عندما تحل «لعنة» الأحزاب اللبنانية.. على نفسها!

الاطفال في لبنان

مقولة العداء للاحزاب هو العداء للديمقراطية نفسها،  مقولة صحيحة، إنما  ليست في دولنا المتخلفة التي لم تعمل لجعل الديمقراطية قيمة وسلوك، ومنها لبنان. وبتحليل نقدي يمكن القول ان احزابنا اللبنانية بنت حضورها خارج الدولة، واشتركت جميعها في هتك هيبتها تحت مسميات مختلفة. الفكر اليساري وتحت مقولات الصراع الطبقي تم تحويل الدولة الى كائن مكروه، حركات الاسلام السياسي سنية كانت ام شيعية تجاوزت سيادة الدولة لصالح فكرة الخلافة او الولاية منطلقين من فكرة (الحاكمية)، اما احزاب اليمين فقد اعتبرت الدولة ملكا لها وعجزت عن تكريس مبادئ المساواة والمواطنة، بدورها الاحزاب القومية بجناحيها المتمثلة بالقومية السورية ام القومية العربية، قد تجاوزت الواقع تعسفيا واعتباطيا وراحت صوب وحدة لن تتحقق، بحيث اصبحت معادية لمصالح الشعوب نفسها بعد كل التحولات الكبرى، التي تكرست في القانون الدولي كمبدأ سيادة الدول او حق الشعوب في تقرير مصيرها، لتحاول ان تفرض علينا وحدة قسرية خارج كل امكانية.

وفي خضم هذه المعمعة، غُيبت الدولة كحيز شرعي، يتحقق من خلال وحدة الشعب كعنصر من عناصر وجودها، الذي يفرز نُخبا تعمل على بناء الدولة التي تتسع للجميع، وتضع المواطنة في صلب اولوياتها. وعود على ما تقدم الاحزاب في لبنان هي علة ديمقراطيتنا، وهم سبب كل ما يحدث في لبنان، لناحية تغول الطوائف واحزابها على منطق الدولة. فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك، انه كلما تقدم دور الدولة ضعف حضورهم والعكس صحيح، كلما تراجع دورها تزداد قوة تلك الاحزاب (الميليشيات) وتصلبها، ووقوفها في وجه أي تغيير حقيقي، ممكن ان ينتج عن حراك الشعب اللبناني.

إقرأ أيضاً: الأزمات نحو التفجّر.. باسيل يتولى مباشرة وشخصيا إدارة معركة «الثلث المعطل»!

جميع تلك الاحزاب، قد فشلت في بناء مشروع التعايش الحقيقي القائم على الانتماء الوطني، القادر على السير بنا صوب الاستقرار والازدهار. وما يعيشه لبنان في ظل عجز كامل عن ايجاد الحلول، شكل لحظة انكشافية لسلوك تلك الاحزاب، التي تعمل لمصالحها الخاصة، غير ابهين لمعاناة الشعب اللبناني، الذي يعيش ارهاصات ازمة وجودية، لم نشهد لها مثيلا في التاريخ الحديث كدولة مستقلة. فقد ظهر للعالم هزال الحياة السياسية في لبنان، ولن يكون لنا سبيل للتقدم والتغيير، الا من خلال النقد القاسي لتلك الاحزاب المتخشبة،وذلك نصرة للديمقراطية.

 وبناء عليه، ان العداء لتلك الاحزاب هو لب الديمقراطية التي يجب ان تكرس في القيم والسلوك، لتتجذر في المجتمع وتصبح اكثر مناعة لدى الاجيال القادمة.

ما يحدث الان من فشل في تشكيل الحكومة، يجب ان يقرأ ابعد من فشل منظومة سياسية، لها ما لها وعليها ما عليها، وابعد من صراع على المغانم والمصالح، انها الحقيقة التي برزت موجعة، لتؤكد اننا نفتقد لقوى حية ديمقراطية، تؤمن بالتغيير الفعلي وبتداول السلطة، وتأتي بالحلول لحظة الاستعصاء الدستوري، على غرار ما يحدث في باقي الدول التي تحترم شعوبها وقوانينها. فالرأي العام مهما كان نشطا بحاجة لقوى فاعلة حية، تمثل مصالح المجتمع وحاملة لمشروع تغييري، يسير به صوب المستقبل المزدهر، وتقوده باتجاه بناء الدولة، وتبني ركائز العمل الديمقراطي وتطور الحياة السياسية في لبنان، التي تعاني من وجود احزاب عاجزة عن نقد ذاتها، وتحديث اطرها التنظيمية، مواكبة لثورة الاتصالات والتقنيات الرقمية التي تنشر المعلومة في ثوان معدودات، بحيث اصبح المواطن العادي، على دراية بما يحدث من مستجدات قبل ان يعرفها الحزب نفسه.

فقد كانت الاحزاب قديما هي مصدر المعلومة، وهي المنتجة للسياسة، وكانت الجماهير تنتظر صدور بيان او توزيع الجرائد، ليعرف ماذا يدور في الكواليس المحلية والدولية، وإذ في ظل هذه التحولات الكبرى في وسائل التواصل، قد جعلت الحزب كمؤسسة اخر من يعلم، وان الشبيبة باتت اكثر قدرة وكفاءة من روساء الاحزاب انفسهم ومكاتبها السياسية ،في التعاطي مع اداوت الحداثة والتقنيات. لقد تجاوزتهم سرعة انتقال المعلومات والطفرة في استخدام الاجهزة الذكية، التي يبرع فيها جيل اليوم، وتلك لا محالة تؤثر على طريقة تفكيرهم واسلوب تقبلهم للافكار، وتحليلها وربطها بما يجري من حولهم. وما لم تنتبه له غالبية الاحزاب، هو فقدان اللغة والتواصل مع شباب اليوم، فذلك الانتظام الحزبي والصرامة التنظيمية فقدت رونقها وجاذبيتها، بسبب ان اللغة الخشبية التي تصدر بها لا يعقلها جيل التكنولوجيا الحديثة، فلغتهم اكثر كتافة في وعي الحاضر، واعمق وصولا الى  محددات التطور بصوره المختلفة، واصوب فهما لحاجات المجتمعات اليومية دون واسطة او “معلم”، وعلى هذا الواقع ينبغي لجميع القوى المجتمعية، ان تبني برنامجها لجذب الاجيال القادمة.

والا ستبقى لعنة علينا، وعلى الديمقراطية كحاجة لا بد منها..

السابق
الأزمات نحو التفجّر.. باسيل يتولى مباشرة وشخصيا إدارة معركة «الثلث المعطل»!
التالي
بالصور: اللبنانيون يصرخون: أوقفوا سرقة الشعب بدل «رفع الدعم»!