حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: وحدة الثورة.. ورقة شبكة وصورة

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يقف لبنان معلقا، على مفترق خيارات أساسية، بين احتمال ان تتمكن المنظومة السياسية الفاسدة، من إعادة إنتاج شرعيتها وسطوتها، وبين إمكان أن تستطيعَ قوى ١٧ تشرين، تأسيسَ نصاب سياسي، يفتح أفق التغيير والاصلاح، بمختلف مضامينه الدستورية والسياسية والادارية والاقتصادية والمالية.. فكيف تجري لعبة الصراع في المحطات القادمة، وما هي الأوراقُ والخياراتُ التي يمتلكها ويلعبها كل فريق من أفرقاء الصراع؟!

اقرا ايضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: غوث لبنان بين انتظارين


على جبهة المنظومة، تجري محاولات حثيثة لتزوير الانتخابات، وتحريف نتائجها قبل اجرائها، وذلك عبر التلاعب بموعد الانتخابات وتقديم موعدها، وذلك بهدف منع شريحة شبابية تبلغ سن الانتخاب في اخر نيسان، ويأتي موعد ٢٧ اذار ليحرم حوالي ٨٠ الفا من الشابات والشباب، من حق الانتخاب بذريعة الامتثال لضرورات صيام رمضان، من الواضح ان هذه الشريحة بمعظمها، لا تؤيد احزاب المنظومة ولا تتحمس لانتخابها، اما محاولة التلاعب الثانية، فتطال تصويت اللبنانيين في الخارج، والذين مارسوا حقهم الانتخابي في دورة انتخابات ٢٠١٨، ومن المتوقع نتيجة الهجرة الكثيفة التي طالت شعب لبنان، بعد الازمة المعيشية الراهنة وجريمة تفجير مرفأ بيروت، ان ترتفع اعداد هؤلاء من ٤٢ الف مقترع انتخبوا في الدورة النيابية الماضية، الى ما يفوق١٢٠ الف مقترع في الدورة القادمة، وعليه فان حجم التلاعب بعدد المقترعين قد يصل الى ٢٠٠ ألف ناخب، تجمع بينهم نقمة عارمة على المنظومة السياسية، وميلا أكيدا للانتخاب العقابي في مواجهة المنظومة واحزابها ورموزها.

على جبهة المنظومة تجري محاولات حثيثة لتزوير الانتخابات وتحريف نتائجها قبل اجرائها وذلك عبر التلاعب بموعد الانتخابات وتقديم موعدها


واذا ما عدنا الى جدول الاصوات التفضيلية التي نالتها احزاب المنظومة، خلال دورة الانتخابات النيابية الماضية، نجد ان الأصوات التفضيلية للأحزاب كانت : حزب الله 343.22 (١٣ مقعد ) التيار الوطني الحر 276.610، ( ٢٦ مقعد) تيار المستقبل 256.092 (٢٠ مقعد)، حركة أمل 204.199، ( ١٣ مقعد) القوات اللبنانية 162.078 ( ١٥مقعد) ،التقدمي الاشتراكي 88.268 (٩ مقاعد)، ويُظهر الجدول بشكل تقريبي، ان الكتلة المنوي الغاء حقها بالانتخاب، قد يترجم تصويتها اذا ما حصل، بعدد مقاعد نيابية يتراوح بين ١٠ و١٣ مقعد، من الارجح ان تكون ولاءاتهم خارج احزاب المنظومة وخياراتها.


كما ستظهر في خضم المشهد السياسي، زيادة مضطردة في عمليات الشحن الطائفي والمذهبي، وسيتم اطلاق شعارات مطلقة، كشعارات مواجهة “الاحتلال الايراني” ، باسم توحيد القوى السيادية في وجه حزب الله من جهة اولى، وتطييف قضية العدالة والتحقيق في جريمة المرفأ، وهي جريمة ضد الانسانية طالت كل لبناني وكل انسان حر ، فقضية المرفأ هي قضية وطنية لبنانية بامتياز، وليست قضية مسيحيين ترفع بوجه مسلمين، هي فضيحة ‎نفوذ الدويلة على الدولة، وثمرة مرة من ثمار هذه الهيمنة، لذلك فإن تطييفها يحصن المرتكبين ولا يضعفهم.


ومن المهم لقوى الحراك والانتفاضة اعلاء الصوت، من اجل توضيح الامور بشكل واضح وحقيقي، لأن إطلاق صفة “الاحتلال الايراني”، على هيمنة حزب الله على لبنان ومن خلفه وصاية ايران، هي مبالغة تجانب الحقيقة، وتفيد حزب الله بدل ان تزعجه، فالاحتلال يكون من قبل جيش غريب اجنبي، وحزب الله رغم ولائه المعلن لخامنئي ولفيلق القدس في الحرس الثوري، ليس بجيش اجنبي بل أنَّ افراده لبنانيون، ان رفع شعار الاحتلال الايراني بدل شعار رفع الوصاية الايرانية او مناهضة الهيمنة الايرانية، هو استعادة غير ناجحة، لمعزوفة قديمة، ووظيفتها كسب اصوات انتخابية في كسروان والمتن والشوف، وليس تهديد شعبية حزب الله في النبطية وبعلبك، ان رفع شعار “الاحتلال الايراني” هو رسالة دعم ل حزب الله في البيئة الشيعية، بان حزب الله جيش غريب، والشيعة جالية ايرانية، وان لا مكان لهم في لبنان بل ان مستقبلهم في ايران. مرة جديدة الصراخ في وجه حزب الله بشكل خاطئ يفيده ولا يضعفه.

من المهم لقوى الحراك والانتفاضة اعلاء الصوت

من جهة ثانية، فإن تشخيص الأزمة انها فقط سلاح حزب الله هو تشخيص خاطئ، لأنه يعفي باقي منظومة الفشل والفساد والمحاصصة من مسؤولياتها، ويتيح لها إعادةَ تعويم نفسها، من خلال حصر الأزمة باحتلال اجنبي! وعلى السياديين الاصدقاء الذين يريدوننا الانضواء في هذه المعركة، ان يوضحوا لنا المآل الذي يريدون ايصال لبنان اليه، هل هي الجمهورية الاولى، ام مسار الاصلاح السياسي الذي تم الاتفاق عليه في الطائف، ام الدولة الحديثة التي تبنى على المواطنة والمساواة، ام نظام الفيدرالية التي يروج لها؟

ومن جهة ثالثة فان نجاح اي مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، مشروط بقيام نصاب داخلي لبناني، يبدأ من الساحة الشيعية وحراكها في مواجهة حزب الله، ويندرج في حراك ١٧ تشرين على المستوى الوطني العام، لتعديل ميزان القوة الداخلي واستدراج تأييد خارجي قد يصبح ممكنا.

تشخيص الأزمة انها فقط سلاح حزب الله هو تشخيص خاطئ لأنه يعفي باقي منظومة الفشل والفساد والمحاصصة من مسؤولياتها

على مستويات اخرى، يتأمن للمنظومة الحاكمة من خلال الحكومة اقل من ملياري دولار مصدرها جهات دولية مانحة، تعتزم ان تصرفها في بطاقة تمويلية وصدقات حكومية وسياسية، في موسم الانتخابات النيابية.
فبعد سقوط مزاعم زعماء الاحزاب الطائفية امام جمهورهم، بادعاء حماية مصالحهم والزود عن مصادر عيشهم، وبعد أن تسببوا بكارثة طالت جنى اعمار رعاياهم، وارزاق واجور محاسيبهم ومناصريهم، وبعد ان كان الزعيم هو المرجع الذي يمَكِّن نصيره، من مخالفة القانون ويُسهّل له استباحة المال العام، ويوزع المغانم والمنافع والوظائف، ويستظل بقوته كل ذي حاجة أو وطر، انتقل هذا الزعيم الى فاعل خير، يسد رمق وجوع ضحاياه، و يمدهم بأدنى مقومات عيشهم، ودوائهم، وحليب أطفالهم، فلا حدود لتزييف واقع الازمة وأفرقائها، ولا رادع لمحاولة كي وعي الناس، وتزوير الحقائق والمواقف، فمن كان يستحق المثول في قفص الاتهام والمساءلة لارتكاباته المالية والإدارية، ولإهداره موارد الدولة، وتسخير مرافقها لمنافعه الخاصة، يتم اليوم السعي لإعادة تلميع صورته، كمحسن صاحب جاه، تدفعه شفقته وطيبته، لمساعدة متسولين كانوا اصحاب حقوق وكرامات، قبل ان تطحنهم الازمة، التي كان المتصدق أحد صانعيها، بشطحة قلم يتم تزييف صورة كل لبناني، من مواطن صاحب حقوق يُسائِلُ سلطته لينالها، الى متسول او قن مملوكي، يحتاج شفقة واحسانا من سارقه الذي تحول الى سيده.

ماذا تفعل قوى الانتفاضة في مواجهة ذلك ؛ يسود قوى الانتفاضة اتجاهان رئيسان؛ الاول يتبنى اولويته بناء اداة سياسية، او حزب او احزاب جديدة، تتصدى لمواجهة المنظومة الحاكمة في مناسبات قادمة، لا يهتم هذا الاتجاه بمعركة الانتخابات النيابية القادمة، لأنه يعتبر ان المواجهة طويلة الامد، وان موعد الانتخابات النيابية بعد عدة اشهر، ليس موعدا حاكما لسلوكيات هذا الاتجاه، وليس استحقاقا يتوجب التعامل معه كاستحقاق مفصلي، ويدأب هذا الاتجاه على تأكيد تمايز مجموعاته وتفردها، بنظريات فكرية وسياسية، وخوض منافسات مع مجموعات ثورية اخرى، والانخراط في مواجهات موضعية، تمكنه من تعبئة انصاره وكسب اعضاء جدد، والبروز الفاعل في النقابات والجامعات، دون اهتمام كبير بتعديل الميزان السياسي العام في لبنان، وفرض سياسات بديلة عن سياسات المنظومة، تتناول على سبيل المثال لا الحصر، تشريع قوانين تعزز المساءلة، وتعيد توزيع اعباء الكارثة الاقتصادية بشكل عادل، ولذلك لا يبدي هذا الاتجاه اي حرص على عملية توحيد قوى الانتفاضة او توسيع دائرة حركتها وتحالفاتها، مع قوى متأرجحة في خياراتها الفكرية والسياسية بين العداء للمنظومة، والانتماء الى قوى الثورة فعالياته، وهي قوى وازنة ومفيدة!

يسود قوى الانتفاضة اتجاهان رئيسان الاول يتبنى اولويته بناء اداة سياسية او احزاب جديدة تتصدى لمواجهة المنظومة الحاكمة


اما الاتجاه الثاني فهو اتجاه اصلاحي بامتياز، يهتم اولا بتعديل ميزان القوة السياسي العام، في المؤسسات الدستورية وفي اجهزة الدولة وهيكلياتها البنيوية، ويعتمد في سلوكه على حشد اوسع التحالفات الممكنة، وتفعيل كل آليات الاعتراض والضغط، من أجل خلق كتلة تاريخية حرجة، تلتقي على برنامج انقاذ وطني، وتسعى لاسقاط المنظومة السائدة، واعادة تشكيل سلطة بديلة، ولهذا فان هذا الاتجاه حريص، على اتباع وسائل التغيير والإصلاح الدستورية، وعلى خوض كل الاستحقاقات الديمقراطية الانتخابية؛ نيابية كانت او بلدية، او نقابية، كمحطات نضالية وساحات اشتباك، مع منظومة السلطة لإضعافها من ناحية أولى، ولبناء اداة سياسية بديلة وتوحيد قواها، وبلورة برامجها من خلال معارك المواجهة وتراكم انجازاتها.


وعلى الرغم من اختلاف الاولويات بين الاتجاهين، فان الحكمة والمصلحة تقتضي تزاوجا بين الاتجاهين وتكاملا بين الوجهتين. وما يسهل خلق اليات توحيدية لقوى الثورة، هو بروز عوامل جديدة لم تكن موجودة في بدايتها؛ أولها سقوط الوهم الذي كان سائدا بإمكانية تحييد حزب الله عن ساحات المواجهة مع المنظومة، بعد أن تولى حزب الله حمايتها والدفاع عنها، واعادة صناعة وحدتها، وبعد ان تولى علانية قيادة الثورة المضادة.

الاتجاه الثاني فهو اتجاه اصلاحي بامتياز يهتم اولا بتعديل ميزان القوة السياسي العام في المؤسسات الدستورية وفي اجهزة الدولة وهيكلياتها البنيوية


اما العامل الثاني فهو سقوط الوهم الذي اعترى بعض قوى الحراك، ان الثورة انتصرت وان موسم قطافها قد دنا، وهو ما دحضه سلوك المنظومة، وتشبثها بمقاليد السلطة والتخطيط المستمر من قبلها لادامة سلطانها.
اما العامل الثالث فهو خبو صراع الأجيال، الذي حمل رفضا شبابيا لمشاركة اجيال نضالية، اكبر عمرا، واغنى تجربة، بفعاليات الانتفاضة وفي رسم اجندتها.

اصبح واجبا بذل جهد تنسيقي مكثف لبناء شبكة نضالية موحدة لقوى الانتفاضة ومجموعاتها واحزابها وشخصياتها شبكة شاملة عابرة للمناطق ومتنوعة الطوائف


وانطلاقا من هذا الواقع فانه اصبح واجبا بذل جهد تنسيقي مكثف، لبناء شبكة نضالية موحدة لقوى الانتفاضة ومجموعاتها واحزابها وشخصياتها، شبكة شاملة عابرة للمناطق، ومتنوعة الطوائف، وغنية بكل الاجيال، وزاخرة بنضال النساء والرجال والشباب، وتضمينية تتسع لمختلف قطاعات الاعمال والمهن والحرف، والعاملين في شتى قطاعات الاقتصاد والخدمات، شبكة تستند الى لجان مناطقية واخرى قطاعية، كما تصوغ افكارها وحلولها وتوجهاتها نخب من الخبراء وقادة الراي والكفاءات.
شبكة اكبر من اي مجموعة او حزب او دكان، شبكة على قياس لبنان ومن اجل كل لبنان.
الشبكة تلك تستند الى ورقة تحمل اجندة سياسية، بمطالب الحد الادنى في وجه المنظومة، وتشتبك دوريا وتساجل المنظومة كل ما دعت الحاجة، وتقدم صورة لاداة سياسية بديلة.
الحاجة ملحة لورقة تحمل قضية.. وشبكة على مقياس وطن.. وصورة لوعد بإنجاز
درس العراق ما زال طازجا.. هل نتعلم؟

السابق
أزمة ثقة بين حزب الله والتيار.. جريصاتي:«واصلة معنا لراس مناخيرنا من الحزب»!
التالي
رغم اللعب على المكشوف.. «حزب الله» عاجز عن اعادة انتاج 7 أيار!