«غيوم سود» في سماء لبنان… والبطريرك مرتابٌ من «انقلاب على نتائج

البطريرك مار بشارة بطرس الراعي

لم تُخالِفْ المرحلةُ الانتقاليةُ التي دَخلَها لبنان التوقعات بأنها ستكون مزنّرة بالأسلاك الشائكة والأشواك على خطّيْ التتمات الدستورية للانتخابات النيابية التي يُخشى أن تكون «ولّادةَ» أزماتٍ أكثر ضراوة، كما حال الانتخابات الرئاسية التي تقترب البلاد من أن تطفو في مدارها وهي فاقدة توازنها السياسي وبالكاد تقاوم جاذبية السقوط المميت بقوةِ الانهيار المالي المريع.

فلم تكن بعد دُشنّت (منتصف ليل السبت – الأحد) مرحلةُ تصريفِ الأعمال التي ستتولاها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وذلك بالتزامن مع بدء ولاية برلمان 2022، حتى تراكمت الغيوم السود في سماء أشهرٍ مفصلية تتشابك فيها الاستحقاقات، وسط استعادة «اشتباكاتٍ» سياسية، وأبرزها بين رئيس البرلمان نبيه بري و«التيار الوطني الحر»، خرج معها الجمر مجدداً من تحت رماد علاقاتٍ «رُمِّمت» حصْراً لتؤدي «وظيفة انتخابية» انتهتْ سريعاً صلاحيتها.

اقرأ أيضاً: بوادر صراع سياسي على شكل الحكومة الجديدة

وفيما كانت كل الأوساط الديبلوماسية والسياسية في بيروت ترصد تداعيات عودة «الخشونة» إلى «خط تماس» بري – التيار الحر على مسار الجلسة التي يُنتظر أن يدعو إليها رئيس البرلمان (بصفته رئيس السن في البرلمان الجديد) لانتخابه مجدداً رئيساً لمجلس النواب، هو الذي يواجه «معركة بالأوراق البيض»، أطلقتْها بوجهه غالبية مكوّنات الأكثرية الجديدة و«المتنوّعة»، فإنّ «هديرَ» الاختناقات المعيشية بدا أقوى من كل العصف السياسي وانقساماته القديمة أو الجديدة، سواء نظراً للتداعيات الدراماتيكية المتدحْرجة لتحليق سعر صرف الدولار بلا سقوف، وهو تجاوز أمس، 32 ألفاً و200 ليرة (وهو رقم قياسي جديد)، أو في ضوء الأبعاد الخطيرة التي بدأت تُعطى لهذا الأمر وعبّر عنها بوضوح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.

وجاءت أبرز «الإنذارات» من «الطوفان الآتي»، عبر موقفين:

الأول: صرخة نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون الذي حذّر من «أن نسبة الإشغال في المستشفيات لا تزيد على 50 في المئة، ورح تشوفوا الناس عم تموت ببيوتها بسبب عدم قدرتها على دخول المستشفى»، لافتاً إلى أن «المصارف تحجز أموال المستشفيات، ونحن علينا أن ندفع نقداً وليس لدينا أي طريقة للوصول إلى أموالنا»، وذلك فيما كان أحد عناصر قوى الأمن الداخلي يقوم بإطلاق النار داخل مستشفى في صيدا، بعدما رفضت الإدارة إدخال ابنه ومعالجته، وذلك في امتدادٍ لأزمة طبابة هذه القوى التي كان فجّرها رفض غالبيّة المستشفيات استقبال عناصرها وعائلاتهم بسبب عدم تسديد المستحقات المتوّجبة عن طبابتهم من جهة، وتدنّي التعرفات المعتمدة من المديرية من جهة ثانية. علماً أن حلّاً كان جرى الحديث عنه لهذه المعضلة على قاعدة التعهد بصرف مبالغ شهرية للمستشفيات لتغطية أكلاف الاستشفاء لهؤلاء، سواء في الخدمة أو المتقاعدين.

والثاني: تحذير رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في محافظة النبطية حسين وهبي مغربل من «ثورة جياع، إذ لا يجوز تحت أي ابتزاز سياسي أو غيره، جعل رغيف الخبز مادة للتجاذب، لأن ثورة الرغيف إذا انطلقت قد لا تبقي ولا تذر» وسط تسجيل سعر ربطة الخبز في هذه المنطقة 30 ألف ليرة، وذلك بانتظار بروز مفاعيل الحل الموقت الذي اتخذته الحكومة في جلستها الأخيرة لتمويل استيراد القمح المدعوم ريثما يمنح البرلمان الجديد موافقته على قرض البنك الدولي في هذا الخصوص.

وفي حين كانت الأزمات المعيشية تشتدّ، وسط قفزاتٍ يومية قياسية للدولار بأكثر من 1500 ليرة بدأت ما أن أقفلت صناديق الاقتراع وتمددت مع إعلان نتائج الانتخابات، التي لَفَحتْها رياحُ تغييرٍ عززت حضور القوى السيادية وأدخلت «القوى التغييرية» بعدد وازن، بما بدّل وجْه الأكثرية النيابية (كانت في يد ائتلاف حزب الله – التيار الحر وحلفاؤهما) من دون أن تقود وُجهتَها حتى الساعة أي أكثرية «ثابتة»، فإن البطريرك الراعي فجّر ما يشبه «القنبلة السياسية» بإعلانه «ما لفتنا وآلمنا أن تندلع، غداة إعلان نتائج الانتخابات، اضطرابات أمنية، وأن تعود أزمة المحروقات، وينقطع الخبز، وتفقد الأدوية، وترتفع الأسعار، ويتم التلاعب بالليرة والدولار»، معتبراً «أن هذا التطور المشبوه يؤكد مرة أخرى أن هناك مَن يريد تعطيل واقع التغيير النيابي وحركة التغيير السياسي، والانقلاب على نتائج الانتخابات والهيمنة على الاستحقاقات الآتية. إننا ندعو جميع المسؤولين والقادة إلى تحمل المسؤولية وندعو الشعب إلى التصدي له».

ولفت الراعي إلى «أن قيمة القوى الفائزة بالأكثرية ليست بعدد نوابها، بل بقدرتها على تشكيل كتل نيابية متجانسة ومتحدة ومتعددة الطوائف حول مبادئ السيادة والاستقلال والحياد واللامركزية»، داعياً إلى «انتخاب رئيس للمجلس النيابي الجديد على أسس الدستور والميثاق، وتأليف حكومة وطنية على أسس التفاهم المسبق على المبادئ والخيارات والإصلاحات فلا تتعطل من الداخل، وانتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية على أسس الأخلاق والكفاءة والتجرّد والشجاعة والموقف الوطني»، ومطالباً «جميع المواطنين، لاسيما أولئك المؤمنين بالتغيير الإيجابي وبالسيادة الوطنية وبوحدة السلاح وبالحياد وباللامركزية، باليقظة والاستعداد لمواجهة الالتفاف على الإرادة الشعبية حتى لا يضيع صوت الشعب الصارخ في وجه المصالح السياسية والتسويات والمساومات وتقاسم المناصب على حساب المبادئ».

وفي موازاة ذلك ازدادت تعقيدات جلسة انتخاب رئيس البرلمان ونائبه وهيئة المكتب تمهيداً لاكتمال عقد مجلس النواب المنتخَب إيذاناً ببدء عمله وتحديد موعد لاستشارات تسمية شخصية لتشكيل حكومة جديدة، عمرها الدستوري محكوم بانتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون (31 أكتوبر) ويجب أن تولد قبل 31 أغسطس تاريخ تحوُّل البرلمان هيئة ناخبة رئاسية وإلا تَكَرَّس أن حكومة تصريف الأعمال الحالية سـ «تعيش» حتى الإفراج عن الاستحقاق الرئاسي المرجَّح ألّا يكون إلا… قيصرياً.

وفيما تتبلور تباعاً استراتيجية غالبية القوى السيادية (ما عدا التقدمي الاشتراكي) والنواب المستقلين والتغييريين في ما خص معاودة انتخاب بري وذلك على قاعدة السعي لإغراق هذه العملية بكتلة من الأوراق البيض يجْري العمل لأن تبلغ أكثر من النصف بحيث يظهر بري رئيساً لا يحظى بأكثرية البرلمان الذي يترأسه، وفي الوقت نفسه محاولة إيصال نائب رئيس يظهّر انتخابه بوضوح ولادة أكثرية جديدة وإن «موْضعياً» ريثما تتضح أكثر العلاقة بين «بلوكاتها» المتنوّعة، فإن البارز كان «الحريق» السياسي الذي اندلع على جبهة بري – «التيار الحر» على تخوم ما يُحكى عن مقايضة يجري العمل عليها بحيث يمنح التيار أصواتاً لـ «التمديد السابع» لزعيم «حركة أمل» تكفل ميثاقية انتخابه وتوفّر نصاباً عددياً وازناً لا يُظْهِر بري فائزاً بأصوات هزيلة غير مسبوقة.

وبحسب أوساط على خصومة مع عهد الرئيس عون، فإن كلام رئيس «التيار الحر» جبران باسيل، أول من أمس، أوحى بأن ثمة مقايضة يُعمل عليها في هذا الإطار، ولكن سقفها و«سلّتها» مازالت موضع خلاف، معتبرين أن باسيل بسؤاله «ماذا يمنع من إعطاء فرص للآخرين برئاسة المجلس ونيابته طالما أن المقاومين والأوادم كثر؟» ثم قوله «مَن يفكر أن يقايضنا رئاسة المجلس بنيابة الرئاسة، فهو يخطىء ويسترخصنا» إنما عزز اقتناع كثيرين أن مثل هذه المقايضة لا يكون «نصفها الآخر» أقل من ضمانةٍ له برئاسة الجمهورية، رغم أن رئيس التيار أعلن «أن أقلّ شيء يحكى معنا بإقرار اللامركزية الموسعة، بالنظام الداخلي لمجلس النواب وبالتصويت الإلكتروني، بفصل فعلي للسلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، باسترداد الأموال المحولة للخارج، والتدقيق الجنائي والكابيتال كونترول وتحقيق المرفأ».

وإذ ردّ النائب علي حسن خليل (المعاون السياسي للرئيس بري)، متهماً باسيل بأنه «متضخّم ومتوهّم بأن هناك مَن يفاوضه ليضع دفتر شروط، وما يحاول أن يضعه من شروط، مردود إليه، ولم يتعود الرئيس بري أن يفاوض من تحت الطاولة على أي من المواقع، وهو يشرّفها، ولم يقبل يوماً من أحد أن يضع شروطاً عليه بأكبر بكثير مما هو مطروح»، توقّفت أوساط واسعة الاطلاع عبر «الراي» عند إشارة باسيل إلى أنه في حال المعاندة في تشكيل الحكومة «فهذا يؤكد وجود نية من رئيس الحكومة وغيره، نلمسها بوضوح، لعدم تشكيل حكومة وتجاوز الدستور باعتبار الحكومة الحالية حكومة كاملة الصلاحيات»، وتحذيره «انتبهوا، هذا يسقط الطائف ويجعل كل موقع ومؤسسة دستورية قائمة من دون حدود زمنية»، وهو ما بدا غمزاً من إمكان بقاء الرئيس عون في موقعه من هذه الزاوية.

وكان لافتاً في سياق متصل، ما نقله موقع «لبنان 24» (محسوب على ميقاتي) من أنه بعد تحوّل الحكومة إلى تصريف الأعمال وفي ظل «الأجواء السياسية العامة التي توحي بانقسام حاد زادت حدته نتائج الانتخابات النيابية، ما يُدْخِل الملف الحكومي مجدداً في دائرة التجاذبات والتعقيدات»، فإن «ميقاتي الذي دعا في كلمته يوم الجمعة الماضي، إلى الإسراع في الخطوات المطلوبة لتسمية رئيس الحكومة الجديد وتشكيل حكومة جديدة في أسرع وقت، سيدير المرحلة حكومياً انطلاقاً من مفهوم «المصلحة الوطنية Raison d’Etat وسيتخذ كل الخطوات المناسبة في الوقت الذي يراه مناسبا».

وتوقع الموقع في الوقت نفسه أن يُصْدِر رئيس الحكومة تعميماً يدعو فيه إلى التقيد بأحكام المادة 64 من الدستور في معرض تصريف الأعمال بعد اعتبار الحكومة مستقيلة، في إشارة إلى «تصريف الأعمال بالمعنى الضيق».

السابق
اشتباه بحالة «جدري قردة» في لبنان.. وأسبوعان خطِران صحياً!
التالي
وداعاً شاعر البنفسج