قراءة في نتائج الإنتخابات النيابية.. الكل يخرج كالعادة «منتصراً»!

ياسين شبلي

أما وقد أسدل الستار على إستحقاق الإنتخابات النيابية، وبعد هدوء ضجيج الإنتصارات التي إدعاها كل طرف لنفسه بحيث “خرج” الجميع كالعادة منتصراً ، وكما يقال بعد أن “راحت السكرة وإجت الفكرة” ، حان وقت القراءة الهادئة للنتائج ومحاولة فك رموزها ومدى تأثيرها على واقع البلد .

اقرا ايضا: انتخاب بري.. هل تنتصر «الورقة البيضاء» على «الفيتو الميثاقي»؟!


على المستوى الوطني العام، هناك عدة نقاط برزت لا بد من ملاحظتها قبل الحديث عن حسابات الربح والخسارة لكل طرف من الأطراف المعنية . النقطة الأولى أن نسبة التصويت لم تتجاوز ال 41 %، أي لا زالت أقل من النصف، وهذا مؤشر على مدى إشمئزاز الناس من الطبقة السياسية وعدم ثقتهم بها وبقدرتها على التغيير، وهو ما يلقي شكوكاً حول الشرعية السياسية لهؤلاء، بغض النظر عن الشرعية القانونية.

نسبة التصويت لم تتجاوز ال 41 % أي لا زالت أقل من النصف وهذا مؤشر على مدى إشمئزاز الناس من الطبقة السياسية


النقطة الثانية هي أن لا أكثرية سُجِلت لأي مكون سياسي من مكونات ما بعد ال 2005، ففي حين خسرت قوى الثامن من آذار الأكثرية، التي وصل التباهي بها يوماً إلى طهران، فإن قوى الرابع عشر من آذار لم تستطع إسترجاع أكثريتها التي كانت لها منذ العام 2005 وحتى العام 2018، وهو ما يطرح التساؤل عن كيفية إدارة السلطة في المرحلة المقبلة بعد أن ” إنفخت الدف وتفرق العشاق ” كما يقال، خاصة وأن خسارة 8 آذار صبت في صالح المستقلين وقوى التغيير، التي فاجأت الجميع بحصولها أقله على 13 مقعد، وهذه هي النقطة الثالثة بحيث بات للمجتمع المدني المنبثق من حراك 17 تشرين، ولأول مرة صوت في المجلس الجديد وهو ما قد يجعل منها – إذا ما أحسنت رص صفوفها ونسج تحالفات مع بعض المستقلين – كتلة وازنة موازية ومرجحة . النقطة الرابعة هي بروز تعددية على مستوى الطوائف والمذاهب بأغلبها وهذه ظاهرة جد صحية بإستثناء – وللأسف الشديد – الطائفة الشيعية التي كانت رائدة في هذا المجال على مدى تاريخها إلى ما قبل ال 30 سنة الأخيرة ، بحيث أحكم السيطرة عليها ثنائي سياسي يمثل مصالح قوى إقليمية، تقاتلت على النفوذ بدم الشيعة منتصف ثمانينات القرن الماضي، ومن ثم تصالحت – على أعتاب إتفاق الطائف – على الإستئثار بحقوق الشيعة ومصادرتها عبر الترغيب الذي هو أقرب إلى الترهيب عبر إدخال المحازبين والأتباع إلى ملاك الدولة اللبنانية ومؤسساتها من جهة، وعبر معادلة “أمن وحماية الشيعة” ومدهم بالإحساس بفائض القوة، تارة في مواجهة العدو الصهيوني وأخرى في مواجهة الآخر في الداخل اللبناني خاصة في فترة ما بعد 2005، ومن ثم في مواجهة الإرهاب والدواعش، مقابل الولاء المطلق والأعمى بحيث لم يعد يرى هذا المجتمع بغالبيته النسبية لا فساداً مدمراً يستشري، ولا تعطيلاً لآليات عمل الدولة على مدى سنين تضرب أساس الدولة في مقتل، ولا مغامرات خارجية تجر الويلات على البلد والناس ، وهو الأمر الذي لا يزال سارياً – مع بعض التململ – وأظهرته هذه الإنتخابات بالرغم من الإنهيار الحاصل في البلد الذي أسفر عن سرقة أموال المودعين – وفي المقدمة منهم المغتربون الشيعة – وعن تدني مستوى معيشة اللبنانيين ومن ضمنهم بالطبع المواطنون الشيعة.

الخرق الذي تعرضت له لائحته في دائرة الجنوب الثالثة وإسقاط حليفه التاريخي وشريكه في أحداث 7 أيار أسعد حردان كان له الأثر الكبير على معنويات مناصريه

بالنسبة لحسابات الربح والخسارة على مستوى الأحزاب والتيارات، نبدأ بأحزاب الثنائي الشيعي، الذي وإن كان قد نجح بالحفاظ على التمثيل الشيعي كاملاً وبهذا المعنى يكون قد “ربح” ط، إلا أن الخرق الذي تعرضت له لائحته في دائرة الجنوب الثالثة، وإسقاط حليفه التاريخي وشريكه في أحداث 7 أيار في بيروت أسعد حردان، كان له الأثر الكبير على معنويات مناصريه وإن كان يحاول إظهار العكس، كما أن التراجع النسبي الذي تعرض له التيار الوطني الحر شريك حزب الله في تفاهم مار مخايل بتناقص عدد نوابه من 22 إلى 17 نائباً، كان ضربة في الصميم بحيث نزع “الغطاء المسيحي” ولو المعنوي عن سلاح الحزب الذي خاض تحت هذا الغطاء حرب تموز 2006 العسكرية، وبهذا المعنى يكون الحزب قد خسر حرب “تموز السياسية” كما وصف هو هذه الإنتخابات مبالغةً منه في إطار التجييش والتعبئة الإنتخابية لأنصاره، لا سيما وأنه خسر أيضاً الساحة الدرزية بالسقوط المدوي ل “بيادقه” الدروز ط، أمثال طلال أرسلان ووئام وهاب فضلاً عن مروان خير الدين، ولم يتبقَ له سوى بعض الحلفاء السُنة الذين لم ينجحوا أصلاً على لوائحه ربما بإستثناء مرشحي بعلبك الهرمل، وبهذا يكون الحزب قد عاد إلى مربعه الشيعي واحداً من ثنائي مع حركة أمل التي وإن كانت خسرت نائبها الماروني في جزين والدرزي في حاصبيا، إلا أن خسارتها تعتبر نسبياً ضئيلة ويمكن تعويضها إذا ما أخذنا بعين الإعتبار علاقة الرئيس نبيه بري بصديقه و”توأمه” السياسي وليد جنبلاط، الذي يُعتبَر الرابح الأكبر بعد قوى التغيير بالطبع في هذه الإنتخابات نسبةً لما كان يُحضَّر له على صعيد الجبل، والذي كعادته لعبها هذه المرة أيضاً بحرفية عالية جعلت منه وبلا مبالغة “بطريرك” السياسة اللبنانية ، إذ من غير المعقول في فن السياسة – اللبنانية منها خاصة – أن يكون ما حصل من سقوط مدوٍ لخصومه الدروز، مجرد صدفة أو ضربة حظ أو حسن طالع، بل لا بد من أن هناك “قطبة مخفية” حاكها البيك بصمت لتنفجر مدوية عند إعلان النتائج.

القوات اللبنانية حققت هدفها وحصدت إنتصاراً كبيراً على خصمها التيار الوطني ما جعل منها القوة المسيحية الأولى في مجلس النواب


بالنسبة للقوات اللبنانية التي حققت هدفها وحصدت إنتصاراً كبيراً على خصمها التيار الوطني الحر، ما جعل منها القوة المسيحية الأولى في مجلس النواب والرابح الأكبر على الساحة المسيحية ، اللهم إلا إذا فعلت “حياكة” التحالفات فعلها ونسجت سجادة “عجمية”متنوعة الألوان والنقوش ليتربع فوقها جبران باسيل الطامح دوماً إلى صدارة المشهد السياسي المسيحي، خاصة وأن القوات اللبنانية تفتقد للتحالفات القوية، سواء على المستوى المسيحي حيث هي على خلاف مع غالبية أطراف هذا الطيف السياسي ، أو على الساحة الإسلامية، فبإستثناء أشرف ريفي في طرابلس، لم تستطع القوات إختراق الساحة السنية، كما كانت تأمل بعد تعليق الرئيس سعد الحريري نشاطه السياسي وعزوفه عن الترشح، بالرغم من كل المساعي التي قام بها السفير السعودي في هذا المجال، وهي بهذا المعنى تفتقد لرافعة إسلامية، وهذا ما يطرح السؤال عن مدى قدرتها على “تقريش” هذا الإنتصار بالسياسة .

الإنتخابات لم تفرز كتلة سنية وازنة واحدة يمكن أن تدَّعي بأنها تمثل السُنة اللبنانيين


يبقى أن نقول في هذا الباب، بأنه لا يمكن ونحن نقيِّم حسابات الربح والخسارة، إلا أن نتطرق إلى تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري، الذي وإن كان خارج إطار هذه المنافسة الإنتخابية، إلا أنه أثبت – حتى الآن على الأقل – بأنه لا يزال الأكثر تمثيلاً للسُنة في لبنان، بدليل أن الإنتخابات لم تفرز كتلة سنية وازنة واحدة يمكن أن تدَّعي بأنها تمثل السُنة اللبنانيين، بل أفرزت شخصيات قد يكون العدد الأكبر منها ككتلة وليس كأفراد، من القريبين من جو المستقبل وهذا يثبت فشل كل المحاولات التي هدفت لخلق زعامة تحل محل سعد الحريري حتى إشعار آخر، بالرغم من أن المقاطعة لم تزد نسبتها إلا بفارق بسيط عن الإنتخابات الماضية، بشكل بدا وكأن هناك تبادل أدوار بين تيار المستقبل الذي قاطع هذه المرة، وأنصار المجتمع المدني من المقاطعين في الإنتخابات السابقة، الذين شاركوا هذه المرة بكثافة ليسدوا فراغ المستقبل، ويحصدوا ثلاثة مقاعد في بيروت الثانية، وهو بلا شك إنجاز كبير لهم، أخذوه من رصيد المحسوبين على السعودية.

ايران لا شك تعرضت لنكسة جراء هذه النتائج وفقدان الأكثرية النيابية التي كانت مثار فخر قاسم سليماني وغيره من المسؤولين الإيرانيين يوماً ما


هذا على المستوى الداخلي اللبناني، فماذا عن نصيب الرعاة الإقليميين من هذا الإستحقاق، الذي كان يخاض بالنيابة عنهم – سواء أحببنا أم لا لكنها الحقيقة – وهم كما هو معروف إيران والمملكة العربية السعودية، هنا أزعم بأن النتيجة كانت مفاجئة ولصالح لبنان واللبنانيين ولو أنها ليست كافية حتى الآن، وبطبيعة الحال فإن ما يقال عن النتائج التي حصدها “رعيتهم” الممثلة بالأحزاب والشخصيات التابعة لهم في لبنان يسري عليهم، فإيران بلا شك تعرضت لنكسة جراء هذه النتائج وفقدان الأكثرية النيابية التي كانت مثار فخر قاسم سليماني وغيره من المسؤولين الإيرانيين يوماً ما، والتي كانت مضرب مثل عن “الإنتصارات” التي حققتها إيران في الإقليم، وهذا ليس تفصيل خاصة بعد النكسة التي تعرض لها أنصارها أيضاً في العراق ولو أنها لا تزال تمسك بسيف التعطيل هناك، وهو ما قد يعطينا فكرة عما ينتظرنا في قادم الأيام، وهو ما كنا عانينا منه منذ العام 2008 بعد أحداث 7 أيار المشؤومة وإتفاق الدوحة.

السعودية فهي يمكن القول أنها حققت “نصف إنتصار” ولكن على الساحة المسيحية فقط

أما المملكة العربية السعودية فهي يمكن القول أنها حققت “نصف إنتصار” ولكن على الساحة المسيحية فقط كما أسلفنا في حديثنا عن القوات اللبنانية ، لكنها – أي السعودية – فشلت على الساحة السنية التي تُعتبَر ملعبها الرئيسي، فشلت في تنصيب خلف لسعد لحريري بالرغم من كل الجهود التي قام بها السفير السعودي وليد البخاري، والتدخلات بهذا الشكل غير المسبوق والذي لم نتعوده من المملكة من قبل، التي حاول عبرها السفير البخاري دعم تشكيل لوائح عبر الرئيس فؤاد السنيورة، الذي أظهرت التطورات بأن خطوته هذه كانت بمثابة “غلطة الشاطر” بالنسبة له، وكذلك عبر العمل لدى دار الفتوى، لإفشال المقاطعة التي أعلنها محازبي تيار المستقبل دعماً لرئيسهم وتضامناً معه، في قراره بتعليق النشاط السياسي والعزوف عن خوض الإنتخابات ليبقى بذلك “نصف الإنتصار” محصوراً بالوكيل المسيحي فقط، بينما المكون الدرزي هو في المنطقة الوسطى وهو ما يعيدنا، كما الوضع بالنسبة للقوات اللبنانية إلى السؤال عن كيفية ترجمة هذا الإنتصار المبتور – إذا صح التعبير – في السياسة والمواجهة المفترضة مع محور إيران وممثله في لبنان حزب الله.

يبدو وكأن الجميع حقق نصف إنتصار ونصف هزيمة ويبدو أن الآتي من التطورات لن يكون سهلاً وسنبقى ندور في حلقة مفرغة كما السابق


إنطلاقاً من هذه الأجواء التي يبدو وكأن الجميع فيها حقق نصف إنتصار ونصف هزيمة، يبدو أن الآتي من التطورات لن يكون سهلاً وسنبقى ندور في حلقة مفرغة كما السابق، خاصة وأن الإنتصار الذي حققته قوى التغيير على أهميته، لن يكون بمقدورها صرفه بسهولة في ظل التوازنات القائمة، وهكذا سيبقى الوضع على ما هو عليه من شلل وموت بطيء أقله حتى نهاية العهد، والإرهاصات بدأت مع أول إستحقاق أمام المجلس النيابي الجديد المتمثل بإنتخاب رئيس ونائب رئيس له، عدا عن تشكيل حكومة جديدة ، وفي الإنتظار تزداد معاناة المواطنين مع التحليق الجديد لسعر صرف الدولار ومعه أسعار المحروقات وكافة السلع، وفقدان الخبز من الأفران جراء تداعيات الإنهيار وكذلك الحرب في أوكرانيا، في الوقت الذي يتبارى الأطراف في تعداد نوابهم وكل “حزب بما لديهم فرحون” ، وكأنك يا بو زيد ما غزيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السابق
بالفيديو.. دكتور في الجامعة اللبنانية يكسر بخاطر طالبته أمام الحضور في حفل تكريمي!
التالي
انهيار كارثي لليرة.. «الدولار» يكسر عتبة الـ 34 الفا!