روسيا قلقة من إنعكاس المشهد الأفغاني على أداء ثوار سوريا!

سوريا نزوح
عاد المشهد السوري الامني والسياسي الى الواجهة مجدداً مباشرةً عقب التطورات الافغانية التي تمثلت بانسحاب الولايات المتحدة وحلفائها من افغانستان، وعودة حركة طالبان لاستلام السلطة بعد غياب كامل طوال عقدين نتيجة الاحتلال الاميركي لافغانستان، هذه التطورات تركت آثاراً بالغة التعقيد على المشهد السياسي والامني في المنطقة، وترجمته قوى سياسية بما معناه ان الصمود الذي اظهرته حركة طالبان قد اثمر انسحاباً اميركياً من البلاد عقب محادثات مباشرة برعاية قطرية في العاصمة الدوحة.

تشير اوساط واسعة الاطلاع على الشأن السوري، بان الخوف والقلق الروسي يتمثل في ان يتخذ او ينهج ثوار سوريا المسار القتالي الذي اتخذته حركة طالبان في معركتها مع الاحتلال الاميركي.. اي خوض حرب عصابات، والهدف هو انزال اكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية، واستنزاف القدرات العسكرية والمالية، بأقل كلفة وخسائر بشرية ممكنة، وتحييد الشعب السوري عن تحمل تداعيات عمليات القصف الجوي والهجمات البرية كما جرى في السابق، وتعطيل حملات الاعتقال والتعذيب التي قد تمارسها قوات الاحتلال والميليشيات التابعة لها او العاملة معها.

انجاز التسويات في سوريا والا فإن الصراع سوف يمتد ويتطور ويستنزف قدرات روسيا وايران

ومن المعلوم ان الاتحاد السوفياتي قد انهار عقب انسحابه من افغانستان نتيجة الصعوبات المالية والاستنزاف العسكري الذي اصابه، خلال المواجهات التي قادها ثوار افغانستان في تلك الفترة..وفلاديمير بوتين لا يرغب بتكرار هذه التجربة في سوريا او غيرها، خاصةً مع تغير المزاج الشعبي الروسي وتطور وسائل الاتصال والاعلام التي تكشف كل ما يجري بسرعة، مما يمنع عملية اخفاء الحقائق عن الشعب الروسي…ويتمثل هذا القلق الروسي في النقاط التالية:

  • انتقال ثوار سوريا من خوض معارك المواجهة المباشرة التي لا يملكون اليد العليا فيها نتيجة غياب الغطاء الجوي وقلة الذخيرة..الى تنفيذ عمليات نوعية تسهدف قوات الاحتلال الروسي والايراني والميليشيات الطائفية المتحالفة معها..
  • ضرب المصالح التابعة للاحتلال والنظام سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او ضرب نقاط التواجد العسكري والامني، فقد قالت وكالة الأنباء السورية (سانا) نقلاً عن وزير الكهرباء غسان الزامل أن «هجوماً على أحد خطوط الغاز المغذية لمحطة كهرباء دير علي، أدى إلى انقطاع الكهرباء عن العاصمة دمشق وضواحيها ومناطق أخرى».
  • قطع طرق الامداد وارباك الحركة التجارية والاقتصادية والامنية بين المدن والمحافظات.. مما يجبر القوات الروسية والمتحالفين معها على توسيع الانتشار مما يجعلها اكثر عرضة للهجمات المسلحة والمباغتة من قبل الثوار…( فقد صعّدت القوات الروسية، إلى جانب قوات النظام، من القصف الجوي والعمليات العسكرية البرية ضد خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” في البادية السورية. وتشارك قوات من “الفيلق الخامس” في قوات النظام وميليشيا “لواء القدس الفلسطيني” المدعومين من روسيا في العمليات، كما أرسلت قوات النظام تعزيزات عسكرية إلى محاور البادية السورية، لاستكمالها. كذلك قُتل جندي روسي بتفجير استهدف عربة عسكرية تابعة للشرطة العسكرية الروسية في محافظة حمص وسط سوريا، حسبما أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الخميس 9 من أيلول)….
  • اعتمدت روسيا على الدعم المالي ايراني مع بداية تدخلها العسكري في سوريا، والان مع تراجع الامكانيات المالية الايرانية، تجد روسيا نفسها ملزمة بتغطية نفقاتها من خلال الضغط على مقدرات النظام السوري الذي يخضع لها بالكامل، ومن استخدام اموال الشعب الروسي الذي لا يريد ان يتورط في حرب استنزاف جديدة…

لذلك فإن روسيا تعمل على معالجة كافة المشاكل والثغرات التي ترى انها قد تساهم في تخفيض مستوى التوتر او الحد من مخاطرالانزلاق الى حرب استنزاف مفتوحة مع الشعب السوري وثوار سوريا.. الذين سبق ان اعلنوا اعجابهم بانتصار حركة طالبان على الاحتلال الغربي لبلادهم.. وتتمثل الخطوات الروسية بالتالي:

  • معالجة مشكلة درعا وانجاز التسوية بين المعارضة والنظام برعاية روسية وبشروط ومراقبة ومتابعة روسية دقيقة
  • تطوير التعاون الروسي مع تركيا فيما يتعلق بنقاط المواجهة بين القوات الروسية والتركية وضبط القوات المحلية على الجانبين
  • فتح حوار روسي مع بعض قوى المعارضة السورية ( العشائر العربية، قوات سوريا الديمقراطية) لاحتواء التوتر وتقديم صورة ايجابية عن دور القوات الروسية في سوريا وتجنيبها اية هجمات او استهداف… على سبيل المثال ..رعاية روسيا لاتفاقية بين مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) وحزب الإرادة الشعبية الذي يرأسه قدري جميل في 31 أغسطس/ آب 2020.
  • تحجيم الدور الايراني في سوريا… على سبيل المثال تسيير دوريات في مناطق نفوذها، أو اعتقال قيادات عسكرية تابعة لها مما يؤكّد سعي روسيا لتحجيم نفوذها. ومؤخراً فقد ورد بروز خلاف بين قوات الفرقة الرابعة العاملة بإمرة ماهر الاسد مع ميليشيا حزب الله بعد مطالبة الاسد بحصة من مادة المازوت التي ينقلها حزب الله عبر المعابر السورية – اللبنانية .. بسبب فقدانها من الاسواق السورية وحاجة الاسد لها.
  • التفاوض الروسي المباشر مع اسرائيل لوقف هجمات الطيران الاسرائيلي على اهداف سورية او ايرانية على الاراضي السورية مقابل ضبط روسيا لاداء ايران.. واعلن لافروف ان امن اسرائيل هو اولوية السياسة الخارجية الروسية في سوريا..
  • التحضير لاطلاق مفاوضات التطبيع بين اسرائيل ونظام سوريا برعاية روسية.. وانبوب الغاز الذي سوف يمد لبنان بالغاز المصري عبر الاردن وسوريا قد فتح الباب واسعاً امام الكثير من التكهنات والتحليلات وحتى المعلومات عن مصدر الغاز وما سبقه من مفاوضات غير معلنة…
  • مفاوضات اميركية- روسية تجري حول مستقبل سوريا وضرورة التعجيل بتطبيق القرار 2254.. فقد نص القرار على دعوة الأمين العام للأمم المتحدة ممثلي النظام والمعارضة السورييْن للمشاركة “على وجه السرعة” في مفاوضات رسمية بشأن مسار الانتقال السياسي، ولذا فإن روسيا تسعى لارضاء المجتمع الدولي، وتهدئة الداخل حتى تتعرض لضغوطات بالغة تطيح بوجودها في سوريا.. وضرورة انجاز الدستور السوري الجديد..
  • استدعاء بشار الاسد مؤخراً الى روسيا للتأكيد على ضرورة السعي لتحقيق تسوية سياسية تخرج سوريا من الطريق المسدود الذي تعيشه، والانتقال الى مرحلة اعادة الاعمارالتي تتطلب انجاز تسوية سياسية ووقف الاعمال الحربية والخروج من محور ايران كما اشار لافروف صراحة في مؤتمره الصحافي الذي جمعه مع وزير خارجية اسرائيل ..

الخلاصة: نحن على ابواب مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي سبقت، والتسويات في المنطقة معرضة للانهيار اذا لم يفهم البعض خطورة التورط في تاجيج الصراعات والنزاعات واشعال الحروب والتلاعب بالمشاعر الدينية واللعب على وتر تشكيل حلف للاقليات او الاصرار على تغيير الوضع الديموغرافي او الديني .. في دول المنطقة .

إقرأ أيضاً: ميقاتي «يَتنصل» من إنتهاك الصهاريج للسيادة..والمؤامرة مستمرة: لا دعم ولا بنزين!

واذا نظرنا حولنا لوجدنا ان الدول التي تتلاعب ايران بمصيرها تعاني من ازمات متشابهة.. انهيار مالي، انقطاع التيار الكهربائي، تضخم مالي، فقدان للوقود، فوضى سياسية، صراعات مفتوحة، ميليشيات مسلحة لا تعرف ماذا تريد او ان تمارس السلطة بموضوعية واحتراف، لا تعرف اقامة علاقات داخلية متوازنة مع باقي المكونات الوطنية، او حتى انشاء روابط سياسية او تجارية مع الخارج… كل ما تعرف ان تقم به هو ادعاء الانتصارات الوهمية وهزيمة الخصوم، وتاجيج المشاعر الدينية والترهيب من سيطرة المتشددين…

الاتحاد السوفياتي قد انهار عقب انسحابه من افغانستان نتيجة الصعوبات المالية والاستنزاف العسكري الذي اصابه

لذلك لا بد العمل بهدوء على انجاز التسويات كما يقول احد السياسيين البارزين والمتابعين للشان السوري… والا فإن الصراع في سوريا سوف يمتد ويتطور ويستنزف قدرات روسيا وايران، التي تعاني اصلاً من صعوبات مالية، ومن تباين سياسي داخلي ومن سوء علاقات مع المجتمع الدولي، مع توقف المفاوضات حول ملفها النووي وصواريخها الباليستية ودورها الاقليمي .. والمربكة من تطورات الشأن الافغاني وانعكاساته وتداعياته على استقرارها وتمددها في دول المنطقة، تماماً كما تشعر روسيا … القلقة من انعكاس المشهد الافغاني على اداء ثوار سوريا…

السابق
معهد أمريكي: رغم منعها سقوط الأسد إلا أن روسيا لا تزال «غارقة في سوريا»!
التالي
بالفيديو: بعد عام على تفجيرات المرفأ..ضبط شاحنة محملة بـ20 طن من الأمونيوم في بدنايل!