الإيراني؛ لماذا التفّت الهند على إيران، رغم انخراطها في مشروع تشابهار؟

تناولت عدة مصادر إيرانية مؤخراً موضوع التأخير الهندي في تطوير ميناء تشابهار، ومحاولات الالتفاف على إيران باعتبارها ممراً لشحن البضائع. وذلك بعد تقارير تم نشرها عن قيام الهند بتصدير بضائع إلى روسيا عبر البحر الأسود، مروراً بجورجيا بخلاف التوافقات السابقة بين البلدين.

واتّهم رئيس مجلس إدارة نقابة الملاحة في إيران روزبه مختاري، نيودلهي بالمماطلة في تطوير ميناء تشابهار خلال حوار مع وكالة الأنباء العمالية الإيرانية، مدّعياً أن المشغل الهندي للميناء، لم يقم بما عليه وفق العقد المبرم بين الجانبين. ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل رفع شكوى ضد الجانب الإيراني إلى جهات دولية، مُطالباً بتحكيم دولي، ولم يسمح للجانب الإيراني باستخدام رافعات أثقال تجارية تم استيرادها لميناء شهيد بهشتي في تشابهار. وتُعتَبر تشابهار، بوابة المحور الشرقي لإيران، ونقطة محورية في قناة النقل الشمالية الجنوبية؛ حيث توفر عبر الحدود الشرقية والشمالية الشرقية الإيرانية ممرّاً بحرياً برياً للهند إلى أفغانستان، وإلى آسيا الوسطى.

ويأتي اتهام إيران للهند بالمماطلة في تحويل إيران إلى ممر دولي لنقل البضائع، في حين يؤكد الإيرانيون أن الأشهر المنصرمة شهدت ارتفاع السعة الاستيعابية لميناء تشابهار في استقبال وتصدير البضائع لتبلغ 8 ملايين طن. إذ تُشير أرقام منظمة الموانئ والملاحة الإيرانية إلى أن حجم شحن البضائع وتفريغ الحمولات بلغ 4 ملايين طن في العام الإيراني المنتهي، مقارنة بنحو 3 ملايين طن في العام الإيراني السابق؛ وهو ما يحمل دلالات واضحة على أعمال التوسيع التي أجراها الجانب الهندي لتطوير الميناء.

تغييب الجانب الأساسي للرواية

كان الدافع الأساس في انخراط الشركات الحكومية الهندية في مشروع تشابهار، الوعود التي قطعت بشأن ربط الميناء الواقع في أقصى الجنوب الشرقي الإيراني، بمدينة زاهدان مركز محافظة بلوتشستان الإيرانية، عبر سكة حديد. ومن دون هذا الربط السككي، فإن الميناء لا يمتلك مزية اقتصادية لشحن البضائع الهندية إلى آسيا الوسطى وأفغانستان وروسيا عبر الأراضي الإيرانية. وكان من المقرّر أن تقوم شركات هندية ببناء هذه السكة التي يبلغ طولها 630 كيلومتراً، لكنّ صحفاّ هندية أكدت في يونيو 2020 أن إيران أبعدت الجانب الهندي من مشروع مدّ سكة الحديد التي تربط ميناء تشابهار بمدينة زاهدان، وذلك بداعي تلكُّؤ نيودلهي في البدء بأعمال المشروع. وقامت الحكومة الإيرانية بعد ذلك، بتوقيع عقد لتنفيذ المشروع مع منظمة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري الإيراني؛ إلا أن المشروع لم يشهد تحركاً ملموساً طيلة العامين الماضيين، لأسباب لم تعرف رغم إبرام الصفقة. ومع ذلك، لم تقم الحكومة الإيرانية بإلغاء العقد مع خاتم الأنبياء، كما فعلت مع الجانب الهندي بداعي التلكُّؤ. وأكّد مدير شركة تطوير البنى التحتية الإيرانية خير الله خادمي في السياق نفسه، أن المشروع يحتاج إلى 12 ألف مليار تومان لإنجازه، وأن إنجازه سيستغرق عامين على الأقل في حال توفر السيولة.

وحتى في حال إكمال هذا المشروع، فإن إيران ستكون قادرة حينها على شحن البضائع الهندية إلى أفغانستان، وبشكل جزئي إلى حدود تركمنستان فحسب. ولن تستطيع القيام بالمزيد، من دون تطوير مزيد من مشاريع سكك الحديد. إذ ستكون إيران قادرة فحسب على شحن البضائع عبر شاحنات تستخدم الطرق الإيرانية، بما لا يحمل أية مزايا من شأنها أن تجذب الشركات، والبلدان الأخرى. خصوصاً وأن البضائع التي يتم شحنها عبر هذه السبل، ستضطر إلى عدة محطات من إعادة الشحن، بما يرفع كلفة الشحن، ويُخلِّف مزيداً من الأعباء للشركات المُصدِّرة، والمنتجة.

وفي هذا السياق، وبينما يبلغ حجم التجارة بين الهند وإيران 8 ملايين طن، فإن أربعة ملايين طن منها فقط تم شحنها عبر ميناء تشابهار؛ ما يعني أن نقص البنى التحتية اللازمة في تشابهار دفعت حتى الجانب الهندي والإيراني نحو استخدام موانئ أخرى لاستيعاب التجارة الثنائية بين البلدين.

شبكة سكك الحديد الإيرانية؛ ما هي الطاقة الاستيعابية؟

تُعدُّ محطة سرخس في أقصى الشمال الشرقي الإيراني على الحدود مع تركمنستان، أكبر المحطات الإيرانية الدولية لسكك الحديد في إيران. وتستحوذ المحطة بحسب مدير منظمة سكك الحديد في محافظة خراسان على 79% من إجمالي شحن البضائع الدولية عبر إيران. ومع ذلك، فإن كل البضائع التي تمّ شحنها أو تفريغها في هذه المحطة، لم تبلغ إلّا 1.4 مليون طن؛ ما يحمل دلالة واضحة على حجم عمليات نقل البضائع الدولية عبر إيران. وكان نحو 80% من إجمالي هذه البضائع من نصيب مادة الكبريت الذي تم شحنه من آسيا الوسطى. والأمر ليس غريباً؛ إذ تفتقد شبكة القطارات الإيرانية إلى العربات المزودة بأنظمة تبريد، وتثليج من شأنه أن يساعد على حمل البضائع الزراعية، والفواكه، والخضروات، واللحوم؛ ما يجعل من الطبيعي جداً اقتصار البضائع التي يتم شحنها بهذه القطارات على المواد غير المعرضة للفساد، ومنها الكبريت.

وتتعلّق النقطة اللافتة الأخرى، بحجم البضائع التي يتم نقلها عبر إيران؛ إذ يبلغ إجمالي حجم البضائع الدولية التي تم نقلها عبر الشبكة الإيرانية لسكك الحديد، 2 مليون طن فقط. وهو رقم ضئيل، حتى مقارنة بأذربيجان؛ الجارة الصغيرة لإيران التي يبلغ الحجم ذاته لديها 8 ملايين طن.

الممرّ الشمالي-الجنوبي لنقل البضائع

لم تستطع إيران على مدى العقدين الماضيين، مسايرة السباق الدولي في تنمية شبكة سكك الحديد لديها. وبينما كان عليها من أجل القيام بدور لافت في الممر الدولي الشمالي-الجنوبي لنقل البضائع من تركيا وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وأفغانستان إلى موانئ الجنوب، ومنها إلى بلدان آسيوية مثل الهند والصين، أن تقوم بتفعيل، وتشغيل عدة مشاريع سكك الحديد، لكنها لم تفعل شيئاً يذكر لبناء أي من تلك المشاريع. وفي هذا السياق فإن طهران تخلَّفَت حتى عن إكمال سكة (رشت-آستارا) الحديدية في الجزء الشمالي منها، باعتباره مشروعاً أساسياً في كل من ممرّ الشمال-الجنوب الروسي-الهندي، وممرّ الشرق-الغرب الصيني (جزء من مشروع الحزام والطريق الذي تقف الصين خلفه). كما أنها تخلَّفت عن تطوير محطة قطاراتها على الحدود مع تركيا، لتستطيع استيعاب قطارات شحن البضائع.

ومن اللافت أن نحو 60% من تبادل إيران التجاري مع روسيا التي تعتبر جارة لها، يتم عبر شبكة القطارات والطرق الأذربيجانية. وذلك لأن إيران تفتقر إلى البنية التحتية، وشبكة السفن والقطارات التي تمكنها من القيام بذلك بنفسها. والنتيجة لكل ذلك، هي أن إيران لم يتم تغييبها من ممرّ الشمال-الجنوب فحسب، وإنما تمّ إبعادها ميدانياً منذ عامين عن مشاريع ممرّ الشرق-الغرب، ومبادرة الحزام والطريق الصينية رغم كل المناورات السياسية الإيرانية؛ فالصين تقوم منذ 2020 بنقل البضائع إلى تركيا وأوروبا الشرقية عبر ممر آسيا الوسطى – أذربيجان – جورجيا – تركيا، مُلتفَّة حول إيران، التي كان من المفترض أن تكون جزءاً من هذه القناة، بينما عمل ضعف بنيتها التحتية، وعدم تطوير أنظمتها لسكك الحديد، وضعف الملاحة في بحر قزوين على تهميشها من المشاريع الميدانية للنقل.

وعمِلَت كلُّ تلك الدول، طيلة العقد الماضي، على مشاريع لتطوير شبكاتها لسكك الحديد، وربطها ببعضها البعض، لتشكل مجموعة مترابطة؛ فأذربيجان على سبيل المثال، ارتبطت بخمس ممرّات دولية لنقل البضائع، بما أتاح لها نقل نحو 8 ملايين طن من البضائع الدولية (4 أضعاف نظيرها الإيراني)، وهو ما يمثل نمواً بنحو 100% مقارنةً بعام 2020. وباتت باكو نتيجة مشاريع تطوير قامت بها، تمتلك أكبر أسطول من سفن الشحن في بحر قزوين؛ أسطول يشارك في شحن البضائع الروسية إلى البلدان الأخرى، وتقوم تركمنستان وكازاخستان باستخدامه لشحن نفطها إلى باكو، ومن هناك إلى الأسواق الدولية، عبر خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان.

وفي المقابل، أكّد المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرة خلال الشهرين الماضيين، أن الحرب الأوكرانية تمثّل فرصة حقيقية لإيران للعب دور كبير في توفير البضائع للأسواق الروسية، أو شحن البضائع الروسية، والتحول إلى محطة دولية لنقل البضائع. لكنّهم لم يشيروا إلى ضعف البنى التحتية، ودوره في الحيلولة دون نمو قطاع النقل والشحن.

صحيح أن طريق نقل البضائع من الهند إلى البحر الأسود، ومن هناك إلى روسيا عبر جورجيا، والتي اختارته نيودلهي مؤخراً لنقل بضائعها إلى روسيا، أطول بخمس مرّات من الطريق الذي يمرّ عبر الأراضي الإيرانية، لكنه في الأحوال الراهنة يبقى الطريق الأكثر تفضيلاً. وعلينا (في إيران) تقبُّل واقع أن الصين والهند تستخدمان الممرّات الأخرى، وتلتفّان على إيران. والسبب في ذلك كله واضح: ضعف البنى التحتية، وعدم استكمال شبكات المواصلات في إيران.

السابق
نتائج الامتحانات الرسمية المهنية تصدر في هذا الموعد!
التالي
هل فُتحت أبواب المسابح العسكرية أمام العموم؟