«التدقيق الجنائي» يسير على درب «الإرتياب المشروع»!

يغرق ملف التحقيق الجنائي في الدهاليز اللبنانية، شأنه شأن كل الملفات المصيرية العالقة في البلد، ويبدو أن على اللبنانيين أن لا يتأملوا خيرا، في الوصول إلى نهايات سعيدة تكشف من سرق أموالهم، إذ لا يمكن للمرتكب أن يدين نفسه.

يمكن وصف ملف التدقيق الجنائي ب “المتاهة جديدة”، التي لن يعرف اللبنانيون كيفية الخروج منها، تماما كما حصل ويحصل في العديد من الملفات المصيرية السابقة، لأنه ببساطة لا يمكن لطبقة سياسية أن تقدم الدليل على إرتكاباتها، وأن تعمد إلى محاكمة نفسها. هذا التشبيه يبدو واقعيا، في حال رصد ما يحصل في ملف التدقيق الجنائي خلال اليومين الماضيين، حيث إشتكت مؤسسة “ألفاريس أند مارسال” بأن مصرف لبنان لا يزودها بالمعلومات المطلوبة، ما دفع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى الاجتماع مع وزير المال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة يوم أمس، وأصر خلال الاجتماع على “بدء مهام التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان من قبل مؤسسة “الفاريز ومارسال”، وتنفيذ العقد بينها وبين الدولة اللبنانية ممثلة بوزير المالية، ما يقتضي معه توفير “الداتا” والمستندات المطلوبة من المؤسسة بشكل كامل، كي تباشر مهامها وتصدر التقرير الاولي بنهاية 12 اسبوعاً كحد اقصى وفق منطوق العقد”.

إقرأ أيضا: التعقيدات الحكومية والقضائية على حالها..وليالي بيروت الحالكة تنتظر «أُنس فيينا»!

ولفت الرئيس عون “المجتمعين الى ان تداعيات عدم اجراء التدقيق سلبية على جميع الصعد، لاسيما وان القانون ينص على انسحاب التدقيق المالي على إدارات الدولة ومؤسساتها كافة.” ورد مصرف لبنان ووزارة المالية كان خلال الإجتماع بأنهما “يجريان ما يلزم وبالسرعة الممكنة لهذه الغاية”، كما أصدر مصرف لبنان بيانا اليوم أعلن فيه “ان إجتماعا إفتراضيا عقد بين شركة الفاريز ومارسال ومصرف لبنان ووزارة المالية أكد خلاله المصرف على استمراره بتعاونه الكامل بغية انجاز عملية التدقيق الجنائي، وأنه سيستمر في تقديم المعلومات التي طلبتها الشركة حتى ولو تخطى تاريخ تحضيرها نهاية العام الجاري ( تاريخ إنتهاء قانون تعليق السرية المصرفية)”.

تقارير “الفاريس أند مارسل” ممنوع إستعمالها كمستند أمام المحاكم والمراجع القضائية

كل هذه التطورات التي تحصل في هذا الملف تدعو إلى الريبة، والبحث عن “القطبة المخفية” التي تحول دون وصول هذا الملف الشائك إلى خواتيمه المرجوة، وفي هذا الاطار يشرح مصدر إقتصادي ل”جنوبية” أنه “في حال كانت شركة “ألفاريس أند مارسيل” تعاني من نقص في المعلومات لإنجاز عملها، يمكنها مراسلة مصرف لبنان ووزارة المالية بهذا الخصوص، ولكن تدخل قصر بعبدا في هذا الملف يظهر وكأن هذا الملف مسيس، ولا يتم معالجته وفقا للأصول المهنية والتقنية، لأن العقد الموقع مع الشركة، يجمع 3 أطراف هي وزارة المالية ومصرف لبنان والمؤسسة وقد بدأت عملها منذ أشهر”، لافتا إلى أنه “أزيلت جميع العقبات التي تعترض طريقها سواء لجهة رفع السرية المصرفية، من قبل مجلس النواب لمدة عام، ولذلك ما يحصل هو إستغلال سياسي للملف، ويصب في حانة الحملات التي تستهدف مصرف لبنان والحاكم  والتي تتجدد من فترة لأخرى”.

 يرى المصدر أنه “لا داعي ولا سبب مهني  لتصرف المؤسسة بل هو ضجيج سياسي، يمكن أن تكون بحاجة إلى معلومات إضافية، ولكن الواضح أن هذه التفاصيل يتم إستغلالها سياسيا”، مشددا على أنه “يجب أن “يُترك هذا الملف حتى يأخذ مجراه، علما أننا تأخرنا في إنجاز التدقيق الجنائي الذي من المفروض أن يبدأ في أيار 2020، لعدة أسباب وبعدها أزيلت العقبات وتجدد العقد مع المؤسسة وخلال 12 أسبوعا، من المفترض أن تقدم أول تقرير عن عملها و لهذا عليها القيام بعملها بعيدا عن الاحقاد وتصفية الحسابات والاستغلال السياسي والشعبوي”.

مجلس النواب طلب حصول التدقيق الجنائي بالتوازي في كل مؤسسات الدولة وهذا شبه مستحيل

ايلي يشوعي خبير اقتصادي
ايلي يشوعي خبير اقتصادي

على ضفة الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور إيلي يشوعي يرى ل”جنوبية” أن “القطبة المخفية هي موجودة في العقد الموقع بين “ألفاريس أند مارسال” والمصرف المركزي، لأن العقد يتضمن ثلاث عيوب كبيرة ممكن أن تعطل مفعول التدقيق المالي من أساسه”، شارحا هذه العيوب بالقول:” العقد ليس موقعا مع مؤسسة ألفاريس أند مارسل الأم بل مع ألفاريس مارسيل ميدل أيست، ولا أحد يعرف من هو مؤسسها ويمكن أن يكونوا على إتفاق، بتأسيس مؤسسة تحمل الاسم ذاته في الشرق الاوسط،  ولا أعتقد أن هذا الامر بعيد عن مجموعة الفاسدين الذين يديرون البلد، كما ينص العقد على أن “ألفاريس أند مارسيل” لن توقع على أي تقرير تصدره بهذا الشأن، كما أن تقاريرها ممنوع إستعمالها كمستند أمام المحاكم والمراجع القضائية”.

يشوعي لـ”جنوبية”: “التدقيق الجنائي” كما التحقيق في ملف المرفأ

 يضيف:”بناءا على هذه الثغرات يمكن أن نستخلص المسار الذي سيسلكه التحقيق، وهذا يعني انه كذبة جديدة على اللبنانيين الذين يصدقون أن التدقيق الجنائي سيحصل، وانا أدعو الجميع إلى قراءة العقد الذي إطلعت عليه من مصادري الخاصة وهي تتمتع بمصداقية عالية”. 

ويختم:”مسار هذا الملف سيكون كما التحقيق في ملف المرفأ أي المماطلة، وعلى الرأي العام اللبناني أن يفهم أنه لا يمكن لمرتكب أن يحاسب نفسه بل يجب أن تأتي سلطة أخرى لمحاسبة المرتكبين”.

وليد أبو سليمان
وليد أبو سليمان

يوافق الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان على أن هناك “أمرا مريبا يحصل في ملف التدقيق الجنائي”، ويقول ل”جنوبية”:”المشكلة الاساسية هي التأخر في بدء العمل نحو 11 شهرا، لإنجاز التدقيق وقانون رفع السرية المصرفية سيبقى ساريا حتى نهاية العام الحالي، والمشكلة الثانية أن المؤسسة، لا تقوم بعملها لأنها لا تحصل على كافة المعلومات التي تطلبها، والسؤال لماذا التأخر في تزويدها بالمعلومات هنا علامة الاستفهام الكبيرة “.

أبو سليمان لـ”جنوبية”: ما يحصل هو مضيعة للوقت

يضيف:”ألفاريس أند مارسال تقول أنها تحتاج إلى 12 أسبوع لأنجاز تقريرها الاولي، وهذا يعني أننا دخلنا في دوامة أن قانون رفع السرية المصرفية، سينتهي مفعوله نهاية العام ولا نعرف إذا سيتم تجديده من قبل مجلس النواب”.

ويختم: “شخصيا أشك بأن يظل هذا القانون سيبقى ساريا، وما يحصل هو مضيعة للوقت لأنه لن يحصل تدقيق جنائي لأنه يمكن أن يورط كل الطبقة السياسية، ولا ننسى أن مجلس النواب طلب حصول التدقيق الجنائي بالتوازي في كل مؤسسات الدولة، وهذا شبه مستحيل في ظل الآلية معتمدة حاليا  وعمليا ما يحصل هو طبخة بحص وهدر للوقت والاموال”.

السابق
للمرة الأولى.. الدولار بـ 25 الفا وتسعيرات خيالية في السوبرماركات!
التالي
توضيح من وزارة الاقتصاد.. سعر الخبز على حاله!