«سوق العِتَق» في البسطة البيروتية تُحف تروي الذكريات والحكايات

سوق البسطة القديم
على بعد أمتار قليلة من ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح وسط بيروت، تتوزع قطع الأنتيك والأثاث القديم أمام المحلات في محلة البسطة. سوق يشبه حكايات ألف ليلة وليلة، مر عليه الزمن وتكدست محتوياته فوق بعضها البعض حتى بات على ما هو عليه اليوم هو «سوق العِتَق» حيث يتمّ بيع وشراء الأثاث والتحف القديمة التي تعود إلى 100 أو200 عام.

يعود سوق البسطة والمعروف بـ«سوق العِتَق» إلى أربعينيات القرن الماضي، في تلك السنوات، أنشأت محلات صغيرة وبسطات على جانب الطريق التي تربط برج أبي حيدر بوسط بيروت لبيع التحف والأنتيك، حيث كان التجار يشترون من البيوت ما يود أصحابها التخلص منه من أثاث إلى تراثيات وثريات ونحاسيات وزجاج، وكانوا يقومون بعرضها للبيع من جديد.

و»سوق العِتَق» في البسطة، المخصص للتحف والقطع الأثرية ينعش ذاكرة زواره ويعيدهم إلى سنين طويلة خلت، السوق انطلق قبل 80 عاماً على يد أحمد العلول وإبراهيم سعد ومسلم بوشر وعلي الزين عمار وحسن حجازي الذين افتتحوا محالّ تعنى بتجارة التحف.

تعرض القطع القديمة والتاريخية في «سوق العِتَق» منها ما هو من أيام نابليون، والعصر العثماني ومنها قطع أنتيك وتحف منذ حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كل ما من هذه الحقبة مطلوبة الآن.  من يشتري قطع الأنتيك يعمل على تزيين بيته أو قاعات الاحتفالات، والعرض والطلب عبارة عن أناس تبيع وأناس تشتري، ومحلات السوق هي الوسيط.

قطع أثرية عمرها 300 عام يمكن الاحتفاظ بها والمحافظة عليها من خلال العناية والترميم والاهتمام الدائم

كان أصحاب المحلات في «سوق العِتَق» يتجولون في أزقة وشوارع جميع المناطق اللبنانية وينادون بأعلى أصواتهم معلنين استعدادهم لشراء كل ما يعتبر عتيقاً من الأثاث: خزائن، وسجاد عجمي، وأوان نحاسية، وغيرها من المقتنيات. عرفوا باسم بائعي «البالة» وعلى مرّ السنين، استطاع هؤلاء تكوين سوق سميت بـ«سوق العِتَق» ومع مرور الزمن اتسع السوق وكبر، لم يكن عدد المحلات يتجاوز ستة أو سبعة محلات، وبعد أن بدأ كبسطات ومحلات صغيرة أصبح سوقا فيه عشرات المحلات. كان أصحاب المحلات يشترون العتيق والأنتيك من البيوت والقصور، مثلا صاحب بيت يموت أو يهاجر يعرض أثاث منزله القديم للبيع، أو أحد أصحاب البيوت القديمة يرغب في تغيير أثاث منزله فيعرض الأثاث القديم للبيع.

هواية جمع الأنتيك

أصحاب المحلات في «سوق العِتَق» لديهم مندوبون ونشطاء ومتخصصون يتابعون حركة البيع والشراء في المنازل والقصور، طبعا هناك من يأتي إلى السوق بنفسه ليعرض قطع الأنتيك وأثاث منزله القديم للبيع بداعي السفر أو الهجرة أو رغبة منه بتغيير أثاث منزله أيضا.

ومصدر الأنتيك غير محصور بمنطقة أو بلد، فالتجار يختارون القطع الثمينة التي تتميز بأصالتها وعمرها ونظافتها، من أي مكان أتت.

يقول سامر العلول وهو أحد أصحاب محلات العِتَق والأنتيك في سوق البسطة: «ورثت هذه التجارة عن وأبي وأبي ورثها عن جدي، وكان جدي بدأ العمل في هذه التجارة بعد العام 1948».

وأضاف العلول: نحن أساسا من قرية جنوبية قرب الحدود مع فلسطين المحتلة، هجر والدي وجدي القرية بعد نكبة فلسطين وبسبب تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان.

«نشتري التحف والقطع الأنتيك القديمة من البيوت والقصور القديمة، وهناك مندوبون وأشخاص متخصصون متعاونون، يتابعون حركة العائلات يبحثون بين البيوت والقصور القديمة أو يسألون أقارب العائلات التي هاجرت لبنان خلال العقود الماضية، في حال كانت لديهم رغبة في بيع أثاث المنزل المتروك أو المهجور».

ويتابع العلول، أحيانا تكون المفاوضات مباشرة مع أصحاب الأثاث وأحيانا تكون من خلال وسيط، بعد الاتفاق تتم عملية الشراء، وبعد الشراء إما أن نبقي القطعة على حالها من أجل التأكيد على تاريخها، وإما نعمل على ترميمها وصيانتها وتنظيفها.

مصدر الأنتيك غير محصور بمنطقة أو بلد فالتجار يختارون القطع الثمينة التي تتميز بأصالتها وعمرها ونظافتها من أي مكان أتت

قطع أثرية عمرها 300 عام مثلا، يمكن الاحتفاظ بها والمحافظة عليها من خلال العناية والترميم والاهتمام الدائم.

وحول طريقة البيع للزبائن، يقول سامر العلول، من يشتري قطع الأنتيك والتحف هو من يهوى جمع هذه القطع لتزيين صالة بيته أو قصره أو لتزيين محال بيع الذهب والحجار الكريمة وغيرها.

تراجع السوق

اليوم ومع انهيار الأوضاع الاقتصادية وحتى تراجع حركة السياحة والتجارة وحركة السوق، أصيب سوق الأنتيك أو العِتَق في البسطة بجمود كبير، تراجعت الحركة في السوق ولم تعد عمليات البيع والشراء كما كانت، بل هناك محلات أغلقت أبوابها.
تلاصق محلات بيع الأنتيك والتحف والأثاث القديم في «سوق العِتَق» بعضها، ما يسهل على أصحاب المحلات الجلوس معا وتبادل الحديث والأفكار حول المقتنيات وأخبار السوق خلال تناول فنجان القهوة الصباحية. قطع أنتيك وتحف كبيرة وأخرى صغيرة، تكدست فوق بعضها، كراسي وطاولات وتماثيل عمرها عشرات ومئات السنين تتوزع في زوايا وأمام المحلات تنتظر الزبائن.

إقرأ أيضاً: مؤامرة وجودية ضد السنّة في لبنان

وجميع تجار محلات التحف والأنتيك في السوق يشكون مما وصلت إليه الأوضاع وتراجع حركة البيع والشراء، جمود قاتل أصاب السوق خلال السنوات الأخيرة، أوضاع أمنية وسياسية غير مستقرة، وانهيار حاد في الاقتصاد والعملة الوطنية، حركة السياحة توقفت في لبنان، واللبناني بدأ يبحث عن ثمن لقمة عيشه وحبة الدواء وحليب أطفاله قبل الاهتمام بالأنتيك والتحف القديمة، وهذا ما أدى إلى جمود حركة البيع والشراء في سوق العتق في البسطة بشكل ملحوظ.

تحف سوق البسطة

يؤكد ماهر مرة وهو أحد أبرز تجار السوق أن بيع الأنتيك والتحف تراجع منذ سنتين مع انهيار الوضع الاقتصادي والمالي، وعدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، وتراجعت معه حركة البيع والشراء إلى أكثر من 70 إلى 80 في المئة، لم تعد هناك حركة ناشطة في سوق البسطة، كما كانت خلال عقود مضت، وهناك الكثير من أصحاب المحال يملكون القطع الأثرية والأنتيك ولكن لا يعرضونها للبيع.

وتوقفت حركة البيع والشراء في السوق بسبب عدم وجود سيولة مالية مع الناس، ومعظم الناس لا تستطيع سحب ودائعها من المصارف لتتمكن من تأمين حاجاتها الحياتية من مواد غذائية وأدوية فكيف سنطلب منها الاهتمام بالتحف والأنتيك، بل إن محلات كثيرة أقفلت بسبب الجمود الاقتصادي والانهيار المالي وتراجع وتوقف حركة السياحة في البلد، هذا كان له الأثر الكبير على حركة السوق وتراجع بيع وشراء القطع الأثرية والأثاث القديم عما كانت عليه في سنوات سابقة، حتى خلال سنوات الحرب كانت الحركة في السوق أفضل مما هي عليه اليوم.

رائحة الذكريات

«أحيانا كنا نشتري كل أثاث البيت بعد ذلك أصبح السوق يتسع وخاصة خلال سنوات السبعينيات».

ويتحسر أصحاب المحلات في سوق العتق في البسطة على زمن مضى، كان الشارون ورواد السوق يملأون الأزقة والممرات، ويعج السوق بالشارين العرب والأجانب حيث كانت المعروضات ذات قيمة كبيرة بالنسبة للجميع، أما اليوم فباتت الحركة شبه معدومة للأسف.

كان أغلب رواد السوق هم من اللبنانيين والعرب والأجانب، يتجولون بين المحلات لشراء تحف شرقية يمكن له أن يحملها إلى بلاده. سكان الخليج العربي كانوا يترددون إلى السوق ويشترون التحف التي يعجبون بها، تبهرهم وتدهشهم.
ويقصد السوق أناس من مختلف الجنسيات والطبقات الاجتماعية للبيع والشراء، والمعروضات كثيرة من قطع نحاسية وزجاجية زخرفية وخشبية من مختلف الأحجام، تنتظر من تجذبه ليشتريها فتدخل منزله شاهدة على حقبة من حياة أيام وناس.

وختم مرة قائلا، طبعا هناك محلات في قطر والكويت ودول الخليج العربي الأخرى تأتي إلى «سوق العِتَق» في بيروت، لشراء التحف لعرضها وبيعها في بلادهم.

ومع انهيار الأوضاع الاقتصادية وحتى تراجع حركة السياحة والتجارة وحركة السوق أصيب سوق الأنتيك أو العِتَق في البسطة بجمود كبير

أيا تكن حالها اليوم، فإن بعض هذه التحف والأنتيك بات يزين أفخم وأجمل البيوت والقصور في لبنان والدول العربية والعالم، ولا تزال تحكي قصص من عاشوا معهم واحتفظت بتاريخهم.

تحف تروي بصمتها العميق ألف حكاية وحكاية. وللماضي في سوق العتق في منطقة البسطة رائحة الذكريات، وحنين اليوم للأمس والمستقبل للحاضر والرجوع إلى القديم بجماله ومتانته.

رغم حالة الجمود التي أصابت «سوق العِتَق» ورغم حالة الانهيار التي تشهدها الحركة التجارية في لبنان، إلا أن السوق يبقى معلما ومكانا خاصا ومقصدا لمن يرغب في اقتناء التحف في لبنان والوطن العربي والعالم.

السابق
مؤامرة وجودية ضد السنّة في لبنان
التالي
بالفيديو والصور: مجزرة روسية تودي بـ100 جندي في ميكولاييف الأوكرانية..الضحايا قضوا وهم نيام!