وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: مواجهة خارج الديمقراطية

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.

التصريح الأخير لأحد نواب حزب الله، بأن أحدا لن يحكم لبنان حتى لو حاز على الأكثرية النيابية، ليس مجرد موقف، وليس أيضاً تعبيراً عن ذهنية وطريقة سلوك فحسب، بل هو تقرير لواقع، كشف عن قواعد اللعبة السياسية وتحديد معالمها، وترسيخ لأصول انتظام الشأن العام في لبنان.

إقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: ماذا يعني أن تكون لبنانياً؟!

السلطة وفق هذا التحديد، لا يملك زمامها من يتفوق في التنافس الانتخابي، ولا تستمد شرعيتها من الإجماع العام أو التأييد الشعبي. إنها سلطة التعيين الذاتي، التي يرى أصحابها أو رموزها أن حيازتها تستمد من مصدر غيبي متعال، من نص تفويض شبه مطلق يتعالى عن خصوصية الظرف والزمان  والمكان، من مهمة مقدسة وحس نبؤاتي.  هي سلطة لا يعنيها رضا الباقين أو اعتراضهم، موافقتهم أو احتجاجهم، إجماعهم أو رفضهم، فهذا كله خارج عن حقها الذاتي في إظهار نفسها وإمضاء أمرها.  إنها سلطة القوة التي تملك كل مقومات الإكراه المادية، لكنه إكراه غير مشروع، لأن قوامه الغلبة والإرغام، ومنطقه قهر باقي الإرادات لصالح إرادة واحدة. 

إنها سلطة القوة التي تملك كل مقومات الإكراه المادية، لكنه إكراه غير مشروع، لأن قوامه الغلبة والإرغام

لا تعود السلطة وفق هذا الوضع، تحتاج إلى قانون وغير معنية بالإلتزام به في حال وجوده. فالقانون في تعريفه البسيط هو حفظ جميع الحقوق وعدم الإعتداء عليها، وهو أمر يتطلب مبدأ عاماً شاملاً يكون بمثابة قاعدة كلية ملزمة للجميع، تكون محل قبولهم وإذعانهم.  كلية هذه القاعدة تعني تقيد أية إرادة جزئية بها والخضوع لكامل مؤدياتها.  أما حين تصر الإرادة الجزئية على أن تطابق نفسها فقط، بأن تفرض نفسها على الإرادات الجزئية الأخرى، عبر الإرغام والقهر والإرهاب، وتختزل القانون مبدأ جزئياً شخصانياً لا مبدأ كلياً، فإن هذا يصنف في التحليل القانوني جريمة، وفي التحليل السياسي استبداداً وطغياناً، وفي المعنى الاخلاقي استعلاءاً واستعباداً.  

الشرعية وفق هؤلاء لا تكون في رضا أو تأييد المجتمع بل في حيازة القدرة المادية وأدوات العقاب والترهيب

لا تعود السلطة وفق هذا الوضع تحتاج إلى رضا المجتمع أو رأيه، لأنها تتقوم بمصدر شرعية من خارج المجتمع، إما بادعاء قداسة ممنوحة لها، أو سمات قيادة استثنائية وفائقة. بهذا المعنى لا يعود معنى للديمقراطية، سواء أكان في مراعاة الرأي العام في الممارسة السياسية، أو في العملية الإنتخابية التي تحدد الجهة التي تحوز على ثقة المجتمع أو تأييده في ممارسة السلطة.  فالشرعية وفق هؤلاء لا تكون في رضا أو تأييد المجتمع، بل في حيازة القدرة المادية وأدوات العقاب والترهيب، لفرض إرادتهم على جميع أفراد المجتمع. وهو ما جعل الإنتخابات سابقاً وراهناً مجرد واجهة خارجية أمام المجتمع الدولي، ووسيلة لاختراق مؤسسات الدولة واستنزاف مواردها.

لا تعود السلطة وفق هذا الوضع تقوم على منطق الدولة أو تراعيه. لأن منطق الدولة أساسه تسيير شؤون المجتمع، عبر المؤسسات العامة لا الخاصة، والتقيد بأصول التفكير العقلاني، في عملية اتخاذ القرار لا الاستنسابية والمزاجية، والالتزام الصارم بنصوص الدستور والقانون، لا إنشاء عرف وقواعد رديفة، وتعالي السلطة على الاعتبارات الشخصية، لتكون المصلحة العامة مدار أي قرار أو موقف، لا الانهمام بتأبيد سلطة الحزب وهيمنته وغلبته.

هو وضع ليس بالجديد، والذاكرة لا تبخل بتوفير ممارسات ومواقف لهذا الحزب، تؤكد حقيقة وتجذر هذا الوضع، الذي بات تحصيل حاصل، وبمثابة القاعدة والخلفية لأي حياة سياسية، أو عملية اتخاذ قرار أو تجاذب أو تنافس سياسي.  هو وضع لا يحتاج إلى الكشف عنه أو إظهاره من خفائه، بل بات واضحاً وضوح الشمس، وقادة الحزب ما فتئوا يبنون على هذا الوضع، كل مواقفهم وممارساتهم وتحالفاتهم، ولا يتورعون عن المجاهرة به في كل مناسبة. 

لبنان وفق هذا الوضع ليس منتهك السيادة بقدر ما هو منتزع السيادة

هو وضع يحتاج الساعين إلى استرجاع دولة القانون والشرعية والسيادة، أن يستحضروا حقيقته ويقرأوا دلالته في بلورة خطتهم ووضع برنامجهم المقبل.  فلبنان وفق هذا الوضع، ليس منتهك السيادة بقدر ما هو منتزع السيادة، وليس منتقصاً في قانونه بقدر ما إن قانونه مصادر ومؤجل ومعلق، وليست ديمقراطيته مشوهة بقدر ما هي مرجأة ومعطلة.

هذا يعني أن الذين يراهنون فقط على كسب العملية الانتخابية لتحقيق أغراضهم هم واهمون، لأن معطيات القوة وترتيبات السلطة الراهنة، ستبقى ثابتة وصلبة مهما كانت نتائج هذه الانتخابات.  فقضية لبنان الحقيقية والفعلية لم تعد في تحديد من يفوز في الانتخابات، بل في استعادة أصل العملية الديمقراطية التي تجعل من الشعب وحده مصدر الشرعية، وفي استعادة الدولة لتكون وحدها صاحبة الحق الحصري بممارسة الإكراه المشروع.  هو استحقاق يفرض نقل المواجهة من داخل الديمقراطية إلى خارجها. 

السابق
السلطة تتكتّل في انتخابات المحررين.. القصيفي يُعلن عن لائحة «الوحدة النقابية»
التالي
مذكرة توقيف أميركية بحق جبران باسيل