حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: ايران و«الشعب العميل»!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

حراك دبلوماسي وسياسي لافت، تشهده العاصمة الايرانية طهران في هذه الايام، معطوف على مؤشرات متلاحقة ومتزايدة، على امكانية حصول تطورات دراماتيكية في االشارع الايراني، نتيجة تصاعد الازمة الاقتصادية، قد يحمل على التفاؤل الحذر بوجود مؤشرات جدية، على اعادة احياء المفاوضات النووية بين ايران والمجموعة الدولية، واخراجها من الانسداد الذي وصلت له وهدد بالاطاحة بها.

اقرأ أيضاً:   حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: إيران.. الشعب يريد «المعكرونة»!

لعل المحطة الابرز في هذا الحراك، الزيارة التي قام بها امير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد الى طهران، والمباحثات التي اجراها مع مرشد النظام ورئيس الجمهورية، وتمحورت حول ازمة المفاوضات النووية، والملفات الاقليمية من سوريا والعراق واليمن، والاليات التي تساعد على توفير ارضية لتسوية شاملة، بين النظام الايراني والادارة الامريكية حولها، 

اهمية الزيارة القطرية، تنبع من انها جاءت، بعد رسالة طهران الواضحة التي وجهتها لواشنطن وعواصم القرار والدول الاقليمية، بدأت استقبال الرئيس السوري بشار الاسد، بحيث اكدت تمسكها بمناطق نفوذها في الاقليم وعدم استعدادها التنازل في اي منها، ثم بتوجيه رشقة جديدة من الصواريخ الدقيقة باتجاه نقاط محددة في مدينة اربيل، مركز اقليم كردستان العراق، وصفتها طهران بمقرات لانشطة اسرائيلية تعمل على استهدافها. ما يعني ان النظام وحرس الثورة مستمران في سياسة التصعيد وتوجيه الرسائل، في ظل تمسك الادارة الامريكية بموقفها المتشدد، الذي يحول دون حصول النظام على مطالبه، في موضوع العقوبات والاعتراف بالدور الاقليمي. 

اهمية الزيارة القطرية تنبع من انها جاءت، بعد رسالة طهران الواضحة التي وجهتها لواشنطن وعواصم القرار والدول الاقليمية

الزيارة القطرية، سابقتها او تزامنت معها الزيارة مساعد مفوض السياسية الخارجية في الاتحاد الاوروبي انريكه مورا، الذي يعتبر حاليا قناة تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، والمباحثات المكثفة التي اجراها مع مسؤول الملف التفاوضي علي باقري كني، الذي سبق ان كان في زيارة الى قطر قبل ايام لم تعرف طبيعتها ولا الاطراف التي التقى بها، فضلا عن ان مباحثاته مع مورا في طهران احيطت ايضا بتكتم شديد حول تفاصليها، والمخارج الكفيلة باعادة الاطراف الى طاولة التفاوض، والتسويات المحتملة للشروط المتبادلة بين الطرفين الايراني والامريكي، التي تسهل حسم القرار السياسي المعرقل لاعلان الاتفاق. الا ان الابرز في الزيارة الاوروبية وحسب ما يتم تداوله من معلومات، ان مورا سينتقل بعد طهران الى الدوحة، لعقد لقاء مع المندوب الخاص للبيت الابيض في الملف الايراني روبرت مالي، لوضعه في اجواء مباحثاته مع الجانب الايراني. 

وفي الوقت الذي تبدو طهران او تظهر وكأنها الممسكة بكل خيوط اللعبة، وتتحكم بها وبمساراتها على المستوى الاقليمي، الا ان وضعا اخر اكثر صعوبا وتعقيدا على المستوى الداخلي، بدأ يتصاعد منذرا بامكانية حصول انفجار شعبي اعمال احتجاج وشغب، نتيجة تفاقم الازمة الاقتصادية، وباتت تهدد استقرار النظام وتفجيره من الداخل. 

في الوقت الذي تبدو طهران وكأنها الممسكة بكل خيوط اللعبة وتتحكم بها وبمساراتها على المستوى الاقليمي الا ان وضعا اخر اكثر صعوبا وتعقيدا على المستوى الداخلي،

ففي خبر لافت في توقيته ودلالاته، اعلنت وزارة الامن والاستخبارات الايرانية، عن اعتقال شخصين من جنسيات اوروبية، دخلا ايران بهدف التنسيق مع مجموعات داخلية ايرانية، تم تدريبها سابقا لنتظيم اعمال احتجاج وشغب في المرحلة المقبلة. وان هذين الشخصين متخصصان في هذه الاعمال وكيفية تنظيمها وتوجيهها، وقد قاما بهذه الاعمال في اكثر من دولة. 

ما يعني ان النظام واجهزته الامنية، يتوقع حدوث اعمال شغب وتخريب، وتحركات احتجاجية واسعة نتيجة تفاقم الازمة المعيشية، والانهيار الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار الامريكي على حساب العملة الوطنية، بعد ان تخطى حاجز 30 الف تومان في الايام الماضية. وهي توقعات، تتزامن مع ارتفاع مستوى التحذيرات الامنية من اكثر من جهة في النظام، خاصة من بعض نواب البرلمان ومن بينهم اعضاء في لجنة الامن القومي، والتعبئة الطلابية (البسيج) من ارتفاع حدة التململ داخل الاوساط الشعبية، نتيجة فقدان مادة الطحين وارتفاع اسعارها الجنوني في الايام الماضية، بالاضافة الى مظاهرات وتجمعات لموظفين في القطاع العام في اكثر من مدينة، تطالب برواتبها التي عجزت الحكومة عن تسديدها، فضلا عن مطالبتهم بتحسين اوضاعهم المعيشية. وان خروج الناس الى الشارع هذه المرة لن يكون مشابها للمرات السابقة، بل سيكون اكثر عنفا واتساعا، ما قد يضع النظام امام تحد مختلف وصعب ومعقد. خاصة اذا ما تم الغاء الدعم عن “الدولار” المخصص لاستيراد المواد الاساسية الضرورية، وما يعنيه ذلك من انفجار في الاسعار التي تفوق حاليا قدرة المواطن العادي على توفيرها.

ما يعني ان النظام واجهزته الامنية يتوقع حدوث اعمال شغب وتخريب، وتحركات احتجاجية واسعة نتيجة تفاقم الازمة المعيشية والانهيار الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار

هي المرة الاولى التي تعلن وزارة الاستخبارات والامن، عن عملية اعتقال استباقية لاشخاص متهمين بالتخطيط لاعمال شغب، على العكس من المرات السابقة التي كانت تعلن عن اعتقال ميداني لمثل هؤلاء الاشخاص من الايرانيين، المرتبطين باجهزة استخبارات خارجية، وذلك في محاولة لتسويغ عمليات القمع العنيفة التي مارستها ضد المحتجين وسقوط اعداد كبيرة من القتلى والجرحى ( في الاحتجاجات الاخيرة عام 2019 سقط اكثر من 350 قتيل باعتراف وزير الداخلية حينها). 

وهذا يعني، ان الوزارة والاجهزة الامنية والعسكرية ودوائر السلطة والنظام، بات لديها شبه يقين بان الاوضاع الداخلية ذاهبة الى الانفجار، على خلفية الازمة الاقتصادية، وان الاقتراب الى نقطة اللاعودة يسير بشكل متسارع، نتيجة فشل الحكومة في ادارة الملف الاقتصادي بمختلف جوانبه. 

لذلك يمكن اعتبار هذا الاعلان، نوعا من الرسائل التي يوجهها النظام واجهزته الامنية والعسكرية الى الداخل والخارج على حد سواء، خاصة وان بيان الوزارة خاطب الشعب الايراني ووضعه في تفاصيل عملية الاعتقال والاهداف، التي يعمل عليها المعتقلون ومن معهم من اجهزة استخبارات خارجية. 

لجوء هذه الاجهزة للتصدي لهذه التحركات سيكون قاسيا وحاسما وعنيفا خاصة وان الاتهامات الموجهة للمعتقلين هي التخطيط للقيام باعمال عنف وتخريب

فالرسالة الاولى موجهة الى القوى والجماعات، التي قد تملك نية الخروج الى الشارع والقيام بتحركات اعتراضية، بان اجهزة النظام ستتعامل مع اي تحرك على انه عمل يستهدف امن واستقرار ايران، وانها تحركات مدفوعة ويتم تحريكها من اعداء ايران. وبالتالي فان لجوء هذه الاجهزة للتصدي لهذه التحركات، سيكون قاسيا وحاسما وعنيفا، خاصة وان الاتهامات الموجهة للمعتقلين، هي التخطيط للقيام باعمال عنف وتخريب وقد تصل الى الاعمال الامنية ضد الاستقرار الداخلي.

اما الرسالة الثانية، فهي موجهة الى الاجهزة الاستخباراتية الخارجية، التي تنشط في العمل على الداخل الايراني، بان النظام على استعداد للممارسة اعلى درجات القمع والعنف من اجل الدفاع عن مصالحه لافشال هذه المخططات، خاصة وان الجهة المتهمة هذه المرة ستكون الدول الغربية في حين كانت دول الجوار الخليجي المتهمة في المرات السابقة. 

السابق
في لبنان فقط.. تحذيرٌ من «رشاوى المياه» قبل الإنتخابات
التالي
هل ينتقم «١٥ أيار» من «٧ أيار»؟!