من بغداد إلى بيروت..الإنتخابات بين صناديق الإقتراع و «الذخيرة»!

ياسين شبلي

لا صوت يعلو فوق صوت الإنتخابات هذه الأيام في لبنان، “بإستثناء ربما صوت الطائرات الإسرائيلية في الأجواء”، من كل الجهات المعنية والمهتمة، سواء موالين ومعارضين تقليديين، أو سلطة و”ثوار “، من طامحين بالتجديد إلى طامحين بالوصول، الكل يبني حساباته وآماله على صندوق الإقتراع، وكأنها المرة الأولى في لبنان، ما يدعو للتساؤل عن سبب هذه  “الهوجة”، وعما إذا كان هناك من كلمة سر تفسر، هذا الحماس وهذا التفاؤل عند البعض بالتغيير، من خلال هذا الإقتراع. لا شك بأن الإنتخابات، هي مظهر من مظاهر الديمقراطية وتداول السلطة، وإن كانت لا تُعتبر دليلاً على وجود هذه  الديمقراطية، التي هي أوسع وأبعد من مجرد إنتخابات، يمكن التلاعب بنتائجها بعدة أساليب، ولكنها مع ذلك وعلى محدودية تعبيرها عن ديموقراطية حقيقية، تبقى من الإستحقاقات المهمة، التي يجب على المواطنين أخذها بجدية وحماس. 

ولكن هذا الأمر، ربما يكون ذي جدوى ويُعتبر من الواجب الوطني، عندما يكون هناك دولة طبيعية لها قوانينها المستمدة من دستورها، ولها أحزابها الملتزمة بهذا الدستور وهذه القوانين، ولها رجالها الذين يسهرون على إحترام الدستور، وحسن تطبيق القوانين دون إستنسابية أو مصلحة شخصية أو حزبية.

التعايش بين صندوقي “الإقتراع والذخيرة” بات مستحيلا في ظل التجارب الماضية منذ العام 2005 وحتى اليوم

أما في البلاد التي أُتفق على تسميتها ببلاد العالم الثالث، ونحن منها – مع أننا بتنا في عداد دول العالم الثالث عشر – حيث هناك دستور مفصل، على مقاس الحاكم أو الحزب أو الطوائف الحاكمة – وهذه حالنا في لبنان – ويغيره الحاكم كما يغير سرواله، وقوانين لا علاقة لها أصلا بالدستور ومواده، تصبح الإنتخابات مهزلة ومسخرة بشكل عام، مع إستثناءات بسيطة هنا وهناك، تعود ربما لوجود بعض الأحزاب والأفراد المناضلين، الذين يمثلون بحق نبض الناس وعينها التي تقاوم المخرز. 

بالنسبة للإنتخابات النيابية القريبة المزمع إجراؤها في لبنان في 15 أيار المقبل، وبغص النظر عن القانون الهجين الذي إختلطت فيه “الأنساب” السياسية والقانونية من أكثري إلى نسبي إلى صوت تفضيلي، ومن وطني إلى طائفي إلى مذهبي، وذلك عبر دمج “الجينات” المأخوذة من مختلف الأطراف لضمان مصالحهم، وبغض النظر عن توجهات مختلف الأطراف، سواء بالمشاركة أو المقاطعة، يبقى السؤال المطروح.

هل هناك حقاً فرصة حقيقية للتغيير، أو حتى مجرد “هز” للطبقة السياسية الحالية، بجميع مكوناتها وأحزابها، عبر خروقات هنا وهناك من قوى التغيير، أو في أحسن الأحوال عبر إنتقال الأكثرية النيابية من ضفة إلى أخرى؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه “تنفيسة” للوضع الحالي، خاصة مع قرب إنتهاء عهد ميشال عون، مع ما يرمز إليه من تبعية لمحور الممانعة، وبالتالي هي محاولة لضخ بعض الدم في شرايين البلد، القابع في غرفة العناية الفائقة بين الحياة والموت؟ وبالتالي هل من الأفضل المشاركة في الإنتخابات أم مقاطعتها؟ 

الواقع بأن هناك ثلاث طروحات في هذا المجال، لكل منها أسبابه الموجبة سواء  بالمشاركة أو المقاطعة. الطرح الأول وهو طرح بعض القوى، منها التقليدية ومنها الثورية، ينطلق من أنه لا بد من إحترام آليات العمل السياسي، عبر المشاركة في الإنتخابات، بغض النظر عن الظروف السياسية السائدة، لأنه لا بديل عن هذه الآليات بنظرها، أقله في الوقت الحاضر، التي هي بالنتيجة حصاد توافق، بين جميع الكتل السياسية في البلد أو معظمها على الأقل، وهي بالتالي نابعة من إرادة أغلبية الناس، ولو أنها أغلبية نسبية وليست مطلقة ، وفيما تحاول  القوى التقليدية وغالبيتها من قوى السلطة، التجديد لنفسها عبر التحالفات بين بعضها البعض، ولو إنتخابيا، بغض النظر عن الخلاف السياسي، وعبر وعود وشعارات إصلاحية، تسعى بعض قوى الثورة والمجتمع المدني وبعض الأحزاب، للوصول إلى الندوة البرلمانية بهدف التغيير الذي تراه ممكنا، عبر صناديق الإقتراع، أو على الأقل محاولة إضعاف منظومة السلطة نسبياً، عبر إنتهاج مسار نضالي تراكمي حتى الوصول إلى الهدف المنشود. 

هل الانتخابات حقاً فرصة حقيقية للتغيير أو حتى مجرد “هز” للطبقة السياسية الحالية بجميع مكوناتها وأحزابها عبر خروقات هنا وهناك من قوى التغيير؟

الطرح الثاني يدعو الى “مقاطعة إيجابية” – إذا صح التعبير – عبر الإقتراع بورقة بيضاء، تفضح هزال هذه السلطة وتمثيلها، الذي تتحكم عبره بمقدرات البلد والناس، وتضع قوانينها بإسمه، بينما هو في الحقيقة تمثيل “وهمي”، من وجهة نظر أصحاب هذا الطرح، وهو نابع من سلبية الناس ويأسهم من التغيير، وبالتالي إستسلامهم لهذه المنظومة وكأنها قدرهم.

هذا الطرح الذي تقوده بعض المجموعات والشخصيات المعارضة، لا يلقى كثير إهتمام بسبب ضعف “التسويق” له – إذا صح التعبير – وشرحه للعامة من الناس، التي قد لا تعرف مدى تأثير هكذا طرح على نتيجة الإنتخابات ومدى فعاليته، وهو طرح ينطلق من قناعة بإستحالة تغيير السلطة، من دون تغيير أدواتها المتمثلة، بكل من شارك بها وزيرا كان أم نائبا.

وبالتالي “كلن يعني كلن”، وهو الشعار الذي يرى فيه البعض – بغض النظر عن صحته – بأنه غير واقعي في ظروف كالتي يمر بها لبنان.   

إقرأ ايضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: مصير المنطقة العربية بين أميركا وإيران (2)

الطرح الثالث والأخير هو المقاطعة ترشيحاً وإقتراعاً كما أعلن مؤخراً تيار المستقبل، وهو طرح تتبناه أيضاً بعض المجموعات المعارضة، وينطلق هذا الطرح من أنه لا أمل بالتغيير، أو حتى الإصلاح عن طريق صناديق الإقتراع بوجود “صناديق الذخيرة”، والمقصود هنا سلاح حزب الله، بما يمثله من هيمنة إيرانية، تصل بنظر بعض هذه الأطراف حد الحديث عن “إحتلال إيراني” للبلد، وبأن التعايش بين هذين الصندوقين “صندوق الإقتراع والذخيرة”، بات مستحيلا في ظل التجارب الماضية منذ العام 2005 وحتى اليوم.

وهذا الطرح في الحقيقة هو الأقرب إلى الواقع المعاش للأسف، بالرغم من سلبيته بشكل عام، فالتجارب منذ إنتخابات 2005 مرورا بإنتخابات 2009، حيث كانت الأكثرية النيابية في جانب ما كان يسمى قوى الرابع عشر من آذار، وهي القوى “السيادية” المعارضة لحزب الله وسلاحه، والتي دخلت معه في صراعات نتج عنها أحداث 7 أيار، وما سبقها وما تلاها من تصفيات وإغتيالات، ومن ثم تسويات، ومع ذلك لم يصل البلد إلى بر الأمان، وكذلك الأمر في إنتخابات 2018، التي حصدت فيها ما كان يسمى قوى 8 آذار الأكثرية النيابية، بعد أن كانت “فازت” بإنتخابات الرئاسة عام 2016، ومع ذلك وصلنا إلى جهنم بإعتراف الجميع، وما ذلك سوى لأن البلد وبصراحة بات – كعادته ربما – محكوما بالصراع الإقليمي، أكثر من أي وقت مضى، وبشكل سافر لا لبس فيه ولا حرج، حيث تمدد حزب الله بما هو “ذراع محور الممانعة الطويل”، بنشاطه العسكري والأمني ليتخطى حدود لبنان، ويصبح سلاحه قضية إقليمية أكبر من لبنان.

وبالتالي بات لبنان ودولته وكل ما فيه رهينة هذا الصراع، وهو ما يعزز هذا الطرح بالمقاطعة، خاصة إذا ما نظرنا حولنا ورأينا ما يحدث اليوم في العراق بعد الإنتخابات الأخيرة، وهو تقريباً ما حصل في لبنان في السنوات الماضية، من تعطيل لتشكيل الحكومات، الأمر الذي قد يجعل من مقتدى الصدر – أو ربما هذا هو المطلوب –  النسخة العراقية من سعد الحريري، إذا ما إستطاعت القوى المؤيدة لإيران محاصرته وشل حركته السياسية، ما لم يطرأ تطور إقليمي أو داخلي يساعده على الإفلات من الحصار.

فالعراق لطالما كان ومنذ خمسينيات القرن الماضي أيام “ثورة العراق”، ضد الملكية عام 1958، يمثل “ترمومتر” للأوضاع في لبنان، خاصة هذه الأيام مع تصدُّر العامل الشيعي وبقوة، المشهد السياسي في البلدين.خلاصة القول بأن الإنتخابات ستكون – وأرجو أن أكون مخطئاً – ككل شيء في لبنان ،”جعجعة بلا طحين”، وسيبقى البلد ومعه الناس يدورون في حلقة مفرغة، ما لم تتغير المعطيات الإقليمية، سواء بتجديد الإتفاق النووي بين أميركا وإيران، مترافقا بتعهدات للتهدئة في المنطقة من جانب إيران، وهذا قد يحمل الإستقرار للمنطقة والبلد.

ولكن بالتأكيد لن يحمل التغيير المنشود، بل سيكون نوع من “تشريع” الواقع أو “تشريع الضرورة” بقاموس اللغة السياسية اللبنانية الفريدة من نوعها، أو بإشتداد الصراع وفتح جبهات جديدة في المنطقة، كلبنان وغزة بالإضافة لليمن، وهو ما بدأت تباشيره على هيئة “إستعراضات جوية” في أجواء لبنان وفلسطين المحتلة في الأيام الأخيرة، وإن كانت حتى الآن تدخل في إطار تحسين شروط التفاوض ربما، أو الإتفاق في فيينا من ضمن عرض العضلات، والأوراق الموجودة في جعبة كل طرف.

وكذلك لشد عصب البيئة في زمن الإنتخابات في الداخل اللبناني. في الإنتظار، لا بأس من عرض بعض المسرحيات الهزلية والكوميدية السوداء في الداخل اللبناني، من “الإشكال” حول إقرار الموازنة في مجلس الوزراء، الذي قام ببطولته الثنائي الشيعي، إلى مطاردات  “الجنرال” غادة عون ل “جنرالات” المال والأمن، في إطار محاولة تصفية الإرث “الحريري” في السلطة، لمحاولة شد عصب طائفي وسياسي، بات رخوا لإعادة تعويم صهر الجمهورية، ومن تصريحات رئيس الحكومة المضحكة – المبكية عن ضرورة تحمّل بعضنا البعض، نحن الضحايا وهم الجلادون، إلى الإشكال بينه ووزير الطاقة حول خطة الكهرباء الجديدة – القديمة التي باتت كقصة إبريق الزيت التي لا نهاية لها.

ما يجري من عرض بعض المسرحيات الهزلية والكوميدية السوداء في الداخل اللبناني ليس الا لشد عصب البيئة في زمن الإنتخابات

مسرحيات إلهائية لتمرير الوقت، الذي يمر ثقيلاً ومكلفا على الناس، بحيث يأكل من بقايا مدخراتهم، تاركاً تأثيره السيء على حاضرهم ومستقبل أبنائهم، سواء في الصحة أو التعليم أو الحياة الإجتماعية وعلى الوطن، بحيث يخلو من طاقاته في كل المجالات، حيث الهجرة باتت هي الحل للأسف وليست الإنتخابات، في ظل نظام مأزوم وهجين.

وتثبت الأحداث والتطورات يوما بعد يوم، بأنه فاشل وغير قابل للحياة الطبيعية، كما تعيش الأنظمة الأخرى في بلاد، لديها الحد الأدنى من المنطق السليم والأخلاق، في التعامل مع شعوبها، وهو الحد الذي لم يحافظ عليه زعماء ومسؤولي هذا البلد، فكان لا بد من جهنم مهما طال الزمن.    

السابق
وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: مصير المنطقة العربية بين أميركا وإيران (2)
التالي
اهالي ضحايا المرفأ يُصعّدون: لا إعمار قبل صدور الحقيقة